1 00:00:00,000 --> 00:00:04,620 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ 2 00:00:04,620 --> 00:00:07,960 قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ 3 00:00:07,960 --> 00:00:10,419 عَلَيْهَا السَّلَامِ 4 00:00:10,419 --> 00:00:15,519 لا تحزني يا مريم 5 00:00:15,519 --> 00:00:21,929 إن عناية الله بمريم 6 00:00:21,929 --> 00:00:25,429 لم تتوقف عند اختيار مكان الولادة 7 00:00:25,429 --> 00:00:28,929 بل كانت تحيط بها من كل جانب 8 00:00:28,929 --> 00:00:31,230 فلما قالت مريم 9 00:00:31,550 --> 00:00:33,750 يا ليتني مدت قبل هذا 10 00:00:33,750 --> 00:00:37,350 وكنت نسيا منسيا 11 00:00:37,350 --> 00:00:40,380 أنطق الله من نواسيها 12 00:00:40,380 --> 00:00:42,619 فناداها من تحتها 13 00:00:42,619 --> 00:00:44,380 ألا تحزني 14 00:00:44,380 --> 00:00:48,079 قد جعل ربك تحتك سريا 15 00:00:48,079 --> 00:00:51,320 قال ابن جرير نطبري رحمه الله 16 00:00:51,320 --> 00:00:53,840 وأولى القولين في ذلك عندنا 17 00:00:53,840 --> 00:00:55,619 قول من قال 18 00:00:55,619 --> 00:00:59,179 الذي ناداها ابنها عيسى 19 00:00:59,179 --> 00:01:01,840 وذلك أنه من كناية ذكره 20 00:01:01,840 --> 00:01:04,840 أقرب منه من ذكر جبرائيل 21 00:01:04,840 --> 00:01:07,599 فرده على الذي هو أقرب إليه 22 00:01:07,599 --> 00:01:11,670 أولى من رده على الذي هو أبعد منه 23 00:01:11,670 --> 00:01:14,629 وقال الشنقيقي رحمه الله 24 00:01:14,629 --> 00:01:16,790 أظهر القولين عندي 25 00:01:16,790 --> 00:01:20,370 أن الذي ناداها هو ابنها عيسى 26 00:01:20,370 --> 00:01:23,590 وتدل على ذلك قرينتان 27 00:01:23,590 --> 00:01:24,989 الأولى 28 00:01:24,989 --> 00:01:28,329 أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور 29 00:01:28,329 --> 00:01:30,989 إلا بدليل صارف عن ذلك 30 00:01:30,989 --> 00:01:33,189 يجب الرجوع إليه 31 00:01:33,189 --> 00:01:35,129 وأقرب مذكور في الآية 32 00:01:35,129 --> 00:01:37,489 هو عيسى لا جبريل 33 00:01:37,489 --> 00:01:39,489 لأن الله قال 34 00:01:39,489 --> 00:01:40,829 فحملت 35 00:01:40,829 --> 00:01:42,590 يعني عيسى 36 00:01:42,590 --> 00:01:44,390 فانتبذت به 37 00:01:44,390 --> 00:01:46,129 أي بعيسى 38 00:01:46,129 --> 00:01:48,090 ثم قال بعده 39 00:01:48,090 --> 00:01:49,790 فناداها 40 00:01:49,790 --> 00:01:52,730 فالذي يظهر ويتبادر من السياق 41 00:01:52,730 --> 00:01:54,859 أنه عيسى 42 00:01:54,859 --> 00:01:56,959 والقرينة الثانية 43 00:01:56,959 --> 00:02:00,620 أنها لما جاءت به قومها تحمله 44 00:02:00,620 --> 00:02:02,879 وقالوا لها ما قالوا 45 00:02:02,879 --> 00:02:05,819 أشارت إلى عيسى ليكلموه 46 00:02:05,819 --> 00:02:08,319 كما قال تعالى عنها 47 00:02:08,319 --> 00:02:10,319 فأشارت إليه 48 00:02:10,319 --> 00:02:15,159 قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا 49 00:02:15,159 --> 00:02:18,060 وإشارتها إليه ليكلموه 50 00:02:18,060 --> 00:02:21,180 قرينة على أنها عرفت قبل ذلك 51 00:02:21,180 --> 00:02:22,919 أنه يتكلم 52 00:02:22,919 --> 00:02:24,879 على سبيل خرق العادة 53 00:02:24,879 --> 00:02:28,240 لندائه لها عندما وضعت 54 00:02:28,240 --> 00:02:30,800 وذهب آخرون من العلماء 55 00:02:30,800 --> 00:02:35,139 إلى أن الذي ناداها هو جبريل عليه السلام 56 00:02:35,139 --> 00:02:38,039 وأياً كان الصواب من القولين 57 00:02:38,039 --> 00:02:42,180 فالعبرة من الحدث هي مرادنا من القصة 58 00:02:42,180 --> 00:02:46,479 فالذي ناداها من تحتها نهاها عن الحزن 59 00:02:46,479 --> 00:02:47,639 والحزن 60 00:02:47,639 --> 00:02:51,139 عبارة عما يحصل لوقوع مكروه 61 00:02:51,139 --> 00:02:54,270 أو فوات محبوب في الماضي 62 00:02:54,270 --> 00:02:57,189 وحزن مريم من النوع الأول 63 00:02:57,189 --> 00:02:59,870 وهو خوفها مما سيقال عنها 64 00:02:59,870 --> 00:03:01,629 عندما تلقى قومها 65 00:03:01,629 --> 00:03:04,259 وهي تحمل وليدها 66 00:03:04,259 --> 00:03:05,539 ولكن 67 00:03:05,539 --> 00:03:08,099 لماذا نهاها عن الحزن 68 00:03:08,099 --> 00:03:11,250 وهل تملك ألا تحزن 69 00:03:11,250 --> 00:03:15,949 إن الوضع النفسي الذي كانت تمر به مريم عليه السلام 70 00:03:15,949 --> 00:03:18,389 لم يكن أمراً هينا 71 00:03:18,389 --> 00:03:21,389 ومع ذلك نهاها عن الحزن 72 00:03:21,389 --> 00:03:27,550 مما يعني أن المرأة تستطيع أن تتجاوز الأحزان التي تعتريها 73 00:03:27,550 --> 00:03:31,490 بسبب ما تمر به في الحياة من آلام 74 00:03:31,490 --> 00:03:36,710 لأنه لو لم يكن لديها القدرة على تجاوز مرحلة الحزن 75 00:03:36,710 --> 00:03:38,919 لما أمرها به 76 00:03:38,919 --> 00:03:42,860 مع أن الحزن أمر طبيعي يحصل في النفس 77 00:03:42,860 --> 00:03:45,580 ولكن يمكن معالجته 78 00:03:45,580 --> 00:03:48,840 قال محمد رشيد رضا رحمه الله 79 00:03:48,840 --> 00:03:50,219 فإن قيل 80 00:03:50,219 --> 00:03:55,819 إن الحزن ألم طبيعي يعرض للإنسان عند فوت ما يحبه 81 00:03:55,819 --> 00:03:58,219 وليس أمراً اختياريا 82 00:03:58,219 --> 00:04:01,219 فكيف نهى الله تعالى عنه 83 00:04:01,219 --> 00:04:02,520 قلنا 84 00:04:02,520 --> 00:04:04,520 إن النهي عن الحزن 85 00:04:04,520 --> 00:04:10,919 يراد به النهي عن لوازمه التي يفعلها كثير من الناس مختارين 86 00:04:10,919 --> 00:04:14,120 فتكون محركة لذلك الألم 87 00:04:14,120 --> 00:04:18,620 ومجددة له ومبعدة أمد السلوى 88 00:04:18,620 --> 00:04:23,220 والأمر بضدها من تكلف الأعمال التي تشغل النفس 89 00:04:23,220 --> 00:04:27,819 وتصرفها عن التذكر والتفكر فيما حزنت لأجله 90 00:04:27,819 --> 00:04:31,620 احتساباً ورضاءاً من الله تعالى 91 00:04:31,620 --> 00:04:35,420 وهذه الأفعال تكون بدنية نفسية 92 00:04:35,420 --> 00:04:37,920 وتكون نفسية فقط 93 00:04:37,920 --> 00:04:40,670 أو بدنية فقط 94 00:04:40,670 --> 00:04:42,569 فالركون إلى الحزن 95 00:04:42,569 --> 00:04:48,370 قد يؤدي إلى أمور أخرى فيها تجاوز لحدود الله عز وجل 96 00:04:48,370 --> 00:04:51,069 وقعود عن العمل الصالح 97 00:04:51,069 --> 00:04:56,170 وانشغال الفكر بتوقعات سيئة تسيطر على القلب 98 00:04:56,170 --> 00:04:58,170 وتزيد في الحزن 99 00:04:58,170 --> 00:05:05,870 وهذا يؤدي إلى توقف التفكير في المخرج من الألم الذي تعيشه المرأة الحزينة 100 00:05:05,870 --> 00:05:09,470 ولذلك لم تأتي الشريعة بمدح الحزن 101 00:05:09,470 --> 00:05:11,670 بل جاءت بالنهي عنه 102 00:05:11,670 --> 00:05:18,970 عمراعات الشريعة للطبيعة البشرية في تأثرها بآلامها وأحزانها 103 00:05:18,970 --> 00:05:25,370 فأوجيز للمرأة أن تحد على الميت من أقاربها ثلاثة أيام فقط 104 00:05:25,370 --> 00:05:28,970 لترجع بعدها إلى حياتها الطبيعية 105 00:05:28,970 --> 00:05:32,569 وتمارس ما هو مطلوب منها شرعاً 106 00:05:32,569 --> 00:05:37,819 وتفريغ القلب من الحزن المشل للعمل الصالح 107 00:05:37,819 --> 00:05:41,620 وكثير من الأحزان التي تبتلى بها المرأة 108 00:05:41,620 --> 00:05:46,720 يمكن أن تتجاوزها بالنظر إلى الجوانب المشرقة من حولها 109 00:05:46,720 --> 00:05:49,680 مما وهبها الله لها 110 00:05:49,680 --> 00:05:51,579 قال تعالى 111 00:05:51,579 --> 00:05:55,680 فناداها من تحتها ألا تحزني 112 00:05:55,680 --> 00:05:59,439 قد جعل ربك تحتك سريا 113 00:05:59,439 --> 00:06:03,839 إن الذي ناداها من تحتها ونهاها عن الحزن 114 00:06:03,839 --> 00:06:07,639 لفت انتباهها إلى نعم الله عليها 115 00:06:07,639 --> 00:06:09,240 فقال لها 116 00:06:09,240 --> 00:06:12,639 قد جعل ربك تحتك سريا 117 00:06:12,639 --> 00:06:15,839 قال طاهر بن عاشور رحمه الله 118 00:06:15,839 --> 00:06:21,139 أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن 119 00:06:21,139 --> 00:06:24,899 لما فيها من الكرامة الإلهية 120 00:06:24,899 --> 00:06:28,399 ومن هذه الكرامة الإلهية لمريم 121 00:06:28,399 --> 00:06:32,199 هذا النهر الذي يجري بين يديها 122 00:06:32,199 --> 00:06:35,170 قال الشنقيقي رحمه الله 123 00:06:35,170 --> 00:06:37,569 أظهر القولين عندي 124 00:06:37,569 --> 00:06:41,370 أن السري في الآية النهر الصغير 125 00:06:41,370 --> 00:06:44,170 والدليل على ذلك أمران 126 00:06:44,170 --> 00:06:48,170 أحدهما القرينة من القرآن 127 00:06:48,170 --> 00:06:50,170 فقوله تعالى 128 00:06:50,170 --> 00:06:51,970 فكلي واشربي 129 00:06:51,970 --> 00:06:55,769 قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب 130 00:06:55,769 --> 00:06:59,370 هو ما تقدم الامتنان به في قوله 131 00:06:59,370 --> 00:07:02,670 قد جعل ربك تحتك سريا 132 00:07:02,670 --> 00:07:07,569 وقوله تساقط عليك رطبا جنيا 133 00:07:07,569 --> 00:07:10,269 وكذلك قوله تعالى 134 00:07:10,269 --> 00:07:15,970 وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين 135 00:07:15,970 --> 00:07:18,769 لأن المعين الماء الجاري 136 00:07:18,769 --> 00:07:22,470 والظاهر أنه الجدول المعبر عنه بالسري 137 00:07:22,470 --> 00:07:24,269 في هذه الآية 138 00:07:24,269 --> 00:07:27,290 والله تعالى أعلم 139 00:07:27,290 --> 00:07:29,189 وفي هذه اللفتة 140 00:07:29,189 --> 00:07:33,189 إيماءة إلى كل امرأة تصاب بالحزن 141 00:07:33,189 --> 00:07:36,790 أن تلتفت إلى نعم الله التي تحف بها 142 00:07:36,790 --> 00:07:40,189 في نفس المصيبة التي أحزنتها 143 00:07:40,189 --> 00:07:43,189 فكثير مننا لا يلتفت إلى البياض 144 00:07:43,189 --> 00:07:46,180 في السواد الذي يحل به 145 00:07:46,180 --> 00:07:49,379 إن الإشارة ابتداءً إلى وجود الماء 146 00:07:49,379 --> 00:07:51,779 حول مريم عليه السلام 147 00:07:51,779 --> 00:07:53,879 بل بين يديها 148 00:07:53,879 --> 00:07:57,379 إشارة إلى أهمية الماء لها 149 00:07:57,379 --> 00:08:02,209 وأن هذه الأهمية غير قاصرة على الشرب منه 150 00:08:02,209 --> 00:08:04,410 فحاجة الناس إلى الماء 151 00:08:04,410 --> 00:08:08,410 أكبر بكثير من حاجتهم إلى الطعام 152 00:08:08,410 --> 00:08:12,310 وخاصة في مثل وضع مريم عليه السلام 153 00:08:12,310 --> 00:08:15,509 فهي في حالة نفاس من ولادة 154 00:08:15,509 --> 00:08:19,610 تحتاج إلى تنظيف نفسها بالماء باستمرار 155 00:08:19,610 --> 00:08:24,310 وهي تحتاج كذلك إلى تنظيف وليدها بالماء 156 00:08:24,310 --> 00:08:28,610 كما تحتاج إليه لشربها وإرواء ضمائها 157 00:08:28,610 --> 00:08:33,509 والتبريد على نفسها وعلى وليدها من حر الشمس 158 00:08:33,509 --> 00:08:37,110 وغيرها من حاجات الناس للماء 159 00:08:37,110 --> 00:08:41,509 وليست هذه هي النعمة الوحيدة التي أشار إليها 160 00:08:41,509 --> 00:08:44,009 من ناداها من تحتها 161 00:08:44,009 --> 00:08:46,710 وإنما بدأ بأهمها 162 00:08:46,710 --> 00:08:50,169 ثم أعقبها بنعم أخرى 163 00:08:50,169 --> 00:08:53,970 نكمل في لقاء قادم إن شاء الله 164 00:08:53,970 --> 00:08:56,970 والحمد لله رب العالمين