بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر فتح مدينة عمورية الزمان السادس من رمضان سنة 23 ومئتين للهجرة إن قوة الشر لا تفت أو تحارب الخير وأهلة وتصنع فيهم ألوان النكال متى ما سنحت لها الفرصة وليس لديها كوابح تمنعها من نزواتها الشيطانية ولا شريعة متبعة تحول بينها وبين عقيدة الإيذاء والاعتداء ولا يثنيها عن بغيها إلا قوة أهل الحق ودفعهم شر المعتدين عليهم وقدرتهم على إيقاف تلك القوة الظالمة بما لديهم من عوامل الردع وتأدي بالصائلين وحين كان المسلمون متمسكين بدينهم متعلقين بمعاقد العز آخذين بأسباب القوة كانت لهم في قلوب أعدائهم هيبة تمنعهم من الاعتداء عليهم وسومهم خسفا فلما بدأوا يتخلون عن دين الله ويتعلقون بالدنيا أبطوا عن آفاق العز وصنع بهم العدو ما شاء وهذا نصداق ما أخبر عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام في حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداع الأكلة على قصعتها قال قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل تنتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قال قلنا وما الوهن قال حب الحياة وكراهية الموت لقد كانت الأمة في أزمنة العزة جسدا واحدة إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد فمن اعتدي عليه من المسلمين من قبل الكافرين انتصف المسلمون من ذلك المعتدي ومن استصرخهم أجابوه ومن استغاث بهم أغاثوه واليوم توزع جسم الأمة مزقا مفرقا فلا يشعر الجزء بألم الآخر ولا ينجده في لهفته ولا يعينه في حاجته فكم توالت على أسماعنا نداءات المستغيثين وأصوات المعذبين وكم بُحَّت هناجر القائلين وإسلاما ومسلمين وإخوتا لكن الخليفة العباسية المعتصمة بالله ومن معه من المسلمين آنذاك لم يكونوا كحالنا اليوم وفتح عمورية ذكرا حسنة لهم خلدت على جبين الزمن نخوتهم وغيرتهم وبقيت لهم مأثرة تتناقلها الأجيال بكل عز وفخر فتح عمورية وتاريخها عمورية بلد في بلاد الروم قيل سميت بعمورية بنت الروم ابن اليفز بن سام بن نوح عليه السلام وهذه المدينة في فريجيا في آسيا الصغرى تأسست في الفترة الهيلينية وازدهرت في الإمبراطورية البيزنطية وأصبحت مهجورة بعد هجوم الخليفة العباسي المعتصم تقع بقاياها بالقرب من قرية حصار كوي في محافظة أفيون بتركيا وكان فتحها ودخولها في السادس من رمضان سنة 23 ومئتين للهجرة سبب فتح عمورية وكان سبب هذا الفتح العظيم أن ملك الروم نوفل ابن ميخايل خرج في مائة ألف فبلغ زبطرة فقتل من بها من الرجال وسب الذرية والنساء وخرب المدينة أي ما خراب وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون المسلمين وسب المسلمات ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل أعينهم وقطع أنوفهم وأذانهم في ذلك يقول إبراهيم بن المهدي يا غيرة الله قد عانيت فانتقم هتك النساء وما من هن يرتكبوا هب الرجال على أجرامها قتلت ما بال أطفالها بالذبح تنتهبوا فجاء كتاب إلى المعتصم على البريد من ثغر الروم ذكر أن ملك الروم تطرق إلى نواح الإسلام ومد يده إلى بعض القرى وأنه أسر منها جماعة وأنه كان في جملة الجماعة امرأة هاشمية وأنها صاحت ومعتصما موقف الخليفة المعتصم إزاء الحدث فلما بلغ المعتصما هذا الخطب الجلل أعظمه وأجلّه أحزنه وأهمه فاستعد له استعدادا كبيرا بالفعال وليس بالأقوال وبرقيات الاستنكار فقد ذكر المؤرخون أن ملك الروم أرسل كتابا إلى المعتصم يهدده فاستشاط المعتصم غضبا وأمر بجوابه فكتب له الجواب فلم ترضه عدة كتب كتبوها فمزق الكتاب الذي ورد عليه وأمر أن يكتب في ظهر قطعة منه بسم الله الرحمن الرحيم الجواب ما تراه لا ما تقرأه وسيعلم الكفار لمن عقب الدار وتجهز من ساعته فمنعه المنجمون وقالوا له إن الطالع نحس فقال لهم هو نحس عليهم لا علينا وسار