بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نُسطِّر حظوفاً أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدية باب ما جاء في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنس رضي الله عنه قال لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا أيدينا من التراب وإنا لفي دفنه صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا في هذا الحديث يذكر أنس رضي الله عنه موازنة بين اليوم الذي أطلَّ فيه النبي صلى الله عليه وسلم بطلعته الكريمة داخلاً المدينة النبوية واليوم الذي قبضت فيه روحه صلى الله عليه وسلم فيقول لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء أي تنورت المدينة بدخوله فشع نور الهداية العامة في المدينة أو يقال إن الإضاءة هنا كناية عن الفرح التام لسكان المدينة وقول فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء أي ذهب ذلك النور بموته فأظلمت المدينة وحزن سكانها على فراقه وضجوا بالبكاء قال أبو ذوي بن الهذلي قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام فقلت مه فقالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول وما نفضنا أيدينا من التراب أي من تراب القبر وإنا لفي دفنه صلى الله عليه وسلم أي في معالجة دفنه حتى أنكرنا قلوبنا أي أنهم وجدوا قلوبهم قد تغيرت عما عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرقة لما كان يمدهم به من التعليم والتأديب ولفقدانهم بركة الصحبة وليس المراد أنهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من التصديق لأن إيمانهم لم ينقص بوفاته صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين فمكث ذلك اليوم وليلة الثلثاء ودفن من الليل قال سفيان وقال غيره يسمع صوت المساحي من آخر الليل في هذين الحديثين أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين وهذا محل إجماع وقوله فمكث ذلك اليوم أي يوم الاثنين وليلة الثلثاء ودفن من الليل أي ليلة الأربعاء وأما الغسل والكفن فحصل يوم الثلثاء والدفن في ليلة الأربعاء وسط الليل وقد تأخر الدفن إلى هذا الوقت ليتمكن الناس من الصلاة عليه فكانوا يصلون عليه أفرادا في حجرة عائشة رضي الله عنها وهي لا تسع إلا لنثر قليل وقوله يسمع صوت المساحي المساحي جمع مسحاه وهي المجرفة من الحديد وجاء في مسند الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء وعن سالم ابن عبيد وكانت له صحبة قال أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فأفاق فقال حضرت الصلاة فقالوا نعم فقال مرو بلالا فليؤذن ومرو أبا بكر أن يصلي للناس أو قال بالناس قال ثم أغمي عليه فأفاق فقال حضرت الصلاة فقالوا نعم فقال مرو بلالا فليؤذن ومرو أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة إن أبي رجل أسيف إذا قام ذلك المقام بكا فلا يستطيع فلو أمرت غيره قال ثم أغمي عليه فأفاق فقال مرو بلالا فليؤذن ومرو أبا بكر فليصل بالناس فإن كن صواحب أو صواحبات يوسف فأمر بلالا فأذن وأمر أبو بكر فصلى بالناس ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة فقال انظروا لي من أتكئ عليه فجاءت بريره ورجل آخر فاتكأ عليهما فلما رآه أبو بكر ذهب لينكس فأومأ إليه أن يثبت مكانه حتى قضا أبو بكر صلاته ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض فقال عمر والله لا أسمع أحد يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض إلا ضربته بسيفي هذا قال وكان الناس أميين لم يكن فيهم نبي قبله فأمسك الناس فقالوا يا سالم انطلق إلى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه فأتيت أبا بكر وهو في المسجد فأتيته أبكي دهشا فلما رآني قال أقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت إن عمر يقول لا أسمع أحد يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض إلا ضربته بسيفي هذا فقال لي انطلق فانطلقت معه فجاء هو والناس قد دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس أفرجوا لي فأفرجوا له فأ حتى أكب عليه ومسه فقال إنك ميت وإنهم ميتون ثم قالوا يا صاحب رسول الله أقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم فعلموا