بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نسطر حظوفا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدية باب كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه في هذا الحديث تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول ما كان يسرد كسردكم هذا أي لا يأتي بالكلام سريعا عجلا متلاحقا ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل معنى بين أي ظاهر وفصل أي مفصول يتميز بعضه عن بعض بحيث يتبينه من يسمعه فهديه صلى الله عليه وسلم الترسل في الكلام والتأني في إلقاء الحديث بخلاف بعض الناس إذا تكلم لا يبين الكلام وربما تختفي مع سرعة كلامه بعض الحروف وأحيانا بعض الكلمات وقولها يحفظه من جلس إليه يعني لوضوحه وفصاحته ولكونه يأتي به مترسلا لا سرد وجاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه والمراد بذلك المبالغة في التأني والإيضاح وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثا لتعقال عنه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاث مرات والمراد بالكلمة الجملة أو جزءا من الجملة وكان يكررها ثلاثا لتفهم عنه ولم يكن هذا هديه في كل حديثه وإنما يفعله إذا اقتضى المقام ذلك كالتأكيد على أمر ما أو الاهتمام به فالتكرار له مقاصد عديدة ومن مقاصده فهم السامع وضبطه للكلام لذلك قال أنس رضي الله عنه لتعقل عنه أي ليتدبرها السامعون ويرسخ معناها في أذهانهم فائدة قال ابن القيم رحمه الله كان صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداءا وأحلاهم منطقا حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح ويشهد له بذلك أعداؤه وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد ليس بهذ مسرع لا يحفظ ولا منقطع تتخلله السكتات بين أفراد الكلام بل هديه فيه أكمل الهدي فهذا أدب حسن ينبغي مراعاته عند الحديث إلى الناس ووعظهم ونصحهم وتعليمهم فمن تأدب بهذا الأدب النبوي الكريم وحسن خلقه مع الناس وصبر عليهم واستعان بالله في دعوتهم وتعليمهم فحري أن يستجيبوا له ويأخذوا عنه باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه أنه قال ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنه أيضا قال ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما في هذا الحديث بيان كثرة تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان كذلك لكمال خلقه وتواضعه وحسن معاشرته للناس فكان صلى الله عليه وسلم يلقى الناس بوجه مشرق طليق متبسم وأيضا فيه بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد على التبسم وهذا كان في غالب أحواله لما تقرر أنه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان ضحك حتى بدت نواجذه وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم أول رجل يدخل الجنة وآخر رجل يخرج من النار يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال ويخبأ عنه كبارها فيقال له فيقال فيقول إن لي ذنوبا لا أراها هاهنا قال أبو ذر فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه في هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم أي عن طريق الوحي أول رجل يدخل الجنة ويقصد بذلك نفسه صلى الله عليه وسلم فهو أول من يستفتح باب الجنة وأول من يدخلها ويقول وأعلم آخر رجل يخرج من النار وهو الوارد صفته في هذا الحديث فلا يبقى بعده في النار إلا أهلها المخلدون فيها أبدا آباد وهم الكفار وجاء في رواية إني لأعرف آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا فيها أي أنه رجل واحد يكون آخر من يخرج من النار ثم يدخل الجنة وقوله يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال أي يقول الله تعالى للملائكة اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها أي سلوه عن صغار ذنوبه دون كبارها فيقال له عملت يوم كذا كذا وكذا وهو مقر لا ينكر أي فيتذكر ذلك ويصدقه وقوله وهو مشفق من كبارها أي هو خائف من كبار ذنوبه أن تعرض عليه ويؤخذ بها لأن من يؤخذ بالصغيرة فبالأولى أن يعاقب بالكبيرة فيقول الله تعالى أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة وهذا التبديل له من باب الفضل من رب العالمين فيقول العبد ربي قد عملت أشياء أي من الكبائر لا أراها هاهنا أي في الصحائف أي أن العبد إذا رأى تبديل السيئات بالحسنات طلب رؤية الذنوب الكبار التي كان مشفقا منها أن تظهر وذلك لما عاين من فضل الله تعالى وسعت رحمته سبحانه وقوله فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه والنواجذ هي الأضراس لا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك وضحكه صلى الله عليه وسلم هنا استشعار لفضل الله تعالى ومنه ورحمته بعباده وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك وقال أيضا ولا رآني منذ أسلمت إلا تبسم في هذا الحديث يخبر الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما حجبه من الدخول عليه منذ أن أسلم وذلك لمكانته بين الناس وأيضا كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وقوله ولا رآني إلا ضحك أي أنه لم يلقه بعد إسلامه إلا ضحك ويقصد بالضحك هنا الابتسامة كما جاء في الرواية الثانية بلفظ التبسم وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف آخر أهل النار خروجا رجل يخرج منها زحفا فيقال له انطلق فادخل الجنة قال فيذهب ليدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيرجع فيقول يا ربي قد أخذ الناس المنازل فيقال له أتذكر الزمان الذي كنت فيه فيقول نعم قال فيقال له تمنا قال فيتمنى فيقال له فإن