يومه وتلاحقته العساكر وأما المرأة فأجابها بقوله وهو على سريره لبيك لبيك ونادى بالنفير ونهض من ساعته فركب دابته واحتقب شكالا وسكة من حديد فيها رداؤه وجمع العساكر وأحضر قاضي بغداد عبد الرحمن بن إسحاق ومعه ابن سهل في ثلاثمائة وثلاثين من العدول فأشهدهم بما وقف من الضياع ثلثا لولده وثلثا لمواليه وثلثا لوجه الله سير القتال وفتح المدينة لما وصل المعتصم إلى أبواب المدينة قسم أبراجها على قواده فصير لكل واحد منهم أبراجا منها على قدر كثرة أصحابه وقلتهم فصار لكل قائد ما بين البرجين إلى عشرين برجا وتحصل أهل عمورية ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشد إليه أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين وكان قد تنصر عندهم وتزوج منهم فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبني بناء ضعيفا بلا أساس وكان ملك الروم قد كتب إلى عامل عمورية أن يبني ذلك الموضع فوقع التواني منهم فكان ذلك باب الخير على المسلمين في دخول عمورية فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية فكان أول موضع هدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة فألح عليها المنجنيق فجعلوا فوقها البرادع ليردوا حدة الحجر فلم تغني شيئا وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسخ ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها أعمل المجانيق في مقاومة السور وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة فبعث المعتصم من نادى في الناس إنما ذلك سقوط السور ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا لكن لم يكن ما هدم يسع الخيل والرجال إذا دخلوا وقوي الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميرا يحفظه فضعف ذلك الأمير الذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار فذهب إلى مناطس عامل الروم على عمورية فسأله نجدة فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا لا نترك ما نحن موكلون في حفظه ثم أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي خلت من المقاتلة فركب المسلمون نحوها فجعلت الروم يشيرون إليهم ولا يقدرون على دفاعهم فلم يلتفت إليهم المسلمون ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرا وتتابع المسلمون إليها يكبرون وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلة ففتحوها قسرا وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم ثم أمر المعتصم بعمورية فهدمت وأحرقت وكان نزوله عليها لست خلون من شهر رمضان وأقام عليها خمسة وخمسين يوما وفرق الأسرى على القواد وسار نحو طرسوس نتائج فتح عمورية أولا لقد كانت هذه المعركة وهذا الفتح المبين ردا عمليا على غطرسة البازنطيين فتم بذلك الانتصاف للمسلمين ومدنهم جزاءا وفاقا بما فعل بهم أولئك المعتدون الذين أدبهم أبو إسحاق بما فعل تأديبا عظيما خلده الدهر ثانيا قتل عدد كبير من مقاتل البازنطيين وأسر أمثالهم وحيزة غنائم كثيرة ثالثا إنقاذ تلك المرأة المستغيثة بالمعتصم كما قيل قال ابن كثير وأخذ المسلمون من عمورية أموالا لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لأن لا يتقوى بها الروم على شيء من حرب المسلمين دروس من فتح عمورية أولا المسلمون لن يبقوا في أمان وعز إلا بقوة منهم ترد عنهم صولة المعتدين ثانيا العدو لا يعرف إلا لغة القوة وبغيرها لن يفهم إلا الفساد في الأرض ثالثا قد يهيئ الله للمسلمين أسبابا من داخل العدو يكون بها نصرهم عليه رابعا الراعي إذا صلح أصلح الله به العباد والبلاد وعز به الدين وعم الخير بين المسلمين خامسا إن وقوع كبير من كبراء المسلمين في معصية أو بدعة لا يعني ذلك أن ينسى عمل عظيم منه نفع به الإسلام والمسلمين رمضان أحداث وعبر