بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَتِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ ثِقَةُ مَرْيَمَ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهَا بعد أن اطمأنَّت نفسُ مريمَ عَلَيْهَا السَّلَامِ حَمَلَتْ وَلِيدَهَا وَاتَّجَهَتْ إِلَى قَوْمِهَا بِكُلِّ ثِقَةٍ في أنَّ اللَّهَ نَاصِرُهَا وَمُؤَيِّدُهَا وَأَنَّهُ سَيَتَوَلَّى أَمْرَهَا قال تعالى فأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قال ابن جرير طبري رحمه الله يقول تعالى ذكره فلما قال ذلك عيسى لأمه اطمأنَّت نفسُها وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله أتت معلنةً به غير ساترة لأنها قد علمت أن الله سيبرئها مما يتهم به مثل من جاء في حالتها وهكذا ينبغي للفتاة المسلمة أن تثق بوعد الله لكل من نصر دينه أن ينصره قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم قال السعدي رحمه الله هذا أمرٌ منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله بالقيام بدينه والدعوة إليه وجهاد أعدائه والقصد بذلك وجه الله فإنهم إذا فعلوا ذلك نصرهم الله وثبت أقدامهم لكي يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات ويصبر أجسامهم على ذلك ويعينهم على أعدائهم فهذا وعدٌ من كريم صادق الوعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه وييسر له أسبابا نصر من الثبات وغيره ومن أهم طرق نصرك لدين الله عز وجل والثبات عليه فقد مدح الله عز وجل ثبات الصحابة في أصعب محنة مرت عليهم فقال من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا هذه المحنة العظيمة التي مر بها الصحابة الكرام ذكرها الله بالتفصيل في سورة الأحزاب هذه السورة التي تناولت أهم أحكامك الشرعية الخاصة بك وهي الحجاب داخل البيوت ولبس الجلباب خارج البيوت وتحريم التبرج والخضوع بالقول واختيار الله لك القرار في البيت لتستقر نفسك وتطمئن مع عدم تحريمه خروجك من البيت لحاجاتك الشخصية والنفسية هذه السورة التي بين الله فيها الأحكام الخاصة بك وبين فيها محنة الصحابة التي وصفها بقوله إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون هنا لكبتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا هي نفسها التي بين فيها أخطر أعدائك الذين يتربصون بك لإغوائك وإضلالك وصرفك عن دينك وهم المنافقون وأصحاب القلوب المريضة والمرجفون في المجتمعات هؤلاء هم الذين يحاربون ما شرعه الله لك من أحكام فتوعدهم الله بأشد أنواع الوعيد فقال والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهم من جلابيبهم ذلك أدنا أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما لإن لم ينتهي المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا إن المطلوب منك أخت الكريمة هو الثبات على الحق والامتثال لشرع الله المطهر والثقة بوعد الله في الانتقام من هذه الشرذمة المجرمة التي تسعى لإفساد بنات المسلمين مريم عليه السلام واجهت قومها بطفل من غير زوج وهي مطمئنة وواثقة بنصر الله لها لأن هذا ما قضاه الله لها لتكون هي ومولودها آية للعالمين لكن ردة فعل قومها من قدومها بالطفل تحمله كانت كبيرة جدا فقد استنكروا ذلك استنكارا شديدا وانهالوا عليها بالتوبيخ الشديد لأنهم ظنوا بها الظن السي قال الله مبينا موقفهم منها فأتت بني قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك مرأسا ما كان أبوك مرأسا وما كانت أمك بضيا قال ابن كثير رحمه الله يقول تعالى مخبرا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك وألا تكلم أحدا من البشر فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها فسلمت لأمر الله عز وجل واستسلمت لقضائه فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جدا وقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا أي أمرا عظيم وقال ابن جرير الطبري رحمه الله فلما رأوا مريم ورأوا معها الولد الذي ولدته قالوا لها يا مريم لقد جئت بأمر عجيب وأحدثت حدثا عظيم ولا يستغرب من ردة فعل قومها على ما ظنوه من صنيعها لأن إنكار الناس للأمر المستنكر مثل فاحشة الزنا دليل عافية في المجتمع وصلاح أهله المشكلة الكبرى لو أنهم لم يستنكروا عليها قدومها وعدوا ذلك حرية شخصية كما تدعو إليه المجتمعات اليوم فإن هذا هو البلاء العظيم أن تتبلد مشاعر الناس وأحاسيسهم عند رؤية المنكر فلا ينكرونه فيكبر على ذلك الصغير حتى يراه أنه هو الحق وما خالفه هو الباطل أي أخيتي إن من مقتضى ثباتك على الحق قيامك بإنكار المنكر إذ لا يكفي أن تصلح في نفسك في خاصة أمرك وتترك المنكرات من حولك من غير إنكار فإن هذا مما لعنت عليه بنو إسرائيل قال تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل قال لسان داوود وعيس بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن كر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون قال ابن كثير رحمه الله قال العوفي عن ابن عباس لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم فقال تعالى كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون أي كان لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه فقال لبئس ما كانوا يفعلون وهذا يعني يا أخيتي أنه لا يليق أن تكون لك صديقة في غاية التبرج وتخرجين وتدخلين معها ثم هي لم تسمع منك كلمة نصح ولول مرة واحدة تنكرين عليها تبرجها ولا تقول كل إنسان مسؤول عن نفسه فإن الناس في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما فهموا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون على غير معناها الصحيح قام فيهم أبو بكر الصديق وموضحاً للمعنى الصحيح فقال أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه رواه الترمذي إن قوم مريم عليه السلام قالوا لها لما رأوها تحمل طفلا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا لأن صورة التي يعرفونها في مثل هذه الحالة أن المرأة غير المتزوجة إذا حملت فإنها تحمل من الزنا قال الشنقيقي رحمه الله الذي يفهم من الآيات القرآنية أن مرادهم بقولهم لقد جئت شيئاً فريا أي منكراً عظيما لأن الفري فعيل من الفرية يعنون به الزنا لأن ولد الزنا كالشيء المفترى المختلق لأن الزانية تدعي الحاقه بمن ليس أباه ويدل على أن مرادهم بقولهم فريا الزنا قوله تعالى وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيما لأن ذلك البهتان العظيم الذي هو ادعاؤهم أنها زنت وجاءت بعيسا من ذلك الزنا حاشاها وحاشاه من ذلك هو المراد بقولهم لها لقد جئت شيئاً فريا ويدل لذلك قوله تعالى بعده يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغي والبغي الزانية كما تقدم يعنون كان أبواكع في فيني لا يفعلان الفاحشة فما لك أنت ترتكبينها إن تغليف فاحشة الزنا بأسماء تخفف من شناعتها في المجتمع لا يغير من الحقيقة شيئا إن تسمية الزنا بعلاقة غير شرعية إنما يراد منه التخفيف على سامعها من بشاعة الجريمة لأن لفظة الزنا توجع قلوبهم وتزعجهم وتذكرهم بالشريعة الإسلامية والحدود التي فيها فغيروا من وصفها بهذه الجملة الطويلة ومثل ذلك تسمية ابن الزنا بمجهول الأبوين لتخفيف المنكر على المجتمع ونتائجه المؤلمة وهذا جرهم إلى مصائب أعظم منها وهي تسهيل فاحشة الزنا في المجتمع باعتباره مسألة شخصية تتعلق بالمرأة وأن المرأة تملك جسدها ولها الحرية في التصرف فيه وجرهم هذا إلى إباحة الإجهاض بحجة أن جسد المرأة ملكلها وهي التي تقرر متى تحمل ومتى تسقط جنينها وفي هذا تسهيل كبير لفاحشة الزنا بل تجاوز الأمر إلى أكثر من ذلك فأصبحت في الأقسام الصحية إرشادات خاصة بما يسمى الجنس الآمن يشرحون فيه للفتاة كيف تمارس الزنا من غير حمل ولا أمراض جنسية وقولي مثلها في مصطلح فهذه كلها مصطلحات ناعمة لتغليف فاحشة الزنا وتيسيرها في المجتمعات إن إنكار قوم مريم عليه السلام لفاحشة الزنا وحاشى مريم أن تقع فيها دليل على سلامة المجتمع الذي كانت تعيش فيه مريم من الرضا بهذه الجريمة الفاحشة