أن قد صدق قالوا يا صاحب رسول الله أيصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا وكيف قال يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون ثم يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون حتى يدخل الناس قالوا يا صاحب رسول الله أيدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا أين قال في المكان الذي قبض الله فيه روحه فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب فعلموا أن قد صدق ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر فقالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فقال عمر بن الخطاب من له مثل هذه الثلاث ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا من هما قال ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة في هذا الحديث يذكر سالم بن عبيد رضي الله عنه وهو صحابي من أهل الصفة هذا الحديث الطويل الذي جمع جملة من الأمور المتعلقة بنبأي وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نقف على ما أبهم منها فقوله أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم الإغماء هو فقد الإنسان الوعي فلا يشعر بما حوله والنبي صلى الله عليه وسلم أغمي عليه بسبب شدة المرض والوجع ثم أفاق فقال حضرت الصلاة فقالوا نعم وهذا يبين لنا مكانة الصلاة في دين الله عز وجل وأنها أولى ما ينبغي على المرء أن يهتم به فأمر بلالا أن يؤذن وأبا بكر أن يأم الناس وقوله فقالت عائشة رضي الله عنها إن أبي رجل أسيف أسيف من الأسف وهو شدة الحزن والمراد أنه رقيق القلب وفي رواية أخرى قالت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس فقال صلى الله عليه وسلم بعد أن كرر الأمر ثلاث مرات مرو أبا بكر فليصل بالناس فإن كن صواحب يوسف ووجه الشبه بين عائشة وصواحب يوسف أن في كل من القضيتين إظهار شيء وإخفاء شيء آخر فعائشة رضي الله عنها أظهرت أن والدها أسيف وأخفت في نفسها أنها مشفقة على والدها إذا قام في هذا المقام أن يتشاءم الناس به وقوله فقال أنظروا لي من أتكئ عليه أي أنه صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه خفة فأراد أن يصلي في المسجد فجاءت بريرة مولاة عائشة وهي حبشية ورجل آخر جاء في بعض الروايات التصريح باسمه وهو نوبة وهو أيضا مملوك فاتكأ عليهما ومضيى به إلى المسجد وجاء في صحيحين أنه اتكأ على عمه العباس وعلى علي رضي الله عنهما وقيل إنه اتكأ على نوبة وبريرة إلى باب المسجد ثم أكمل به العباس وعلي إلى موضعه من المسجد وقوله فلما رآه أبو بكر ذهب لينكس أي فلما لمحه الصديق رضي الله عنه ذهب ليرجع إلى الوراء ويتأخر مع الناس في الصف ليكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام فأشار إليه أن يثبت مكانه حتى قضى أبو بكر صلاته وقوله ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ثم تفيد التراخي يعني أنه صلى الله عليه وسلم لم يقبض في نفس اللحظة بل أعيد إلى البيت وصلى أبو بكر بالناس بعض الصلوات حتى قبض صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين فبدأ الناس يتحدثون عن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من يثبت ومنهم من يستفهم فقال عمر والله لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله عليه وسلم قبض إلا ضربته بسيفي هذا ظنًا منه أنه صلى الله عليه وسلم أغمي عليه وأنه سيفيق من بعدها وذلك من هول هذه الفاجعة وقوله وكان الناس أميين أي أنهم لم يكن فيهم نبي قبل هذا فأصبحوا في أمر أشكل عليهم للغاية وجاءتهم فاجعة أذهلتهم وإلا لو كان فيهم نبي قبله وانتهت حياته بالوفاة لعلموا من ذلك أن شأنه مثل شأن ذلك النبي وقوله فقال الناس يا سالم انطلق إلى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه وسالم هو الصحابي راوي هذا الحديث وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه استأذن من النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى أهله في العالية فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه سالم وهو جالس في مسجده في العالية فدخل عليه يبكي دهشا يعني متحيرا متألما مفجوعا من هول المصاب فلما رأاه أبو بكر قال أقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف ذلك من حاله وقوله فجاء والناس قد دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي قد تزاحموا عند بيته فقال يا أيها الناس أفرجوا لي أي فسحوا لي المجال فأفرجوا له فجاء حتى أكب عليه ومسه أي وضع يده على جسمه فبمجرد أن مسه عرف أنه قد مات فقال إنك ميت وإنهم ميتون ثم سأل الصحابة أبا بكر الصديق رضي الله عنه عن كيفية غسل النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه ودفنه ثم خرج أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى الناس وهم يتكلمون في أمر الخلافة في سقيفة بني ساعدة فقال عمر لهم من له مثل هذه الثلاث أي من ثبتت له مثل هذه الفضاء للثلاثة التي ثبتت لأبي بكر وهي الفضيلة الأولى هي قوله تعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار فمن الذي تحمل الصعابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار والفضيلة الثانية قوله تعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن فمن من الصحابة نص على صحبته في القرآن والفضيلة الثالثة قوله تعالى إن الله معنا لمن هذه المعيّة الخاصة مع النبي صلى الله عليه وسلم فثبوت هذه الفضائل يثبت بأحقيته بالخلافة قال ثم بسط يده فبايعه أي بايع عمر أبا بكر رضي الله عنه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة لوقوعها عن ظهور واتفاق من أهل الحل والعقد لا إكراها فيها ولا إجبار وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة رضي الله عنها وا كرباه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا كرب على أبيك بعد اليوم إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا الموافاة يوم القيامة في هذا الحديث يقول أنس رضي الله عنه لما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرب الموت ما وجد أي لما عان النبي صلى الله عليه وسلم من شدائد الموت وسكراته ما عانا قالت فاطمة رضي الله عنها وا كرباه أي أن هذا كرب عظيم وهول جسيم وهذه كلمة توجع وتألم فقال النبي صلى الله عليه وسلم تسلية لها لا كرب على أبيك بعد اليوم إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا أي أن مصيبة الموت عامة وادراك ذلك يخففها وقوله الموافاة يوم القيامة أي أن اللقاء يكون يوم القيامة والمعنى تصبري حتى ذلك اليوم وجاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة عليه السلام وا كرب أباه فقال لها ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل فلما دفن قالت فاطمة عليه السلام يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وعن ابن عباس رضي الله عنهما يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان له فرطان من أمتي فقالت عائشة فمن كان له فرط من أمتك قال ومن كان له فرط يا موفقة قالت فمن لم يكن له فرط من أمتك فأنا فرط لأمتي لن يصابوا بمثلي في هذا الحديث قال الله عليه وسلم من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهم الجنة الفرط في الأصل هو الرجل الذي يسبق القوم ويتقدمهم حتى يرى لهم المكان المناسب والمراد به هنا الولد الصغير والمعنى أن من مات له ولدان قبل البلوغ فصبر واحتسب أدخله الله بهم الجنة فقالت عائشة رضي الله عنها فمن كان له فرط من أمتك تعني من كان له فرط واحد هل يشمله الثواب أو لا فقال صلى الله عليه وسلم ومن كان له فرط يا موفقة وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة يا موفقة أي أنت موفقة للخير ولمثل هذه السؤالات المفيدة النافعة وهذه من قبت لعائشة رضي الله عنها جزاها الله خيرا وقولها فمن لم يكن له فرط من أمتك أي فماذا شأنه فقال صلى الله عليه وسلم فأنا فرط لأمتي لن يصابوا بمثلي أي أن مصيبة الأمة بفقده صلى الله عليه وسلم أعظم من مصيبة الإنسان بفقد ولد أو أكثر فمن أصيب بمصيبة كفقد أحد الأبوين أو أحد الإخوة أو أحد الأولاد أو غيرهم فليذكر مصيبته بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنها أعظم المصائب وهذا شامل لمن أدرك زمانه أو لم يدرك للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم صلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسهبه أجمعين