بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نسطر حظوفا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدية باب ما جاء في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان يصوم حتى نقول قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر قالت وما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا رمضان في هذا الحديث سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي هل كان يديم الصيام أم لا والمقصود منه صوم التطوع فقالت كان يصوم حتى نقول قد صام أي يستمر صائما في الأيام حتى يقول بعضنا لبعض أو نحدث أنفسنا ونقول مضى وستمر صائما ولا يزال كذلك وقولها ويفطر حتى نقول قد أفطر أي يستمر أياما مفترا حتى نقول سوف يمضي بقية الشهر مفترا وقولها وما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا رمضان فيه تنبيه على أن تتابع صومه كان أقل من أن يصوم الشهر كاملا إلا في رمضان فإنه صامه كاملا لكونه فرضا لازم وقولها منذ قدم المدينة خصصت هذا الوقت بالذكر لأنه الوقت الذي فرض فيه الصيام وكثرت فيه الأحكام وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان يصوم من الشهر حتى نرى ألا يريد أن يفتر منه ويفتر حتى نرى ألا يريد أن يصوم منه شيئا وكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته مصليا ولا نائما إلا رأيته نائما في هذا الحديث اعتدال وتوسط فلا صيام مستمر ولا فطر أيضا مستمر بل صوم وفطر يبدأ الشهر صائما ويستمر فيه حتى يظن أنه سيتم الشهر كله صائما ويفتر صلى الله عليه وسلم ويستمر فيه حتى يظن أنه يستمر مفترا إلى تمام الشهر وقوله وكنت لا تشاء تراه من الليل مصليا إلا رأيته مصليا ولا نائما إلا رأيته نائما أي كان صلى الله عليه وسلم معتدلا في لياله يعطي النوم حظه والصلاة حظها فلا افراط ولا تفريط وأناس رضي الله عنه سئل عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم فقط فأجاب السائل عن سؤاله وزاده خيرا لعلمه أنه يحتاج إليه وهذا من السخاء في بذل العلم وعن ابن عباس رضي الله عنه ما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول ما يريد أن يفتر منه ويفتر حتى نقول ما يريد أن يصوم منه وما صام شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا رمضان وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان وعن عائشة رضي الله عنها قالت لم أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر أكثر من صيامه لله في شعبان كان يصوم شعبان إلا قليلا بل كان يصومه كله في حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها ما رأت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان أما صيامه صلى الله عليه وسلم رمضان كاملا فهو أمر واضح وأما شعبان فإن الذي ثبت عنه صلى الله عليه وسلم هو صيام أكثره لا كله وقد مر معنا قريبا حديث عائشة وابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم ما صام شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا رمضان فيحمل قول أم سلمة رضي الله عنها يصوم شهرين متتابعين أي غالب شعبان وكامل رمضان يوضحه حديث عائشة الثاني حيث قالت لم أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر أكثر من صيامه لله في شعبان كان يصوم شعبان إلا قليلا بل كان يصومه كله روي عن ابن المبارك أنه قال في هذا الحديث جائز في كلام العربي إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله ويقال قام فلان ليله أجمع وهو إنما قام أكثره ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره فهذا الحديث مفسر للحديث الأول والحكمة من الإكثار من الصوم في شعبان ما ورد عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم وعن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام وقل ما كان يفتر يوم الجمعة في هذا الحديث أن عبد الله وهو ابن مسعود رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام والمراد بغرة الشهر أوله أو أنه يريد الأيام الغر أي البيض وكان صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر من أوله أو من أوسطه أو من آخره مجتمعا أو متفرقا وقوله وقل ما كان يفتر يوم الجمعة أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر من صيام يوم الجمعة وليس معنى هذا أنه كان يفرده بالصيام بل يصومه منضما إلى ما قبله أو بعده حيث ورد عنه النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم أو لعل ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم كالوصال وعن معادتا قالت قلت لعائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر قالت نعم قلت من أيه كان يصوم قالت كان لا يبالي من أيه صام في هذا الحديث رجع على العبد في الثلاثة أيام المستحب صيامها من كل شهر أن يصومها في أوله أو من أوسطه أو من آخره لهذا قالت عائشة رضي الله عنها كان لا يبالي من أيه صام وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم في حديث عائشة رضي الله عنها الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ويترقب صوم الاثنين والخميس والحكمة في ذلك كما جاء في حديث أبي هريرة الثاني أن الأعمال تعرض فيهما على الله عز وجل فيحب صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمله وهو صائم وورد أيضا أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه وهذه حكمة أخرى لصيام يوم الاثنين وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلثاء والأربعاء والخميس في هذا الحديث بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وإذا كانت هذه الأيام أيام البيض مثلا فإنها تختلف من شهر لآخر ففي شهر توافق السبت والأحد والاثنين وفي شهر آخر توافق الثلثاء والأربعاء والخميس وهكذا وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فترض رمضان كان رمضان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه في هذا الحديث أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية أي قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وعاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم قال ابن القيم رحمه الله فلا ريبا أن قريشا كانت تعظم هذا اليوم وكانوا يكسون الكعبة فيه وصومه من تمام تعظيمه فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يعظمون ذلك اليوم ويصومونه فسألهم عنه فقالوا هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون فقال صلى الله عليه وسلم نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه تقريرا لتعظيمه وتأكيدا وقوله فلما افترض رمضان كان رمضان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه في هذا دليل على أن صيام عاشوراء في بدء الأمر كان على سبيل الوجوب فلما افترض رمضان صار صيام يوم عاشوراء مستحبا وليس فرضا والسنة في صيام عاشوراء أن يصام اليوم التاسع معه مخالفة لليهود لما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لإن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع وصح في فضل صوم يوم عاشوراء تكفير ذنوب سنة ماضية وعن ع القمة قال سألت عائشة رضي الله عنها أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص من الأيام شيئا قالت كان عمله ديما وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق هذا الحديث عام في سائر العبادات ولا يختص بباب الصيام ولعل المصنف رحمه الله أورده في هذا الباب للإفادة منه في مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان يصومه من تطوع إذ كان عمله صلى الله عليه وسلم ديما أي يداوم عليه وقول ع القمة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص من الأيام شيئا أي بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره قالت عائشة رضي الله عنها كان عمله ديما أي دائما وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق أي أيكم يطيق في العبادة ما كان يطيق صلى الله عليه وسلم كمية أو كيفية من خشوع وخضوع وإخبات وإخلاص فالله عز وجل قد من على نبيه بالصبر والمرابطة والمجاهدة ما لا يطيقه غيره فكان أكمل عباد الله عز وجل عبودية لله ومداومة على العمل وإحسانا فيه وعن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند امرأه فقال من هذه قلت فلانة لا تنام الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم من الأعمال ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدوم عليه صاحبه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها وعندها امرأة من قومها اسمها الحولاء بنت تويت رضي الله عنها فاسأل عنها فأخبرت وقالت إنها لا تنام الليل أي تسهر في عبادة الله تعالى من صلاة وذكر وتلاوة ونحوها فقال صلى الله عليه وسلم عليكم من الأعمال ما تطيقون أي لزموا من الأعمال ما تطيقون فعله كما وكيفا من غير ضرر ولا مشقه فوالله لا يمل الله حتى تملوا أي مهما عملت من عمل فإن الله يجازيك عليه فعمل ما بدالك فإن الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل وقولها وكان أحب ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدوم عليه صاحبه أي وإن قل أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع ولأن بدوام القليل تدوم الطاعة وتثمر وعن أبي صالح قال سألت عائشة وأم سلمة أي العمل كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ما ديم عليه وإن قل للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين