قصة حجة أمنا عائشة رضي الله عنها الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد فالحج بالنسبة للمرأة هم كبير لكثرة العوارض التي تعتريها وتؤثر على أدائها للنسك أو الاختيارها لزمن أدائه فمن قضية المحرم وتوفره في وقتها المناسب إلى قضية الطهر ومناسبة وقته لأيام النسك إلى الحمل بعد الزواج وثقله إلى الأطفال الصغار الذين يصعب عليها تركهم لأداء النسك إلى غير ذلك من العوارض ثم إذا حجت قد تتأثر نفسيتها بمؤثرات مختلفة تترك بصماتها على حجها فمن خشية نزول الدورة الشهرية قبل وقتها إلى مفاجأتها بنزولها قبل وقتها إلى التعب والإرهاق من أداء المناسك إلى الضعف العام في جسدها إلى أن تنتهي أيام الحج فتفرح بأدائها للنسك وشوقها لإعادته مرة ثانية وكأنها لم تمر بتعاب قط إن أجمل قصة مرت بها مرأة في الحج هي قصة أمنا عائشة رضي الله عنها في حجة الوداع جمالها في شخصيات وتفاصيل القصة وفي زمن القصة وفي أرقى تعامل بين زوجين في الحياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع أحب الناس إليه وفي الحلول التي طرحها النبي لها النبي الرؤوف الرحيم للصعوبات التي مرت بها زوجه الصديقة بنت الصديق وتوج هذا الجمال في هذه القصة حوادث أخرى وقعت لأمهات المؤمنين ولصحابيات تشرفن برؤية وجه نبينا الكريم وصحبنه في حجة الوداع وفي هذه القصة عبر ودروس تجمل حياة كل امرأة تأخذ بها في حياتها وتستنير بها في طريقها وفي هذه القصة تسلية لكل امرأة تمر ببعض ما مرت به أمنا عائشة رضي الله عنها أو مرت به بعض أمهات المؤمنين وهي قصة تحتاجها كل امرأة مقبلة على الحج لتتأسى بالنساء الصالحات والقدوات الجليلات التي تربين على يد أفضل المربين نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وعشن في أفضل زمان يقتدى بأهله في هذه الأمة جمع القصة ومنهج كتابتها من جميل قصة أمنا عائشة رضي الله عنها أن لها روايات كثيرة متناثرة وهذا يسهل معرفة تفاصيل القصة ولكن لا بد من جمع كل هذه الروايات حتى نستطيع فهم جوان بالقصة وهذه طريقة علماء الحديث فإنهم يجمعون الروايات كلها لتكتمل عندهم صورة المسألة قبل استمباط الحكم ومن أمثلة ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الحج باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت قال حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد عن أيوبة عن عكرمة أن أهل المدينة سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن امرأة طافت ثم حاضت قال لهم تنفر قالوا لا نأخذ بقولك وندع قول زيد قال إذا قدمتم المدينة فسلوا فقدموا المدينة فسألوا فكان في من سألوا أم سليم فذكرت حديث صفيه رواه خالد وقتادة عن عكرمة علق ابن حجر على هذه الرواية بقوله ولقد اختصر البخاري حديث عكرمة جدا ولولا تخريج هذه الطرق لما ظهر المراد منه فلله الحمد على ما أنعم به وتفضل يقول ابن حجر هذه العبارة بعد أن جمع روايات الحديث التي تبين تفاصيل كثيرة للقصة الواقعة بين ابن عباس وزيد ابن ثابت رضي الله عنهما في موضوع طوافل وداعي للحائب وعلى هذا المنهاج سرت في كتابة القصة وقد قسمت البحث إلى قسمين الأول ذكرت فيه حجة عائشة رضي الله عنها على شكل قصة وأوشير لكل فقرة في الهامش إلى مصدرها من الأحاديث بذكر رقم الحديث الثاني ذكرت فيه الأحاديث الواردة في القصة مخرجة بطريقة مفصلة بحسب الرواة وبحسب من رواها من علماء الحديث في كتبهم ورقمتها ليسهل الإحالة عليها في ثنايا القصة وفي هذا العمل سنقوم بتسجيل القسم الأول من الكتاب فقط ومن أراد الاستزادة فعليه بالرجوع إلى الكتاب والله أسأل أن يتقبلها مني وأن يجعلها في ميزان حسناتي وأن ينفع بها كل من قرأها وسمعها وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين قصة حجة عائشة رضي الله عنها بدأت رحلة الحج بتعظيم الشعائر ومخالفة أهل الجاهلية في السنة العاشرة من الهجرة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذن في الناس بالخروج لحجة الوداع ليتهيأ الناس للخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة العظيمة حجة الوداع قال تعالى وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكر اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعم البائس الفقير أما ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوثوا بالبيت العتيق ولا شك أن هذه فرصة عظيمة لأداء مناسك الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم والنهل من هديه وسنته في هذه الرحلة العظيمة لذلك حرص الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم أجمعين على شهود حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله ومن نماذج حرص الصحابيات على حضور حجة الوداع ما وقع من ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب رضي الله عنها ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم فإنها كانت وقت الحج مريضة وتخشى أنها لا تستطيع أداء المناسك فتوجهت إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تجد فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمجيئها إلى بيته ولم تجد توجه إلى بيتها فلما دخل عليها قال لها لعلك أردت الحج قالت والله لا أجدني إلا وجعه إني مرأة ثقيلة وإني أريد الحج وأنا مرأة سقيمة وأنا أخاف الحبس فما تأمرني قال أهل لي بالحج واشتريطي أن محل لي حيث تحبسني فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم كيف تتصرف في هذه الحالة من المرض والخوف من عدم القدرة على إتمام النسك مع الرغبة في الحج وكان من رحمة الله بها أنها أدركت الحج كاملا فإن كنت يا أخت الحاجة تشتكين من المرض وتخافين أن تحبسي فلا تستطيع إتمام الحج فلك في قصة ضباعة بنت الزبير أسوة وبخرج ولما حان الموعد الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم للحج تحركت قافلة الحج العظيمة بعد صلاة الظهر بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقينا من ذي القعدة كما أخبرتنا أمنا عائشة رضي الله عنها أي في يوم السبت الرابع أو الخامس والعشرين من ذي القعدة وإنما جزمت أمنا عائشة رضي الله عنها بعدد الليال الباقية من شهر ذي القعدة لأنها حدثت بذلك بعد أن القضى الشهر وخروجه صلى الله عليه وسلم آخر الشهر بخلاف أفعال الجاهلية في استقبالهم أوائل الشهور في الأعمال وتوجيههم ذلك وتجنبهم غيره من أجل نقصان العمر فبعت الله نبيه ينسخ ذلك كله ولم يراع نقص شهر ولا ابتداءه ولا محاق القمر ولا كماله فخرج في أسفاره على حسب ما يتهيأ له ولم يلتفت إلى أباطيلهم ولا ظنونهم الكاذبة ورد أمره إلى الله تعالى ولم يشرك معه غيره في فعله فأيده ونصره هذه المخالفة لأمر الجاهلية سنرىها في كل تفاصيل أعمال الحج فهي أمر مقصود في هذا النسك العظيم وتحركت قافلة حجة الوداع وهي مصحوبة بمشاعر التعظيم لهذا النسك العظيم ولأيامه وأحواله المرتبطة بالحجاج تقول أمنا عائشة رضي الله عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج وليال الحج وحرم الحج أي أزمنته وأمكنته وحالاته وهكذا أخت الحاج ينبغي أن يكون خروجك للحج فيه تعظيم لهذا النسك العظيم وكل ما يحيط به من الأمور المتعلقة به كأشهر الحج شوال وذي القعدة وذي الحجة وهي متداخلة مع الأشهر الحرم التي حرمها الله عز وجل يوم خلق السماوات والأرض وأمرنا بتعظيمها واحترامها فقال سبحانه وتعالى إن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهر في كتاب الله في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة وعلموا أن الله مع المتقين ومن تعظيمك لهذا النسك تعظيم حرمات الله في نفسك فتجتنبين معاص الله وتعظمين في نفسك الوقوع فيها وارتكابها فإن الذي أمرك بالطاعة ووعدك بالثواب عليها هو الذي نهاك عن المعصية ورتب العقاب عليها قال تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسما ثم محلها إلى البيت العتيق ومن تعظيمك لأيام الحج وأشهر الحج والأشهر الحرم الامتثال لقول الله تعالى الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب وهذا يعني أنك تضبطين تصرفاتك وأقوالك ومناقشاتك بما يرضي الله عز وجل فخروجك للحج على غير الصفة التي أجازها الله لك يعد انتهاكا لحرمة هذه الأيام المباركة وانتهاكا لحرمات هذا النسك العظيم كالسفر بدون محرم ولبس الملابس التي تفصل البدن والتعطر ونحو ذلك لا نريد أفعال أهل الجاهلية في الحج كان العرب في الجاهلية لهم معتقد معين في مناسك الحج فقد كانوا يحرمون العمرة في أشهر الحج ويرونه من أفجر الفجور قال ابن عباس رضي الله عنهما إن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسل خذ الحجة والمحرم ويجعلون المحرم صفرا ويقولون إذا بردد وعف الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر وصحابة قبل حجة الوداع ما كانوا يعرفون تفاصيل الحج المشروعة في الإسلام فكانوا على سجيتهم في طريقة حجهم في الجاهلية فلم يكن تمتع ولا قران في شيء من حج الجاهلية وإنما كانوا على الإفراد وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور لذلك قالت أمنا عائشة رضي الله عنها خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج وفي رواية أخرى قالت لا ننوي إلا الحج وصلت قافلة الحج إلى ذي الحليفة ميقات أهل المدينة قبيل صلاة العصر وتوقفت ليستعد الناس للإحرام السفر لم يمنع عائشة من رعاية النبي صلى الله عليه وسلم وفي الميقات صلت أمنا عائشة رضي الله عنها صلاة العصر قصرا والمغرب والعشاء قصرا وفجر اليوم التالي وبعد صلاة الظهر تحركت قافلة الحج إلى مكة وفي فترة بقاء أمنا عائشة رضي الله عنها في الميقات كانت تقوم على رعاية النبي صلى الله عليه وسلم من كل وجه حتى أنها كانت تطيبه ليطوف على نسائه قبل إحرامه تقول أمنا عائشة رضي الله عنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف في نسائه ثم أصبح محرما وهذا الطيب لم يعلم به الصحابة لولا تحديث أمنا عائشة رضي الله عنها به لأنه شأن داخلي في البيت فعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل معاشرته لزوجاته بالليل وهذا من حسن عشرته صلى الله عليه وسلم لزوجاته وأذا كان هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو رجل فتطيب المرأة لمثل هذا من باب أولى ولذلك قال العلماء أن السنة اتخاذ الطيب للرجال والنساء عند الجماع وهذه المعاشرة بين الزوجين قبل الإحرام لا تخل بمشاعر الحج ولا تمنع منها بل هي جزء من تفريغ النفس عن احتياجها الفطري قبل الدخول في النسك حتى لا تنشغل النفس به في النسك أو تضعف فتقع في المحظور ولا يعاب على المرأة في الحج تزينها لزوجها ليلة الإحرام وتطيبها ليعاشرها فإن لها أسوة بأمهات المؤمنين رضي الله عنهم وفي صباح اليوم التالي طيبت أمنا عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم بيدها ليحرم بالحج قالت أمنا عائشة رضي الله عنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه حين أراد أن يحرم وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها تختار للنبي صلى الله عليه وسلم أفضل ما تجد من الطيب كما قالت رضي الله عنها كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها تفتخر بأنها طيبت النبي صلى الله عليه وسلم بيدها فتقول طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديها تيني حين أحرم وكل هذا يدل على شدة عناية أمنا عائشة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم في حال سفره وعنايتها بمظهره ورائحته وفي هذا تنبيه لك أختي الحاجة أن تعتني بزوجك إن كان معك في الحج بمثل ما اعتنت أمنا عائشة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا يمنعك السفر للحج من ذلك التطيب للإحرام وفي الميقات كانت أمنا عائشة رضي الله عنها تتطيب للإحرام فتضع الطيب على جبهتها ويبقى أثر هذا الطيب بعد الإحرام تقول أمنا عائشة رضي الله عنها كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها وإنما كانت أمنا عائشة رضي الله عنها تضع الطيب عند إحرامها لأنه يستحب للمرأة ما يستحب للرجل من الغسل عند الإحرام والتطيب والتنظف ولم يكن هذا فعل أمنا عائشة رضي الله عنها فقط بل كان هذا فعل جميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبرتنا بذلك أمنا عائشة رضي الله عنها حيث قالت إنهن كن يخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن الضماد قد اضطمدنا قبل أن يحرم ثم يغتسلنا وهو عليهن يعرقن ويغتسلن لا ينهاهن عنه وهذا الطيب الذي تتحدث عنه أمنا عائشة رضي الله عنها هو عبارة عن مجموعة مواد تطحن أو تدق وتخلط بنوع من الزيوت ثم تحول كالعجينة ثم تجفف أو تستخدم وهي عجينة والغالب أن أمنا عائشة رضي الله عنها كانت تستخدمها وهي عجينة ولذلك كانت تضعها على جبهتها كما يوضع الضماد على الرأس وهذا الطيب يشبه اليوم المكياج الذي تضعه المرأة على وجهها فهو طيب تتجمل به ولكنه لا رائحة له يشمها الرجال منها ودل فعل أمنا عائشة رضي الله عنها على جواز وضع المرأة لهذا النوع من الطيب أو الزينة واستدامة ذلك بعد الإحرام أي يبقى على جسدها أو وجهها بعد الإحرام ولا تلزم بإيزالته لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراهن ولم ينكر عليهن بل سكت عنهن وسكوته دليل الجواز وفي هذا تنبيه للأخوات في الحج بأن لا ينكرنا على من تتزين للإحرام بزينة لا يراها الرجال ما دامت هذه الزينة وهذا الطيب مما لا رائحة له يشمه الرجال أسماء بنت عميس تلد في الميقات وفي أثناء وقوف قافلة الحج في ميقات ذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر فطلبت من زوجها أبي بكر الصديق أن يستفتي لها النبي صلى الله عليه وسلم قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع قال اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل للإحرام ولو كانت نفسا وكذلك الحائض إذا وصلت الميقات تغتسل للإحرام وتحرم غير أنها لا تطوف بالبيت ولا تصلي وتنسك المناسك كلها أولى خطوات تغيير أمر الجاهلية في الحج قد لا نتصور حجم الصعوبات التي كان يمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير بعض صور الجاهلية التي تربى عليها الناس واستقرت في نفوسهم وذلك لأننا نشأنا في الإسلام واستقرت تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين وانقصرنا في تطبيقها لكننا نعلم أنها الحق والإسلام جاء لهدم الجاهلية من نفوس الناس وتربية النفوس على عبودية الله وحده لا شريك له ولو تتبعنا ما ورد في القرآن الكريم من آيات وأحكام نزلت لإبطال أمر الجاهلية لوجدنا الشيء الكثير ولم يكن تغيير مسائل الجاهلية وتصوراتها بمستوى واحد فبعضها أصعب من بعض وبتتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن مسائل وعقائد الجاهلية الكبيرة التي استقرت في نفوس الناس واعتبروها دينا واعتبر انتهاكها ومخالفتها من كبائر الأمور نجد أن الله وكل تغييرها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة أولا ثم يتبعه الناس مثل إلغاء التبني وتزوج مطلقة المتبنى وهو أشد من التبني قال تعالى والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ومن هذه المسائل العمرة مع نسك الحج في سفرة واحدة في أشهر الحج والتي يعدها أهل الجاهلية من كفار العرب المعظمين للبيت الحرام يعدونها من أفجر الفجور قال ابن عباس رضي الله عنهما إن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم ويجعلون المحرم صفرا ويقولون إذا برد بر وعف الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر وتظهر هذه الصعوبة في تغيير هذا التصور عند من أسلم من العرب وعاش مع النبي صلى الله عليه وسلم وتربى على يديه في حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون إذا برد بر وعف الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاضم ذلك عندهم فقالوا يا رسول الله أي الحل قال حل كله فقوله في هذا الحديث المتفق عليه كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض وطيبه بالفاء على ذلك في قوله فأمرهم أن يجعلوها عمرة ظاهر كل الظهور في أن السبب الحامل له صلى الله عليه وسلم على أمرهم أن يجعلوا حجهم عمرة هو أن يزيل من نفوسهم بذلك اعتقادهم أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض فهذا التعاضم عند الصحابة الذين تربوا قبل ذلك على مخالفة أمر الجاهلية في قضايا مختلفة تبين لنا صعوبة تغيير المألوف عند الناس الذي يعتبرونه دينا وعاشوا عليه مدة من الزمن لذلك تدرج النبي صلى الله عليه وسلم في طرح الموضوع عليهم فكانت البداية بتخيير الصحابة في أنواع النسق وهم في ميقات ذي الحليفة وكانوا أولا لا يعرفون إلا الحج فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج وترك لهم صلى الله عليه وسلم اتخاذ القرار كل بحسب إرادته وقد استجاب لطلب النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة لا نرى إلا الحج فلما كان بذي الحليفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب منكم أن يهل بالحج فليهل ومن أحب أن يهل بعمرة فليهل وأما أنا فأهل بالحج فإن معي الهدي فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة فأهل بعضهم بعمرة وأهل بعضهم بحج وكنت أنا ممن أهل بعمرة ومن جميل قول العلماء في هذه المسألة تعليقا على حديث ابن عباس في تحريم كفار العرب العمرة في أشهر الحج قول ابن حجر العسقلاني رحمه الله هذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة عن غير أصل فلا يلزم أن يكون لكل فعل خاطئ من أعمال الحج اليوم أصل يرجع إليه بل قد يبتكر الناس أفعالا هي أبعد ما تكون عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومن هنا تنشأ البدع والانحراف عن السنن بل قد تكون المسائر المبتكرة لها مقصد خفي يصب في مصالح من ابتدعها وهذا من عجيب ما ذكره أحد العلماء في هذا الموضوع حيث قال إن الناس كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج بل إن العرب في الجاهلية يرونها من أفجر الفجور ويقولون لا يمكن أن تأتي إلى مكة بعمرة وحج بل لا بد أن تأتي بعمرة في سفر وحج في سفر وهم ينظرون إلى ذلك من ناحية اقتصادية حتى يكثر الزوار والحجاج وتكون الأسواق أكثر اشتغالا وفي هذا تنبيه للأخوات في الحج أن يحلصن على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويحذرن كل الحذر مما تسرب إلى صفة الحج من أفعال الجاهلية القديمة أو من فعل الناس اليوم مما هو مخالف للسنة النبوية في الحج وخاصة ما يصدر من إدارة حملات الحج والتي قد تكون لها مصالح مادية في تغيير مسيرة الحج عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أمنا عائشة رضي الله عنها تهل بالعمرة ومما اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم من خطوات في تغيير أمر الجاهلية في مسألة العمرة في موسم الحج أنه صلى الله عليه وسلم أمر أمنا عائشة رضي الله عنها بالإهلال بالعمرة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل قالت عائشة رضي الله عنها فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج وأهل به ناس معه وأهل ناس بالعمرة والحج وأهل ناس بعمره وكنت في من أهل بالعمرة وكما أخبر عنها جابر بن عبد الله راوي حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله عنها مهلة بعمرة ولا يتصور أن أمنا عائشة رضي الله عنها أخذت قرار الإهلال بالعمرة من غير مشورة من النبي صلى الله عليه وسلم بل المؤكد أنه صلى الله عليه وسلم علم أمهات المؤمنين أحكام النسك وأنواع وأمرهن بالإهلال بالعمرة ثم انطلقت القافلة إلى مكة بعدما أهلنا الناس بالنسك رافعين أصواتهم بالتلبية معظمين لحرمات الله ولشعائر الله يرجون رحمة الله انطلقت القافلة يوم الأحد واستمرت في المسير إلى يوم الأحد الرابع من ذي الحجة كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبينا بالحج وقدمنا مكة لأربع خلون من ذي الحجة فاستغرق الطريق سبعة أيام لأنهم باتوا ليلة الأحد خارج مكة ودخلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الأحد الرابع من ذي الحجة أمنا عائشة رضي الله عنها ومشقة الطريق لم يكن الطريق إلى مكة بهذه السهولة التي نراها اليوم مع تقدم وسائل النقل من السيارات الفارهة والطائرات وغيرها بل كانوا يسيرون على الإبل أياما في جو الصحراء الحار من المدينة إلى مكة وقد استغرقت رحلة أمنا عائشة رضي الله عنها مع نبينا صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع سبعة أيام من الميقات إلى دخول مكة ومع ذلك لم تتأفف من الحر ولم تتضجر من طول الطريق ولم تترك التلبية في هذا المسير تقول أمنا عائشة رضي الله عنها كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها والسفر عموما فيه مشقة والحج فيه مشقة ومكة طبيعتها حارة والتذمر من الحر ومن مشقة الحج لا يغير من الواقع شيئا ولكنه قد يشغلك عن ذكر الله وقد ينقص من أجرك وفي هذا تنبيه لك بأن لا تتأففن من الحر أو من مشقة الطريق فالأجر على قدر المشقة وصول القافلة إلى سرف استمرت القافلة في المسير حتى بلغت منطقة سرف وهي منطقة قريبة من مكة وطريق القوافل بين مكة والمدينة ولها تاريخ عريق في السيرة النبوية وأحداثها توقفت القافلة في سرف ونصبت الخيام لأخذ قصط من الراحة قبل مواصلة المسير إلى مكة ومدينة سرف قريبة من مكة جدى تبعد عنها حوالي 12 كيلومتر هذا القرب يعني أن القافلة على وشك الدخول إلى مكة في اليوم التالي لأن سرف فوق منطقة التنعيم من الجهة الشمالية والتنعيم هي أدنى الحل للحرم إذا نظرنا إلى خط سير قافلة حجة الوداع فإننا ندرك أن غالب المسافة قد قطعت ولم يتبق إلا القليل وهذا يعني أن المسافة من المدينة إلى سرف قطعت في أغلب أيام الرحلة والرحلة بدأت يوم الأحد ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة صباح الأحد الرابع من ذي الحجة فهي سبعة أيام فيكون وصول قافلة الحج إلى سرف بعد ستة أيام من الحركة يعني يوم السبت الثالث من ذي الحجة ويذكر أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بات بذي طوى ليلة الأحد ودخل مكة بعد صلاة الفجر والمسافة بين سرف وذي طوى لا تحتاج أكثر من يوم فلو تحرك ظهر السبت وصل ذي طوى أول الليل طلب النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أن يجعلوها عمره وفي سرف خطب النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه حاثًا لهم أن يحولوا نسكهم إلى عمره لمن لم يكن معه هدي تقول أمنا عائشة رضي الله عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج وليال الحج وحرم الحج فنزلنا بسرف قالت فخرج إلى أصحابه فقال فلم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا قالت فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه وحاضت أمنا عائشة رضي الله عنها بسرف وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها تستمع إلى خطبة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لهم على جعلها عمرة ولكنها فوجئت بنزول الحيض عليها وهي بسرف قرب مكة وهذا يعني أنها لن تستطيع أن تعتمر فالوقت المتبقي ليوم عرفة قصير والحيض له زمنه فأدركت أمنا عائشة رضي الله عنها أنها لن تستطيع أن تعتمر وهي تسمع ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بجعلها عمرة فبكت ودخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فلا طفها ليعرف سر بكائها تقول أمنا عائشة رضي الله عنها فلما جئنا سرف طمثت فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال ما يبكيك يا عائشة قلت لوددت والله أني لم أحج العام قال مالك لعلك نفستي قلت نعم قال سبحان الله فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري والحائض بصفة العموم تغير نفسيتها في فترة الحيض فكيف في الحج وهي ترغب في أداء النسك مع المسلمين وتخشى التأخر عنهم وتأخير من معها لذلك بكت أمنا عائشة رضي الله عنها وقالت لوددت والله أني لم أحج العام وهذا يبين شدة تأثرها بنزول الحيض عليها ومن جميل أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته لأهله أنه لما رآها تبكي استفسر منها عن سر بكائها ولا طفها فقال ما يبكيك يا هنتا قلت سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة فبينت السبب في سر بكائها أنها لن تستطيع أن تعتمر فاستفسر منها النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية عن سبب ذلك فقال وما شأنك قلت لا أصلي كنت عن الحيض بالحكم الخاص به أدبا منها وقد ظهر أثر ذلك في بناتها المؤمنات فكل هن يكنين عن الحيض بحرمان الصلاة أو غير ذلك وهذا من لطيف الكنايات وفي هذا يا أخوات الكريمات أدب استعمال الألفاض الجميلة مع الزوج وغيره وخاصة فيما يستكره ذكره عند الناس ويستفاد من هذا الحديث أن بداية الدورة الشهرية عند أمنا عائشة رضي الله عنها في رحلتها للحج كانت يوم السبت الثالثة من ذي الحجة مواساة النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها لما حاضت إن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه أمهات المؤمنين هي أرقى معاملة بين الزوج وزوجه وكل من يريد أن يتعلم فن التعامل بين الزوجين فعليه أن يدرس حياة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم فهذا هو المثل الأعلى للزوجين ومن صور التعامل الجميلة بين النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه عائشة ما وقع لها في هذه القصة فإن بكاء عائشة لما حاضت إنما وقع منها لما أصابها من ضيق وحزن على فوات العمر وهذا السبب قد لا يدركه الرجال بسرعة وقد لا يهتم له الرجل لأنه يرى أن الحيض أمر طبيعي يحصل لكل امرأة وهو كذلك ولكن قد تكون المرأة في حالة نفسية تتأثر بنزول الحيض كالتي تنتظر الحملة بعد زواجها ويتأخر عليها فتبكي عند نزول الحيض أو لأي سبب آخر فجاء فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة توجيها للأزواج في فن التعامل مع المرأة في مثل هذه الحالة ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بسؤالها عن سبب بكائها بل هون عليها الأمر بأن بين لها أنها ليست الوحيدة التي تبتلى بهذا الحيض بل كل بنات آدم فقال إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم أضى به عليهن وألزمهن إياه فهن متعبدات بالصبر عليه وإنما أنت مرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فهدأ النبي صلى الله عليه وسلم من روعها بأمرين الأول أن الحيض أمر كتبه الله على النساء عموما والآخر أنها مثلهن يعتريها ما يعتريهن وهذا تسلية وتأنيس لها وتخفيف لهمها كيف تتصرف المرأة المحرمة بالحج إذا حابت بعد أن هدأ النبي صلى الله عليه وسلم من روع أمنا عائشة رضي الله عنها انتقل إلى بعد آخر في التهدئة النفسية لها فبين لها أن نزول الحيض لا يضرها ولا يؤثر في إحرامها فقال فلا يضيرك إنما أنت مرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجتك فعسى الله أن يرزقكيها ثم أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم لما تفعله في حالتها هذه فقال فقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي فدل توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها على أن الحيض والنفاس لا ينافي عمل الحج كله إلا ما يتعلق بدخول المسجد من الطواف والركوع بعده قالت أمنا عائشة رضي الله عنها فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فيا أخوات الكريمات إنما منعت المرأة المحرمة بالحج أو العمرة إذا حاضت من الطواف بالبيت ولم تمنع من الذكر والدعاء وقراءة القرآن فلا تضيقي عليك واسعا بث الأمل في نفسية المرأة ومن فنون التعامل مع الزوجة في مثل هذه المواقف المحرجة والمؤلمة للمرأة بث الأمل في روحها ويؤخذ هذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمنا عائشة رضي الله عنها لما حاضت إذ قال لها فكوني في حجتك أي يرزقك العمرة فتؤدينها أو يرزقك أجر العمرة ولو لم تؤديها لأن الأعمال بالنيات وأنك إنما امتنعت لعذر شرعي وقد حصل أن اعتمرت أمنا عائشة رضي الله عنها بعد الحج وهذا أسلوب عظيم يعلمنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الزوجة عند تغير نفسيتها وخاصة في السفر إذ يجتمع فيه مشقة السفر ومشقة الحدث الذي وقع على المرأة الوصول إلى مكة والطواف بالبيت وصلت قافلة الحج إلى مكة صباح الأحد الرابع من ذي الحجة وطاف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالبيت الحرام وبين الصفا والمروة قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبينا بالحج وقدمنا مكة لأربع خلونا من ذي الحجة فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نطوف بالبيت وبالصفا والمروة وأن نجعلها عمرة ونحل وتقول أمنا عائشة رضي الله عنها فقدم النبي صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة ولم يحل وكان معه الهدي فطاف من كان معه من نسائه وأصحابه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل فدلت رواية أمنا عائشة رضي الله عنها على أن جميع نساء النبي صلى الله عليه وسلم قد طفن بالبيت وأنه لم يحظ منهن قبل عرفتا إلا هي رضي الله عنها لم تطف بالبيت بسبب حيظها قالت أمنا عائشة رضي الله عنها فحظ فحظ فلم أطف بالبيت وهذا يعني أن المرأة المحرمة بالحجأ والعمرة إذا قدمت مكة تبادر بالطواف بالبيت قبل أن يعتريها شيء متى تسعى الحائض بين الصفا والمروة يعتقد البعض أن الحائض تستطيع أن تسعى بين الصفا والمروة لأن الصفا والمروة خارج الحرم وهذا صحيح لو أنها طافت بالبيت وهي طاهر ثم حاضت أما إذا جاءت مكة وهي حائض فتنتظر حتى تطهر ولا تسعى بين الصفا والمروة كما وقع لأمنا عائشة رضي الله عنها في حجتها فهي قد حاضت قبل دخول مكة فقدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة وإنما لم تطف بالبيت امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال لها فقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتس لي والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل رعاية المرأة لمشاعر زوجها وبعد أن طاف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالبيت وبالصفا والمروة أمر من لم يسق الهدي أن يحل من إحرامه ويجعلها عمره والسبب في ذلك أنهم على عادة العرب في الجاهلية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ابطال أمر الجاهلية وإرساء حكم الإسلام تقول أمنا عائشة رضي الله عنها خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل فحل من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن الهدي فأحللن ولم يمتثل الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بجعلها عمرة في بادئ الأمر بل قالوا ننطلق إلى منا وذكر أحدنا يقطر فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت وهذه المقولة من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه فيها بيان سبب امتناعه عن أن يحل من إحرامه وهذا يدلنا على أهمية القدوة العملية في توجيه الناس فإن التوجيه الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم مختلف عن واقع فعله فهو يأمرهم أن يحلوا من إحرامهم وهو لم يحل لذلك ترددوا في هذا الفعل فبيّن لهم سبب امتناعه وهو سوق الهدي وهذا يذكرنا بما وقع بعد صلح الحديبية لما أمرهم أن يحلوا من إحرامهم ويحلقوا رؤوسهم فلم يفعلوا حتى بدأ هو بالفعل لما أشارت عليه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على أمنا عائشة رضي الله عنها وهو غضبان فقالت من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا وإنما غضب النبي صلى الله عليه وسلم فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه ومن حب أمنا عائشة رضي الله عنها دعت على من أغضبه لما رأته غضبانا ولم يعترض النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها لأنها وافقت الشرع في هذا الفعل فمن أغضب نبينا أو أساء إليه دعونا عليه وإنما نفعل ذلك كما فعلت أمنا عائشة رضي الله عنها انتصارا لله ولرسوله وأنت أختي الكريمة انت به إلى مشاعر زوجك وكوني مواسية له ولا تكوني عونا عليه فقد يدخل عليك زوجك وهو مهموم لأمر وقع له خارج البيت فلا تلقي باللائمة عليه ابتداء حتى تعلمي سبب ما فيه ثم تعالجينه بالحكمة فشاركها ما يمر به من متاعب وآلام خارج البيت إن كان في عمله الدعوي أو في شأن من شؤون الدنيا أسماء بنت أبي بكر تتحلل من إحرامها بعمره استجاب الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل من الإحرام وجعلها عمرة لمن لم يكن قد ساق الهدي وكان من جملة من تحلل من الصحابيات ممن لم يسقن الهدي أسماء بنت أبي بكر الصديق زوجة الزبير بن العوام تقول أسماء رضي الله عنها خرجنا محرمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليقم على إحرامه ومن لم يكن معه هدي فليحلل فلم يكن معي هدي فحللت وكان مع الزبير هدي فلم يحلل قالت فلبست ثيابي ثم خرجت فجلست إلى الزبير فقال قومي عني فقلت أتخشى أن أثب عليك فالذي وقع من أسماء رضي الله عنها أنها تحللت وتطيبت ولبست ثيابها الجميلة وجلست بجانب زوجها لكنه لم يتحلل لأنه ساق الهدي فخاف الزبير على نفسه من أن يرتكب محظورا من محظورات الإحرام فقال لها قومي عني وفي هذا تنبيه للمرأة الحاجة إلى أنها لا تفعل أي فعل حال الإحرام يؤثر على الزوج ويغريه ويفتنه مثل طريقة مسك اليدين أو للتصاق بجسده أو أي حركة يمكن أن تثيره حال الإحرام أما بعد التحلل فلها أن تتزين لزوجها ولها أن تغريه فاطمة بنت رسول الله تتزين لاستقبال زوجها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مع نبينا في حجة الوداع وهي من أهل بيته الذين لم يسوقوا الهدي فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمره استجابت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد خرج إلى اليمن بطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما رجع من اليمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة بعد أن تحلل الناس من عمرتهم وقبل أن يهلوا بالحج فلما علمت زوجه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها بمقدمه من السفر تزينت له وعطرت خبائها فجاء علي بن أبي طالب إلى خبائها فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا وكتحلت فأنكر ذلك عليها يقول علي بن أبي طالب وجدت فاطمة رضي الله عنها قد لبست ثيابا صبيغا وقد نضحت البيت بنضوح تتوقع منه شيئا غير الذي رأته سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها فقد رأت في وجهه الاستنكار لفعلها فبادرته فقالت ما لك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه فأحلوا وسبب استنكار علي بن أبي طالب ما كان قد رسخ في نفوس العرب أن العمرة لا تكون في أشهر الحج وأن الحاج يأتي بنسك واحد لا يتحلل منه الا في يوم النحر وهذا الذي عالجه النبي صلى الله عليه وسلم وبين بطلانه في حجته هذه ووجد تأخرا من الصحابة في الامتثال لتطبيقه وأنكر علي رضي الله عنه على فاطمة رضي الله عنها قالت له إن أبي أمرني بهذا لكنه لم يقتنع بذلك فذهب يستفسر من النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه يقول علي رضي الله عنه فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا على فاطمة للذي صنعت استفتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال صدقت صدقت صدقت أنا أمرتها به وهذا فيه أدب استقبال المرأة لزوجها وخاصة إذا كان قادما من سفر وفيه التزين للزوج في السفر ولو كان في سفر الحج وفي هذه الآداب صلاح للزوجين وسعادة في الدارين حوار أمنا حفصة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمره كذلك أمر نساءه أن يحللنا من إحرامهم كما قالت أمنا حفصة رضي الله عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللنا عام حجة الوداع ولكن مع أمره صلى الله عليه وسلم لنسائه أن يحللنا من إحرامهم لم يحل له إحرامه فتساءلت أمنا حفصة رضي الله عنها فقالت له أن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك ما يمنعك فقال لبت رأسي وقلت هدي فلست أحل حتى أنحر هدي والتلبيد هو أن يجعل فيه شيء ليلتصق به وهذا السؤال صدر من أمنا حفصة رضي الله عنها لأنها تعلمت من النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يأمرهم بأمر ويخالفهم في فعله إلا أن تكون له خصوصية فيه فأرادت أن تستوضح عن سر مخالفته لما أمر به نساءه وأمر به الصحابة وفي هذا تربية للرجل في أنه لا يأمر زوجته بأمر ويخالفه إلا بحجة شرعية كما أن فيه تنبيه للمرأة في أن تستفسر من زوجها أو وليها ما تراه من أفعاله التي تخالف أقواله فلعل عنده حجة شرعية في ذلك وهي لا تعلم وظاهر من الحدث أن أمنا حفصة رضي الله عنها لم تكن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبين ويشرح للناس عن سبب امتناعه عن التحلل من إحرامه وأنه قد ساق الهدي ولم تسمع منه تمنيه أنه لم يسق الهدي وأنه جعلها عمره ولا غرابة في ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يوجه أقواله في مجامع الرجال وليس كل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم عندها الحرص على التقاط العلم مثل ما عند أمنا عائشة رضي الله عنها والتي تفوقت على بقية زوجاته في العلم ولم ينافسها في ذلك إلا أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها بكاء أمنا عائشة رضي الله عنها قبل يوم عرفة ولما كان يوم التروية أهل الناس بالحج وانطلقوا إلى منا عائشة رضي الله عنها طوال فترة حيظها لعلها أن تطهر قبل يوم عرفة ولكنها لم تطهر فبكت مرة ثانية فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فشكت إليه وضعها تقول أمنا عائشة رضي الله عنها فأدركني يوم عرفة وأنا حائظ لم أحل من عمرتي فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال ما يبكيك قلت وددت أني لم أكن خرجت العام فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهل لي بحج ففعلت قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها فوجدها تبكي فقال ما شأنك قالت شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهل لي بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة فهذا البكاء الثاني غير البكاء الأول فالبكاء الأول كان بسبب نزول الحيض عليها قبل أداء العمر والبكاء الثاني كان بسبب دخول الحج ولم تطهر وفي هذا تنبيه للأزواج ولأولياء المرأة بأن يراع نفسية المرأة إذا حاضت في الحج أو في غيره وأن يسعى في حل كيف تتصرف من لم تطهر قبل عرفة استمر انتظار أمنا عائشة رضي الله عنها حتى ليلة عرفة ولم تستعجل فتترك عمرتها من أول النهار من يوم التروية بل انتظرت حتى ضاق الوقت قالت أمنا عائشة رضي الله عنها فلما دخلت ليلة عرفة قال رسول الله إني كنت أهللت بعمرة فكيف أصنع بحجتي قال انقضي رأسك وامتشقي وأمسكي عن العمرة وأهلي بالحج فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل للإحرام وتهل بالحج وتدعى العمرة أي تترك أفعال العمرة من طواف وسعي والجميل في سيرة أمنا عائشة رضي الله عنها أنها بمجرد ما تسمع الأمر من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلا وتسارع إلى تطبيقه من غير جدل تقول أمنا عائشة رضي الله عنها فلم أزل حائظا حتى كان يوم عرفة ولم أهلل إلا بعمره فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي وأمتشط وأوهل بحج وأترك العمرة ففعلت ذلك وهذه سيرة أمهات المؤمنين جميعا وسيرة الصحابة والصحابيات أنهم يستجيبون لأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتفلتون من أداء المناسك ويبحثون عن الرخص يستعينهم على النبي صلى الله عليه وسلم ينظرون ماذا يفعل فيفعلون مثله وفي هذا تنبيه لك أختي الحاجة أن يكون شعارك في الحج قول النبي صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم لعلك لا تحجينا بعد حجتك هذه فتكون هذه الحجة وهي الحجة المبرورة افعلي كما يفعل الحاج افعلي كما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري هذا توجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها لما حاضت في الحج فمنعت الحائض من الطواف بالبيت حال إحرامها ولم تمنع من شهود بقية المشاعر بل أمرت أن تفعل كما يفعل الحاج وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك والذكر يشمل قراءة القرآن وهي من أجل لأعمال الحاج فلم تمنع المرأة المحرمة الحائض من قراءة القرآن ولا من التلبية ولا من التهليل ولا من الدعاء ولا من غيره إلا الطواف بالبيت فلا تحرم أخت الحاجة نفسك من قراءة القرآن بحجة أنك حائض لا في الحج ولا في رمضان ولا في غيره بل أكثر من قراءة القرآن والذكر واغتنم الأوقات والأيام الفاضلة وامتثل لأمر ربك بترك الصلاة والصيام والطواف بالبيت في حال الحيض تصرف حكيم من أمنا ميمونة رضي الله عنها في يوم عرفة وبعد أن صل النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر اتجه إلى الصخرات واجعلها بينه وبين القبلة ووقف على ناقته يدعو طويلا جعل الناس يشكون هل كان النبي صلى الله عليه وسلم صائما أولا فما كان من أمنا ميمونة رضي الله عنها إلا أن أرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون وتقصد بالحلاب هو اللبن المحلوب أو الإناء الذي يوضع فيه اللبن وهذا التصرف وقع منها ومن أختها أم الفضل بنت الحارث كما روت هي بنفسها أن ناسا اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره ولعلها حادثة واحدة وقعت بحضرتهما جميعا وفي هذا التصرف دليل على فطنتهما في استكشاف الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال لأن ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة وسبب اختلاف الناس في صوم النبي صلى الله عليه وسلم أو إفطاره في يوم عرفة ما سبق عندهم من علم تعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم في فضل صيام يوم عرفة وأنه يكفر سنتين فشك هل هذا للحاج أيضا أم لا وسبب هذا الشك أنهم لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم يأكلوا أو يشربوا من بعد صلاة الظهر وإلى منتصف صلاة العصر فقطعت أمنا ميمونة الشك وتوصلت للحكم بطريقة اللطيفة فأرسلت إليه اللبن في القدح فلما شرب علم الناس أنه لم يكن صائما وهكذا أخت الحاجة تستطيعين أن تستجلب الحكم الشرعي وتقطع الجدل الدائر في الحج أو غيره بطريقة جميلة توصل الحكم الشرعي لمن حولك وتبعث الطمأنينة في قلوبهم ولا تثير حفيظتهم ولا تعدم المرأة الصادقة من طريقة توصل بها الحق للناس فقد تكون سؤالا يوجه للعالم أو كتابا يوزع أو غير ذلك من الوسائل المبيت بمزدلفة إن قضى يوم عرفة وغربت الشمس فدفع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أمهات المؤمنين إلى المزدلفة ولما وصل إلى المزدلفة صل المغرب والعشاء غير أن أمنا عائشة رضي الله عنها لم تصلي معهم لأنها لم تطهر بعد وبعد أن غاب القمر دفع النبي صلى الله عليه وسلم بالضعفة من أهل بيته إلى منا منهم أم سلمة وأم حبيبة من أمهات المؤمنين رضي الله عنهم فطلبت أم المؤمنين سودة أن تدفع معهم فأذن لها رضي الله عنها قالت أمنا عائشة رضي الله عنها نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة بطيئة فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس وأقمنا حتى أصبحنا نحن ثم دفعنا بدفعه فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به وتقديم الضعفة بالسير إلى منا في الثلث الأخير من الليل هدفه وصولهم قبل حطمة الناس فالمراد التخفيف عليهم من الزحام فيصلوا قبل الناس إلى منا ثم يصل الفجر وبعدها يتوجهون إلى جمرة العقبة لرميها كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها وددت أني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة فأصلي الصبح بمنا فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس فقيل لعائشة فكانت سودة استأذنت إنها كانت امرأة ثقيلة ثبطة فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها فصلت الفجر بمنا ورمت قبل أن يأتي الناس وهذا الهدف يتحقق وينتفع الضعفة به إذا التزم الحجاج السير على هدي النبي صلى الله عليه وسلم بالمبيت في المزدلفة واقتصار الخروج منها ليلا على الضعفة أما ما يفعله الحجاج اليوم من عدم الالتزام بالمبيت في مزدرفة والاقتصار على الصلاة فيها وجمع الحصاء ثم الدفع منها مباشرة فهذا إخلال بتطبيق الهدي النبوي في الحج والذي أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيزدحم الناس في الخروج وفي الوصول إلى منا وفي رمي الجمر هذا الازدحام يجعلنا نفكر قبل أن ندفع بالضعفة هل سيكون الدفع بهم ليلا أشق من مبيتهم وهل فعلا سيتحقق التخفيف عليهم بهذا الدفع وجدنا أن ما يفعله الناس اليوم من مخالفة السنة بالمبيت أضر بالضعفة وأصبح الخروج بهم من مزدرفة ليلة أشق عليهم من المبيت بسبب هذا الزحام من قبل الحجاج وتقديم الضعفة قبل حطمة الناس وازدحامهم رخصة باقية يراد منها التخفيف وعن أمنا عائشة رضي الله عنها والثبات إلى الممات كان من منهج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنهم إذا كانوا على فعل خير من الطاعات المستحبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم مات وهم يفعلونه أنهم لا يغيرونه حتى يلقوا الله عز وجل وسبب ذلك أنهم كانوا يلتزمون تحقيق حديث وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه ويخافون كذلك أن يكونوا ممن غير وبدل بعده صلى الله عليه وسلم على الرغم من أنها طاعة مستحبة عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما الذي كان يصوم يوما ويفتر يوما فلما كبر وضعف قال لأن أكون قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي مما عدل به لكني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره هذه المنهجية تجعلنا نفهم قول أمنا عائشة رضي الله عنها فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به فقد استمرت على ترك الأخذ بالرخصة في الدفع من مزدلفة قبل الفجر لأنها لم تفعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال القاسم بن محمد بن أبي بكر وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام وأصرح من ذلك ما قاله أبو الزبير في روايته لحديث جابر رضي الله عنه قال فكانت عائشة إذا حجت صنعت كما صنعت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم ويستفاد من ذلك أختي الحاجة أن المرأة إذا فعلت الخير تحرص على المداومة عليه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا متى طهرت أمنا عائشة رضي الله عنها وفي صبيحة يوم النحر وبعد أن وقف النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أمهات المؤمنين بالمشعر الحرام وعن جمرة العقبة الكبرى ولما بلغوا رحالهم في منا وبعد أن رموا الجمرة طهرت أمنا عائشة رضي الله عنها من حيضها فتطهرت استعدادا للذهاب إلى مكة لطواف الإفاضة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها فخرجنا في حجته فأفضت بالبيت فطهرها من الحيض كان بمنا واغتسالها كذلك كان بمنا كما قالت رضي الله عنها فخرجت في حجتي حتى نزلنا منا فتطهرت ثم طفنا بالبيت وهذا يعني أن دورة أمنا عائشة رضي الله عنها كانت سبعة أيام وطهرت يوم السبت لأن يوم النحر كان يوم السبت رعاية المرأة لزوجها في الحج يوم النحر هو يوم الحج الأكبر وهو يوم العيد وفيه أكثر أعمال الحج وبعد أن رمى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة استعد للذهاب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة فخلع ملابس الإحرام ولبس ثيابة وتطيب للطواف ونالت أمنا عائشة رضي الله عنها شرف رعاية نبينا صلى الله عليه وسلم في الحج في مواطن كثيرة وكان مما فعلت أن طيبته بيدها قبل أن يذهب تقول أمنا عائشة رضي الله عنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديها تين حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها وقد صرحت أمنا عائشة رضي الله عنها بأن هذا كان بعد رميه لجمرة العقبة وقبل طوافه للإفاضة فقالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت وهذه العناية بهندام النبي صلى الله عليه وسلم وعطره كانت بمناء كما كانت بذي الحليفة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها طيبت النبي صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه وطيبته بمناء قبل أن يفيد ولم تقتصر أمنا عائشة رضي الله عنها على هذين الوقتين بل كانت كلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يزور البيت أيام منا طيبته بيدها رضي الله عنها قالت طيبت رسول الله لإحرامه قبل أن يحرم ولحله حين أحل وحين يريد أن يزور البيت وكان من حرصها على العناية بعطر النبي صلى الله عليه وسلم أنها رضي الله عنها تتخير له أطيب الطيب تقول أمنا عائشة رضي الله عنها كنت طيب النبي صلى الله عليه وسلم بأطيب الطيب عند حرمه وحله وكان المسك في زمانهم من أطيب الطيب لذلك كانت تحرص عليه تقول أمنا عائشة رضي الله عنها كنت طيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوما نحري قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك أمنا عائشة رضي الله عنها لم تكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندها وفي يومها بل كانت هذه الرعاية حرصا من عائشة على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم في كل وقت وحين هذا الحرص نابع من شدة محبتها له صلى الله عليه وسلم ولا غرابة بعد ذلك عندما نعلم أن أمنا عائشة رضي الله عنها هي أحب زوجاته إليه صلى الله عليه وسلم ومما يدل على أن هذه الرعاية غير مرتبطة بيومها أن تعطيرها للنبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة كان ليلة الأحد وتعطيرها للنبي صلى الله عليه وسلم يوما نحر فلو كان يوم عائشة يوم السبت ليلة الأحد بذي الحليفة فلا يمكن أن يأتيها الدور إلا بعد تسعة أيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان وقتها عنده تسع زوجات فسيكون يومها بناء على ذلك يوم الاثنين ليلة الثلثاء ثالث أيام العيد هذه الرعاية التي تدل على أنها تطيبه كلما أراد أن يزور البيت وهذا لا يمكن أن يكون كله في يومها وفي هذا تنبيه لك أختي الحاجة بأن ترعي زوجك كما كانت تفعل أمنا عائشة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج وفي غير الحج وكل ما يتعلق به بحسب وسعك وطاقتك ولا تتعذري بالسفر وتعب الحج فأمنا عائشة رضي الله عنها لم تتعذر بذلك أكثر ما تخاف المرأة من الحيض في الحج أن يأتيها قبل طواف الافاضة فيؤخرها عن الطواف لذلك تجد المرأة حريصة على سرعة الوصول إلى البيت الحرامي لطواف الافاضة هذا الحرص أحياناً قد يتسبب في نزول الحيض عليها قبل وقته بسبب التوتر أو الإرهاق لذلك ننصح المرأة بالهدوء في الحج وترك الاستعجال خشية أن تخطئ في تقدير حركتها ولعل هذا الخوف من نزول الحيض هو الذي يدفع بالمرأة للضغط على وليها في عدم المبيت بالمزدلفة والدفع منها حتى قبل منتصف الليل لتطوف طواف الافاضة وهذا من أخطاء المرأة في الحج فالحج مشقة بلا شك وأكثر ما تكون المشقة في يوم عرفة ويوم النحر في يوم عرفة تقضيه المرأة الحاجة من الصباح في حركة وذكر وقراءة قرآن إلى الظهر ثم تتفرغ للدعاء إلى المغرب ثم تتحرك إلى المزدلفة فلولم تقف قليلا في المزدلفة لترتاح ثم تنطلق لإتمام بقية المناسك فإنها ترهق نفسها وتتعبها مما قد يسبب لها ما لا تريده من نزول الحيض عليها قبل أوانه إننا نستطيع أن نقدم للمرأة من أنواع الخدمة ما يريح بدنها ويخفف من مشقة حجها عليها لكننا لا نستطيع أن نزيل خوفها من نزول الحيض عليها قبل طواف الافاضة لأنه أمر فطري بل ينتقل هذا الخوف لكل من له وصديقاتها التي معها بل ينتقل إلى وليها كذلك إذا كان ممن يعرف أحوالها وهذا ما حصل لأمهات المؤمنين في الحج تقول أمنا عائشة رضي الله عنها كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض طواف أمهات المؤمنين يوم النحر وبعد أن طهرت أمنا عائشة رضي الله عنها وتطهرت من حيضها انطلقت إلى البيت الحرامي لتطوف به طواف الافاضة وكان هذا أول طواف لها في حجة الوداع تقول أمنا عائشة رضي الله عنها فخرجنا في حجته حتى قدمنا منا فطهرت ثم خرجت من منا وخرجت أمنا عائشة رضي الله عنها مع جميع أمهات المؤمنين لطواف الافاضة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم جدا تخبره بأحوالها وتستشيره فيما يمر بها ولذلك لما طهرت أخبرت فأمرها أن تطوف بالبيت تقول أمنا عائشة رضي الله عنها فلما كان يوم النحر طهرت فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضت ولم تقتصر على الطواف بالبيت عندما ذهبت إلى مكة ولكنها طافت وسعت كذلك كما جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة عودتها من العمرة وملاقات النبي صلى الله عليه وسلم لها لما انتهت عائشة من أداء مناسك العمرة ومواعدتها للنبي صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها وحاضت أم المؤمنين صفية رضي الله عنها في أيام منا ونزل عليها الحيض من أمهات المؤمنين في حجة الوداع غير أمنا عائشة رضي الله عنها صفية رضي الله عنها تقول أمنا عائشة رضي الله عنها إن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت في حجة الوداع ومن رحمة الله بأمنا صفية رضي الله عنها أن حيضتها نزلت عليها بعد أن طافت طوافة الإفاضة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها إن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت في حجة الوداع بعدما أفاضت ولم تقصد أمنا عائشة رضي الله عنها أن صفية قد حاضت بعد الطواف مباشرة في يوم العيد وإنما قصدت أنها حاضت وقد طافت طوافة الإفاضة لأن الحديث عن احتمال نزول الحيض على أم المؤمنين صفية قد دار بين أمهات المؤمنين قبل طواف الإفاضة ولذلك كانوا يتخوفون أن تحيض قبل الإفاضة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض لذلك عبرت أمنا عائشة رضي الله عنها بقولها حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوما نحر فحاضت صفية أما متى حاضت بالضبط فقد قالت أمنا عائشة رضي الله عنها إن صفية بنت حيي حاضت في أيام منا تطلق على يوم العيد والأيام الثلاثة التي بعده وهي أيام التشريق وبينت لنا أمنا عائشة رضي الله عنها أن ذلك وقع ليلة النفر من منا وهي ليلة الرابع عشر من ذي الحجة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها حاضت صفية ليلة النفر فهذه أختي الحاجة الحالة الثانية من نزول الحيض على المرأة في الحج وهي أن تحيض أيام منا بعد أن تكون قطاف الطوافى الإفاضة وفي هذا تنبيه للأخوات في الحج بأن لا يؤخرن طوافى الإفاضة عن يوم النحر خشية أن تحيضى قبل أن تطوف للإفاضة نحر النبي صلى الله عليه وسلم في يوم العيد ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة واحدة كما أخبر بذلك جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة في حجته وصرحت أمنا عائشة رضي الله عنها أنها بقرة واحدة فقط فقالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة بل أكدت على ذلك بنفيها أن تكون أكثر من واحدة فقالت ما ذبح عن آل محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إلا بقرة كانت عن هدي التمتع عمن اعتمر من نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أبو هريرة رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن الاستعداد للخروج من منا لما كانت ليلة النفر من منا حاضت أم المؤمنين صفية تقول أمنا عائشة رضي الله عنها حاضت صفية ليلة النفر وكان قد استقر عند أمهات المؤمنين أن الحائضة لا تطوف بالبيت حتى تطهر وخاصة بعد حادثة أمنا عائشة رضي الله عنها وكان قد بقي عليهن طواف الوداع فأيقنت أمنا صفية رضي الله عنها أنها لن تستطيع الطواف بالبيت حتى تطهر فقالت ما أراني إلا حابستكم أي مانعتكم من السفر والخروج من مكة حتى أطهر وهذا قالته بحسب علمها أن طواف الوداع واجب على الحاج وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعاشر زوجاته قبل أن يتحرك من منا وكان عند أمنا عائشة رضي الله عنها فلما أراد الخروج من عندها والتوجه إلى خباء صفية لمعاشرتها أخبرته أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قد حاضت تقول أمنا عائشة رضي الله عنها حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله فقلت يا رسول الله إنها حائض فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وظن أنها لم تطفل الإفاضة فقال عقرا حلقا لكن أمنا عائشة رضي الله عنها استدركت سريعا وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم إنها قد أفاضت يا رسول الله وطافت بالبيت ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من خباء أمنا عائشة رضي الله عنها إذا صفية على باب خبائها كئيبة فقال لها عقرا أو حلقا إنك لحابستنا أكنت أفضتي يوما نحر قالت نعم قال فانفري إذا ومعنى هذه الكلمة عقرا حلقا بين الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال قوله عقرا حلقا بالفتح فيهما ثم السكون وبالقصر بغير تنوين في الرواية ويجوز في اللغة التنوين وصوبه أبو عبيد لأن معناه الدعاء بالعقر والحلق كما يقال سقيا ورعيا ونحو ذلك من المصادر التي يدعى بها وعلى الأول هو نعت لا دعاء ثم معنى عقرا عقرها الله أي جرحها وقيل جعلها عاقرا لا تلد وقيل عقرا قومها ومعنى حلقا حلق شعرها وهو زينة المرأة أو أصابها وجع في حلقها أو حلق قومها بشؤمها أي أهلكهم وحكى القرطبي أنها كلمة تقولها اليهود للحائظ فهذا أصل هاتين الكلمتين ثم اتسع العرب في قولهما كما قالوا قاتله الله وتربت يداه ونحو ذلك والذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يغضب من أمنا صفية رضي الله عنها ويوبخها بهذه العبارة هو تصوره صلى الله عليه وسلم أنها لم تطف الإفاضة ولو كان الأمر كذلك لبقي النبي صلى الله عليه وسلم حتى تطهر وتطوف ثم يتحرك للمسير إلى المدينة وفي هذا حرج وتأخير على عموم الصحابة الذين كانوا معه في قافلة الحج من المدينة وفي هذا يا أختي الحاجة من الدروس والعبر والفوائد ما يعود عليك بالنفع في دينك ودنياك فتأمني رغبة النبي صلى الله عليه وسلم وقد يحدث لك إن كنت في حجك مع زوجك أن يرغب في معاشرتك قبل التحرك للعودة فلا تمانعي بحجة الاستعداد للسفر وأن عليك أن تنتبه لتصرفاتك في الحج فلا تتسبب في إيذاء الحجيج بصورة أو بأخرى وخاصة ما يتعلق بمواقية الحركة فغالبا ما نرى أن سبب تأخر حركة سيارات الحجاج هي المرأة مما يلحق الضرر والضجر بالحجيج وهذا قد يغضب الزوج ويدعو عليك بمثل هذا الدعاء وغيره فلا تتسبب على نفسك بما يضرك وعلى الحاجة كذلك التنبه لأمر الحيظ ثم تفاجئه بالخبر في آخر الوقت فيصعب عليه التصرف وتوقعه في حرج فيغضب عليها الفرق بين معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لصفية لما حاضت ومعاملة عائشة قد تتساءل الأخت الحاجة عن الفرق بين موقف النبي صلى الله عليه وسلم من أمنا عائشة رضي الله عنها لما حاضت بسرف وبين موقفه صلى الله عليه وسلم من أمنا صفية رضي الله عنها لما حاضت بمنى فيجيب ابن حجر رحمه الله على ذلك فيقول اختلف الكلام باختلاف المقام فعائشة دخل عليها وهي تبكي اسفا على ما فاتها من النسك فناسب كلًا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة وهذا الكلام قاله ابن حجر رحمه الله ردًا على من قال بأن سبب الفرق في المعاملة هو ميله لأمنا عائشة رضي الله عنها أكثر من أمنا صفية رضي الله عنها وهذا الكلام غير صحيح ويمكن أن يضاف كذلك إلى أن نزول الحيض على أمنا عائشة رضي الله عنها لم يؤثر على مسيرة الناس في أداء النسك أو غيره بخلاف نزول الحيض على أمنا صفية رضي الله عنها فإنه كان سيؤثر على مسيرة الناس وتحركهم من مكة لو أنها لم تطفل الإفاضة لما تيقن النبي صلى الله عليه وسلم من أن أمنا صفية رضي الله عنها قطاف الطواف الإفاضة قبل أن تحيض أمرها أن تنفر مع الناس وتدع طواف الوداع فقال لها صلى الله عليه وسلم لا بأس إنفري وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها أن تنفر دليل أنه لا يلزم الحائض طواف الوداع ولا صبر حتى تطهر وعليه كافة الفقهاء فيا أختي الحاجة لو نزلت عليك الدورة في أيام منا وقطفت للإفاضة قبلها فأنت في حل من طواف الوداع لذلك عليك أن تحرصي على طواف الإفاضة في يوم العيد تأثر أمنا عائشة رضي الله عنها باختلاف نسكها عن نسك أمهات المؤمنين لما نفر النبي صلى الله عليه وسلم من منا بعد رمي الجمرات نزل بالمحصب وهو مكان بين منا والمسجد الحرام وصلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفي المساء حاورت أمنا عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع نسكها تقول أمنا عائشة رضي الله عنها لما كانت ليلة الحصبة قالت يا رسول الله يرجع نساؤك بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك فأبت وقالت يا رسول الله اعتمرتم ولم اعتمر يا رسول الله أرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد يا رسول الله يرجع أصحابك بأجر حج وعمرة ولم أزد على الحج أترجع نساؤك بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة فلما ألحت أعمرها تطييبا لنفسها فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلين لأنها متمتعات ولم يحضن ولم يقرن وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها وهذا الفعل من أمنا عائشة رضي الله عنها يبين لنا طبيعة المرأة من عدة جوانب فالمرأة تلح في الطلب وتكرره فلا يتضجر الرجال من ذلك ولا يطالبوها بضد طبيعتها والمرأة تتأثر بتفوق مثيلاتها عليها فكيف إذا كن شريكاتها في زوجها فهي لا تريد أن يسبقها أو يتميز عنها غيرها من الزوجات تطييب النبي صلى الله عليه وسلم لخاطر أمنا عائشة رضي الله عنها وكان النبي صلى الله عليه وسلم حسن العشرة لأهله فلما قالت له أمنا عائشة رضي الله عنها ما قالت عن العمر وافقها على مرادها قال جابر رضي الله عنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا سهلا إذا هويت الشيئة تابعها علي وهكذا ينبغي أن يكون الرجل مع نسائه من أهل بيته من الزوجات والبنات والأخوات سهلا يتابع أهله في مرادهم ما لم يكن إثما وهذا من حسن العشرة مع النساء وهذا الخلق مطلوب في كل وقت في التعامل مع المرأة ولكنه مطلوب في السفر أكثر لأن المرأة مشقة السفر مع شدة الرجل عمرة التنعيم ثم دع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر وقال له أخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم فرغا ثم أتيها هنا فإني أنظركم حتى تأتياني وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه بالخروج من الحرم لأن المعتمر المكي لا بد له من الخروج إلى الحل ثم يحرم منه ولأن العمرة زيارة وإنما يزار الحرم من خارجه كما يزار المزور في بيته من غير بيته وتلك سنة الله في عباده المعتمرين النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها اذهبي وليردفك عبد الرحمن إلى التنعيم فأهلي بعمرة والتنعيم أدنى الحل إلى مكة فهو أقرب الحل إلى مكة والمعتمر من مكة يخرج إلى الحل ليجمع بين الحل والحرم وهذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها كان له سبب وهي أنها قدمت مكة معتمرة فحاضت ولم تطهر إلا في أيام منا فلم تعتمر عمرة مفردة فطلبت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز لها الاعتمار من التنعيم وهذا يا أختي الحاجة قدمت مكة ثم حاضت قبل أن تنسك مناسك العمرة ثم أدركها الحج وهي محرمة أن تتوقف عن أعمال العمرة وتلبي بالحج ثم إذا قضت حجها اعتمرت من التنعيم أما ما يفعله الحجاج اليوم أنهم بعد الحج يكررون العمرة رجالا ونساء فهذا لم يعرف ولا نقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الذين حجوا معه أنهم فعلوا ذلك إلا عائشة رضي الله عنها لأنها كانت قدمت متمتعة فحاضت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج وتدعى العمرة ولذلك كانت تعبر أمنا عائشة رضي الله عنها عن هذه العمرة بألفاظ تدل على أنها مكان عمرتها التي لم تكتمل تقول أمنا عائشة رضي الله عنها فلما قضيت الحج أمر عبد الرحمن ليلة الحصبة فأمرني من التنعيم مكان عمرة التي نسكت وقالت أيضا فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر وأمرني أن أعتمر مكان عمرة التي أدركني الحج ولم أحلل منها من التنعيم وقالت أيضا فخرجت إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي بل قال لها النبي صلى الله عليه وسلم صراحة هذه مكان عمرتك مشقة الحج والعمرة حج لا بد فيها من التعب وهذا التعب لا ينفك عن هذه العبادة وقد حاول البعض اليوم في تحويل الحج إلى رحلة سياحية بغير تعب فجردوا الحج من معانيه ولم يستطيعوا أن يحافظوا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه فأتوا بحج غير الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم خال من المشاعر والروحانية فخسروا كثيرا من المعاني العظيمة في هذا المنسك العظيم لقد كان من تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها أن بين لها أن أجر النسك له ارتباط بالنفقة والمشقة النابعة من أدائه فقال ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك أي أجرك في هذا بقدر تعبك وسعيك في العمرة أو نفقتك في ذلك والمشقة هنا ليست مقصودة لذاتها وإنما هي من مقتضيات أداء المناسك وهي ملازمة له فهذه التي تؤجر عليها الحاجة وهذه قاعدة عامة في كل العبادات التي ترتبط بأدائها مشقة لا تنفك عنها فإن الأجر فيها على قدر المشقة إني أنتظركما هاهنا أحداث السيرة النبوية المتعلقة ببيت النبوة تدل دلالة واضحة على عظم مكانة أمنا عائشة رضي الله عنها عند النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر عبد الرحمن أن يأخذ أمنا عائشة رضي الله عنها إلى التنعيم لتعتمر أخبرهما أنه لن يتحرك حتى يصلان إليه وكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه في قافلة الحج التي أتت من المدينة على أهبة الاستعداد للعودة يأخذ الله عليه وسلم الناس بالانتظار حتى تفرغ أمنا عائشة رضي الله عنها من عمرتها ثم ينطلقون إلى المدينة قال النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمره ثم موعدك مكان كذا وكذا أخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم لتطف بالبيت ثم فرغا من طوافكما فإني أنتظركما هاهنا وليست هذه هي المرة الأولى التي يحبس النبي صلى الله عليه وسلم الناس في سفر من أجل أمنا عائشة رضي الله عنها بل حدث ذلك في سفر آخر عندما فقدت العقد وحبس الناس ليبحث عن العقد ونزلت آية التيمم فعدت من بركات آل أبي بكر على الناس في طريق عمرة التنعيم استجاب عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم به فأردف أمنا عائشة رضي الله عنها على بعير له وانطلق بها إلى التنعيم والإرداف أن يجعلها خلفه على البعير وهذا يجوز مع المحارم بشرط أن لا يضغط الإرداف الأجسام بعضها إلى بعض وأمنا عائشة رضي الله عنها في ذلك الوقت كانت صغيرة السن عمرها تقريبا سبعة عشر سنة رضي الله عنها فإني لأذكر وأنا جارية حديثة السن أنعس فيصيب وجه مؤخرة الرحل ولا غرابة في نعاسها فإن الوقت الذي تحركت فيه لأداء العمره كان بالليل وهو وقت النوم والراحة على عادة الناس في كل زمان وهي عللت أيضا بأنها ومع أن الوقت متأخر من الليل وفي زمن لم تكن فيه الأضواء منتشرة وأمنا عائشة رضي الله عنها تسير مع أخيها لوحدهما والجو حار إلا أن غيرة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أبي بكر عليها كانت كبيرة تقول أمنا عائشة رضي الله عنها فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلة راحلة قلت له وهل ترى من أحد والمعنى أنه يضرب رجلها بسوط أو عصا أو غير ذلك حين تكشف خمارها عن عنقها غيرة عليها فتقول له هي وهل ترى من أحد أي نحن في خلاء فهذه غيرة الصحابي على محارمه في الصحراء وفي الليل وليس هناك أحد فكيف بحال بعض الرجال اليوم الذين يرضون لنسائهم وبناتهم ومحارمهم أن يكشفوا عن أجسادهم أمام أعين الناس جميعا فانتبه أخت الحاجة إلى غيرة وليك أو زوجك في الحج يوجد أمورا تثير الغيرة عنده ولو كانت جائزة فالغيرة عند الرجل محمدة يشكر عليها وهي علامة على رجولته كما ينبغي عليك أن تحتملي ما يصدر منه من غضب أو رفع صوت بسبب الغيرة عليك وأدت أمنا عائشة رضي الله عنها العمرة من التنعيم أهلت بالعمرة لوحدها ولم يهل أخوها عبد الرحمن تقول أمنا عائشة رضي الله عنها حتى جئنا إلى التنعيم فأهللت منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا ثم طفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم قصرت من شعرها لتنتهي عمرتها بذلك وتحل بعد إحرامها وترجع إلى حبيبها وهي طيبة النفس قد حققت رغبتها وهذه العمرة إنما وقعت من أمنا عائشة رضي الله عنها بعد انتهاء أعمال الحج كلها وانتهت أيام التشريق كما أخبرتنا أمنا عائشة رضي الله عنها بذلك فقالت فلما قضينا الحج أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال هذه مكان عمرتك ولما انتهت أمنا عائشة رضي الله عنها من مناسك عمرتها رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان واعدها وحدد لها المكان ثم أتينا بمكان كذا وهذا المكان الذي أشار إليه هو المحصب وهو بأعلى مكة قالت أمنا عائشة رضي الله عنها ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب ونزلنا معه فدعى عبد الرحمن بن أبي بكر فقال أخرج بأختك من الحرم ثم فرغا ثم أتيها هنا فإني أنظركم حتى تأتياني فانتظرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة حتى جاءت تقول أمنا عائشة رضي الله عنها ثم أقبلنا حتى انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحصبة قلت رجوع أمنا عائشة رضي الله عنها من العمرة آخر الليل وقت السحر تقول أمنا عائشة رضي الله عنها ثم جئته بسحر فقال هل فرغتم فقلت نعم لقد انتظرها النبي صلى الله عليه وسلم بغير ضجر ولما وصلت كانت العبارة الجميلة لم يقول تأخرتم ولم يبدي ضجرا من ذهابها للعمرة بل أبدى حبا ظاهرا لها بل زادها صلى الله عليه وسلم من جميل أخلاقه وحسن معاشرته أن قال لها هذه مكان عمرتك تطييبا لخاطرها وتطمينا لنفسها لأنها إنما طلبت العمرة من نسائه وأصحابه فطمأنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله هذه مكان عمرتك أي عوض عمرتك الفائتة مخالفة أفعال الجاهلية كان أهل الجاهلية يحرمون العمرة بعد الحج حتى ينسل خذ الحجة والمحرم ويجيزونها في صفر لأمنا عائشة رضي الله عنها بعد انقضاء الحج مباشرة في شهر ذي الحجة فعل لابن عباس موافقة النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها بقوله والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك ومن دان دينهم كانوا يقولون إذا عفل وبر وبرأت دبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسل خذ الحجة والمحرم فما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم رضي الله عنها تطوف الوداع وقت الفجر فلم اطمئن النبي صلى الله عليه وسلم على وصول أمنا عائشة رضي الله عنها وأدائها للعمرة آذن بالرحيل وكان وقت وصول أمنا عائشة رضي الله عنها هو وقت السحر كما أخبرت بذلك ثم جئته بسحر فارتحل فمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج ثم انصرف متوجها إلى المدينة فأخر النبي صلى الله عليه وسلم طوافه بالبيت إلى آخر لحظة قبل خروجه فطاف قبل صلاة الفجر كما أخبرتنا أمنا عائشة رضي الله عنها بقولها وأدركت النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وهو في المسجد الحرام فصلى بهم الفجر ثم انطلق إلى المدينة ولم يتيسر لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها الطواف بالبيت للوداع لما وصلوا قبل الفجر بسبب مرضها وكان الفجر قد أذن فقال لها إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون طوفي من وراء الناس وأنت راكبه تقول أم سلمة فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت يقرأ بي والطور وكتاب مسطور وهذه حالة أخرى أختي الحاجة قد تبتلى بها المرأة وهي أن تمرض في آخر أيام الحج فلا تستطيع أن تطوف للوداع فأجازنها النبي صلى الله عليه وسلم أن تطوف راكبه كأن تطوف اليوم على الكراس المتحركة وفي توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين أم سلمة في أن تطوف والناس يصلون ومن ورائهم فوائد للمرأة منها أن المرأة لا تختلط بالرجال أثناء الطواف وأن تختار وقتا شغال الرجال عنها مثل أن تطوف وهم يصلون وكل هذا لإبعاد المرأة عن الاختلاط والاقتراب جسديا من الرجال هذا وهي أم المؤمنين وفي أطهر بقعة وفي عبادة عظيمة ومع ذلك تؤمر بالابتعاد عن الرجال فماذا نقول عن الأعمال المختلطة والتي تقضي فيها المرأة من الوقت أكثر مما تقضيه في بيتها مع زوجها وأولادها عمرة في رمضان كحجة معي كلنا نتمنى لو كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجته ننهل من هده لا تشرف بصحبته ولكن الله قدر لنا أن نكون في زمان آخر ليبلونا ويختبرنا في مدى صدقنا في اتباع نبينا ومن رحمة الله عز وجل بنا أن جعل لنا بابا يمكن أن نال منه أجر حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم ولو كنا في زمان غير زمان النبي من خلال عمرة تقع في شهر رمضان لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع التقى بأم سنانن الأنصارية وقال لها ما منعك من الحج قالت أبو فلان تعني زوجها كان له ناضحان حج على أحدهما والآخر يسقي أرضا لنا قال فإن عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي أي لك أجر وثواب الحج معي وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء وهذه الحادثة وقعت مع أكثر من امرأة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقد وقعت كذلك مع أم معقل لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجه جئته فقال يا أم معقل ما منعك لي أن تخرجي معنا قالت لقد تهيئنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذين حج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله قال فهل لا خرجت عليه فإن الحجة في سبيل الله فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان فإنها كحجة فمن استطاعت من كن أيتها الأخوات أن تعتمر في رمضان فلا تفرط فيها لما فيها من الأجر العظيم هذه ثم ظهور الحصر في حجة الوداع أخذ النبي صلى الله عليه وسلم معه كل زوجاته إلى الحج ليؤد فريضة الإسلام عليهم ركن الحج وهو الركن الخامس من أركان الإسلام وبعد أن انتهت مناسك الحج قال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته هذه ثم ظهور الحصر وقال إنما هي هذه الحجة ثم لزمنا ظهور الحصر في البيوت فكن كلهن يحجج وسودة بنت زمعة وكانتا تقولان والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وقد فهمت أمنا عائشة رضي الله عنها من هذا الحديث أنه لا يجب عليهن الحج بعد هذه الحجة ولم تفهم المنع من الحج مطلقا بعد هذه الحجة ذلك قال العلماء والعذر عن عائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة وتأيد ذلك عندها بقوله صلى الله عليه وسلم لكن أفضل الجهاد وهذه خاتمة قصة أمنا عائشة رضي الله عنها وبقية زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين في حجة الوداع وما صاحب ذلك من مواقف لنساء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين حجة أمنا عائشة رضي الله عنها