بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سلمة ابن قيس رضي الله عنك قضى الفاروق ليلته تلك سهران يعس في أحياء المدينة لينام الناس من الأجفونهم آمنين مطمئنين وكان خلال اطوافه بين الدور والأسواق يستعرض في ذهنه الأمجاد ليعقد لواحد منهم الراية على الجيش الذاهب لفتح الأهواز ثم ما لبث أنهت فقائل ظفرت به نعم ظفرت به إن شاء الله ولما طلع عليه الصباح دعا سلمة ابن قيس للأشجعي وقال له إني وليتك على الجيش المتوجه إلى الأهواز فسير بسم الله وقاتل في سبيل الله من كفر بالله وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا فإما أن يختاروا البقاء في ديارهم ولا يشتركوا معكم في حرب غيرهم فليس عليهم إلا الزكى وليس لهم في الفي نصيب وإما أن يختاروا أن يقاتلوا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم فإن أبوا الإسلام فادعوهم إلى إعطاء الجزية ودعوهم وشأنهم وحموهم من عدوهم ولا تكلفوهم فوق ما يطيقون فإن أبوا فقاتلوهم فإن الله ناصركم عليهم وإذا تحصنوا بحصن ثم طلبوا منكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله فلا تقبلوا منهم ذلك فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله وإذا طلبوا منكم أن ينزلوا على ذمة الله ورسوله فلا تعطوهم ذمة الله ورسوله وإنما أعطوهم ذممكم أنتم فإذا ظفرتم في القتال فلا تسرفوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فقال سلمة سمعا وطاعةا يا أمير المؤمنين فودعه عمر بحرارة وشد على يديه بقوة ودعا له بضراعة فلقد كان يقدر ضخامة المهمة التي ألقاها على عاتقه وعاتق جنوده ذلك لأن الأهواز منطقة جبلية وعرة المسالك حصينة المعاقل واقعة بين البصرة وتخوم فارس يسكنها قوم أشداء من الأكراد ولم يكن للمسلمين بد من فتحها أو السيطرة عليها ليحمو ظهورهم من هجمات الفرس على البصرة ويمنعوهم من اتخاذها ميدانا لجنودهم فتتعرض سلامة العراق وأمنه للخطر مضى سلمة ابن قيس على رأس جيشه الغاز في سبيل الله غير أنهم ما كادوا يتوغلون قليلا في أرض الأهواز حتى دخلوا في صراع مرير مع طبيعتها القاسية فقد طفق الجيش يعاني من جبالها النخرة وهو مصعد ويكابد من مستنقعاتها الموبوأة وهو مسهل ويصارع أفاعيها القاتلة وعقاربها السامة يقضان نائما لكن روح سلمة ابن قيس المؤمنة الشفافة كانت ترفرف بأجنحتها فوق جنده فإذا العذاب عذب وأذا الحزن سهل فلقد كان يتخولهم بالموعظة التي تهز نفوسهم هزا ويترع لياليهم بأرج القرآن فإذا هم مغمورون بضياءه سابحون في لألاءه ناسون ما مسهم من عناء ونصب امتثل سلمة ابن قيس لأمر خليفة المسلمين فما إن التقى بأهل الأهواز حتى عرض عليهم الدخول في دين الله فأعرضوا ونفروا فدعاهم إلى إعطاء الجزية فآبوا واستكبروا فلم يبقى أمام المسلمين غير ركوب الأسنة فركبوها مجاهدين في سبيل الله راغبين بما عنده من حسن الثواب دارت المعارك حامية اللظى مستقيرة الشرر وأبدى فيها الفريقان من ضروب البسالة ما لم تشهد له الحروب نظيرا إلا في القليل النادر ثم ما لبثت أن انجلت المعارك عن نصر مؤزر للمؤمنين المجاهدين لإعلاء كلمة الله وهزيمة منكرة للمشركين أعداء الله ولما وضعت الحرب أوزارها بادر سلمة ابن قيس إلى قسمة الغنائم بين جنوده فوجد فيها حلية نفيسة فأحب أن نتحف بها أمير المؤمنين فقال لجنوده إن هذه الحلية لو قسمت بينكم لما فعلت معكم شيئا فهل تطيب أنفسكم إذا بعثنا بها إلى أمير المؤمنين فقالوا نعم فجعل الحلية في سفط أي صندوق صغير وندب رجلا من قومه بني أشجع وقال له إمض إلى المدينة أنت وغلامك وبشر أمير المؤمنين بالفتح وأطرفه بهذه الحلية فكان للرجل الأشجعي مع عمر بن الخطاب خبر فيه عبر وعظات فلنترك الكلام له ليروي لنا خبره بنفسه قال الرجل الأشجعي مضيت أنا وغلامي إلى البصرة فاشترينا راحلتين مما أعطانا سلمة بن قيس وأوقرناه ما زاد ثم يممنا وجهينا شطر المدينة فلما بلغناها نشدت أمير المؤمنين فوجدته واقفا يغذ المسلمين وهو متكئ على عصاه كما يصنع الراعي وكان يدور على القصاع وهو يقول لغلامه يرفأ يا يرفأ زد هؤلاء لحما يا يرفأ زد هؤلاء خبزا يا يرفأ زد هؤلاء مراقا فلما أقبلت عليه قال اجلس فجلست في أدنى الناس وقدم لي الطعام فأكلت فلما فرغ الناس من طعامهم قال يا يرفأ ارفع قصاعك ثم مضى فتبعته فلما دخل داره استأذنت عليه فآذن لي فإذا هو جالس على رقعة من شعر متكئ على وسادتين من جلد محشوةين ليفا فطرح لي إحداهما فجلست عليها وأيضا خلفه ستر فالتفت نحو الستر وقال يا أمك الثوم غدا أنا فقلت في نفسي ماذا عسى أن يكون طعام أمير المؤمنين الذي خص به نفسه فناولته خبزة بزيت عليها ملح لم يدق فالتفت إلي وقال كل فامتثلت وأكلت قليلا وأكله فما رأيت أحدا أحسن منه أكلا ثم قال اسقونا فجاؤوه بقدح فيه شراب من سويق الشعير فقال أعطوا الرجل أولا فأعطوني فأخذت القدح فشربت منه قليلا إذ كان سويقي أطيب منه وأجود ثم أخذه فشرب منه حتى روي ثم قال الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا وسقانا فأروانا عند ذلك التفت إليه وقلت جئتك برسالة يا أمير المؤمنين فقال من أين فقلت من عند سلمة بن قيس فقال مرحبا بسلمة بن قيس ومرحبا برسوله حدثني عن جيش المسلمين فقلت كما تحب يا أمير المؤمنين السلامة والظفر على عدوهم وعدو الله وبشرته بالنصر وأخبرته خبر الجيش جملة وتفصيلا فقال الحمد لله أعطا فتفضل وأنعم فأجزل ثم قال هل مررت بالبصرة فقلت نعم يا أمير المؤمنين فقال كيف المسلمون فقلت بخير من الله فقال كيف الأسعار فقلت أسعارهم أرخص الأسعار فقال وكيف اللحم فإن اللحم شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها فقلت اللحم كثير وفير فالتفت إلى السفط الذي معي وقال ما هذا الذي بيدك فقلت لما نصرنا الله على عدونا جمعنا الغنائم فرأى سلمة فيها حلية فقال للجند إن هذه لو قسمت عليكم لما بلغت منكم شيئا فهل تطيب نفوسكم إذا بعثت بها لأمير المؤمنين فقالوا نعم ثم دفعت إليه بالسفط فلما فتحه ونظر إلى الفصوص التي فيه من بين أحمر وأصفر وأخضر وثب من مجلسه وجعل يده في خاصرته وألقى بالسفط على الأرض فانتثر ما فيه ذات اليمين وذات الشمال فظلن النساء أني أريد اغتياله فأقبلن نحو الستر ثم التفت إلي وقال جمعه وقال لغلامه يرفأ اضربه وأوجع فجعلت أجمع من تثر من السفط ويرفأ يضربني ثم قال قم غير محمود لا أنت ولا صاحبك فقلت إذا لي بمركب يحملني أنا وغلامي إلى الأهواز فقد أخذ غلامك راحلتي فقال يا يرفأ أعطيه راحلتين من إبل الصداقة له ولغلامه ثم قال لي إذا قضيت حاجتك منهما ووجدت منه أحوج لهما منك فادفعهما إليه قلت أفعل يا أمير المؤمنين نعم أفعل إن شاء الله ثم التفت إلي وقال أما والله لأن تفرق الجند قبل أن يقسم فيهم هذا الحلي لأفعلن بك وبصاحبك الفاقرة فمضيت من توي حتى أتيت سلمة وقلت ما بارك الله لي فيما اختصصتني به اقسم هذا الحلي في الجند قبل أن تحلبي وبكداهية وأخبرته الخبر فما غادر مجلسه إلا بعد أن قسمه فيهم