لك الذي تمنيت وعشرة أضعا في الدنيا قال فيقول أتسخر بي وأنت الملك قال فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه في هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعرف آخر أهل النار خروجا أي من عصاة المؤمنين رجل يخرج منها زحفا وفي رواية يخرج منها حبو أي يمشي على يديه ورجلي فيقال له أي يقول له الله تعالى انطلق فادخل الجنة فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل أي منازلهم في الجنة فيخيل إليه أنه لم يبقى منزل لغيرهم فيرجع فيقول يا ربي قد أخذ الناس المنازل أي لم يبقى لي مكان أنزل فيه في الجنة فيقول الله له أتذكر الزمان الذي كنت فيه أي هل تذكر الدنيا فيقول نعم فيقول له تمنى من التمني أي طلب ما شئت فيطلب ويطلب فإذا انتهت أمانيه يقول له الله فإن لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا فيذهل العبد ويقول تسخر بي وأنت الملك أي أتستهزئ بي والحال أنك الملك العظيم الشأن عظيم البرهان وأنا العبد الذليل المستهان والحاصل أنه صدر منه هذا الدهش والتحير لما ناله من السرور مما لم يكن يخطر بباله ولم يتصوره في آماله فلم يكن حينئذ ضابطا لأقواله ولا عالما بما يترتب عليه من جريان حاله بل جرى على لسانه بمقتضى عادته في مخاطبة أهل زمانه ومحاورة أصحابه وإخوانه وقد مر معنا معنا قوله فنقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه وإذا كان ثواب آخر من يخرج من النار من عصاة الموحدين ويدخل الجنة مثل الدنيا وعشرة أضعافها وله ما اشتهت نفسه ولذت عينه فكيف بثواب عباد الله المقربين وعن علي بن ربيعة قال شهدت علي رضي الله عنه أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله فلما استوى على ظهرها قال الحمد لله ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمونقلبون ثم قال الحمد لله ثلاث والله أكبر ثلاث سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقلت له من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعك ما صنعت ثم ضحك فقلت من أي شيء ضحكت يا رسول الله قال إن ربك ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب أحد غيره في هذا الحديث أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله والركاب هو ما يعلق في السرج فيجعل الراكب فيه رجله ليصعد على الداب وقول فلما استوى على ظهرها أي استقر على ظهرها قال الحمد لله أي على نعمة الركوب وغيرها ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا أي ذلل لنا هذا المركوب وما كنا له مقرنين أي مطيقين والمعنى لولا تسخيره ما كنا جميعا مقتدرين على ركوبه وإنا إلى ربنا لمنقلبون أي لصائرون إليه بعدما ماتنا وإليه سيرنا الأكبر وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة ثم قال الحمد لله ثلاثا والله أكبر ثلاثا سبحانك إني ظلمت نفسي أي فعلت من الخطأ والنقص ما يستوجب العقوبة فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت لعل ذكر ظلم النفس في هذا المقام والاستغفار مع استحضار هذه النعمة العظيمة مشعر بتقصير العبد في جنب ربه سبحانه مع كثرة نعمه علي فناسب أن يستغفر ثم ضحك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما سئل عن سبب ضحك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت أي أنه فعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وفيه بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم وقوله فقلت من أي شيء ضحكت يا رسول الله أي إني سألته كما سألتموني فقال إن ربك ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت والعجب صفة من صفات الله الفعلية ويعجب الله تعالى عجبا يليق بجلاله وليس كمثله شيء وقوله إنه لا يغفر الذنوب غيرك فيه إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة وفي رواية عند أحمد يعجب الرب من عبده إذا قال رب اغفر لي يقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري وعن عامر بن سعد قال قال سعد رضي الله عنه لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك يوم الخندق حتى بدت نواجذه قال قلت كيف كان ضحكه قال كان رجل معه ترس وكان سعد راميا وكان الرجل يقول كذا وكذا بالترس يغطي جبهته فنزعله سعد بسهم فلما رفع رأسه رماه فلم يخطئ هذه منه يعني جبهته وانقلب الرجل وشال برجله فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه قال قلت من أي شيء ضحك قال من فعله بالرجل هذا الحديث ضعيف ويغني عنه ما ورد في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له أبويه يوم أحد قال كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إرمي فداك أبي وأمي قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه وقوله في هذا الحديث أحرق المسلمين أي أثخن فيهم وعمل فيهم مثل عمل النار من شدة سطوته وقوله وشال برجله أي رفعها وانقلب على ظهره وقوله فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه أي فرحا بقتله عدوه وهلاكه لا لانكشاف عورته فائدة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم الوجه دائما البشر لا تكاد البسمة الحانية تفارق وجهه الكريم فيسعد بها صاحبه ويأنس بها ضيفه ويسر بها جليسه ويخزم بها عدوه ويكبة بها شانئه ويعرف بها كمال شيمه وكرم ضريبته عن سماك بن حرب قال قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم كثيرا جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس قام فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت فيضحكون فربما تبسما معهم للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين