بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ لا تحزني يا مريم إن عناية الله بمريم لم تتوقف عند اختيار مكان الولادة بل كانت تحيط بها من كل جانب فلما قالت مريم يا ليتني مدت قبل هذا وكنت نسيا منسيا أنطق الله من نواسيها فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا قال ابن جرير نطبري رحمه الله وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال الذي ناداها ابنها عيسى وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه وقال الشنقيقي رحمه الله أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى وتدل على ذلك قرينتان الأولى أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه وأقرب مذكور في الآية هو عيسى لا جبريل لأن الله قال فحملت يعني عيسى فانتبذت به أي بعيسى ثم قال بعده فناداها فالذي يظهر ويتبادر من السياق أنه عيسى والقرينة الثانية أنها لما جاءت به قومها تحمله وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه كما قال تعالى عنها فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعت وذهب آخرون من العلماء إلى أن الذي ناداها هو جبريل عليه السلام وأياً كان الصواب من القولين فالعبرة من الحدث هي مرادنا من القصة فالذي ناداها من تحتها نهاها عن الحزن والحزن عبارة عما يحصل لوقوع مكروه أو فوات محبوب في الماضي وحزن مريم من النوع الأول وهو خوفها مما سيقال عنها عندما تلقى قومها وهي تحمل وليدها ولكن لماذا نهاها عن الحزن وهل تملك ألا تحزن إن الوضع النفسي الذي كانت تمر به مريم عليه السلام لم يكن أمراً هينا ومع ذلك نهاها عن الحزن مما يعني أن المرأة تستطيع أن تتجاوز الأحزان التي تعتريها بسبب ما تمر به في الحياة من آلام لأنه لو لم يكن لديها القدرة على تجاوز مرحلة الحزن لما أمرها به مع أن الحزن أمر طبيعي يحصل في النفس ولكن يمكن معالجته قال محمد رشيد رضا رحمه الله فإن قيل إن الحزن ألم طبيعي يعرض للإنسان عند فوت ما يحبه وليس أمراً اختياريا فكيف نهى الله تعالى عنه قلنا إن النهي عن الحزن يراد به النهي عن لوازمه التي يفعلها كثير من الناس مختارين فتكون محركة لذلك الألم ومجددة له ومبعدة أمد السلوى والأمر بضدها من تكلف الأعمال التي تشغل النفس وتصرفها عن التذكر والتفكر فيما حزنت لأجله احتساباً ورضاءاً من الله تعالى وهذه الأفعال تكون بدنية نفسية وتكون نفسية فقط أو بدنية فقط فالركون إلى الحزن قد يؤدي إلى أمور أخرى فيها تجاوز لحدود الله عز وجل وقعود عن العمل الصالح وانشغال الفكر بتوقعات سيئة تسيطر على القلب وتزيد في الحزن وهذا يؤدي إلى توقف التفكير في المخرج من الألم الذي تعيشه المرأة الحزينة ولذلك لم تأتي الشريعة بمدح الحزن بل جاءت بالنهي عنه عمراعات الشريعة للطبيعة البشرية في تأثرها بآلامها وأحزانها فأوجيز للمرأة أن تحد على الميت من أقاربها ثلاثة أيام فقط لترجع بعدها إلى حياتها الطبيعية وتمارس ما هو مطلوب منها شرعاً وتفريغ القلب من الحزن المشل للعمل الصالح وكثير من الأحزان التي تبتلى بها المرأة يمكن أن تتجاوزها بالنظر إلى الجوانب المشرقة من حولها مما وهبها الله لها قال تعالى فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا إن الذي ناداها من تحتها ونهاها عن الحزن لفت انتباهها إلى نعم الله عليها فقال لها قد جعل ربك تحتك سريا قال طاهر بن عاشور رحمه الله أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية ومن هذه الكرامة الإلهية لمريم هذا النهر الذي يجري بين يديها قال الشنقيقي رحمه الله أظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر الصغير والدليل على ذلك أمران أحدهما القرينة من القرآن فقوله تعالى فكلي واشربي قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله قد جعل ربك تحتك سريا وقوله تساقط عليك رطبا جنيا وكذلك قوله تعالى وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين لأن المعين الماء الجاري والظاهر أنه الجدول المعبر عنه بالسري في هذه الآية والله تعالى أعلم وفي هذه اللفتة إيماءة إلى كل امرأة تصاب بالحزن أن تلتفت إلى نعم الله التي تحف بها في نفس المصيبة التي أحزنتها فكثير مننا لا يلتفت إلى البياض في السواد الذي يحل به إن الإشارة ابتداءً إلى وجود الماء حول مريم عليه السلام بل بين يديها إشارة إلى أهمية الماء لها وأن هذه الأهمية غير قاصرة على الشرب منه فحاجة الناس إلى الماء أكبر بكثير من حاجتهم إلى الطعام وخاصة في مثل وضع مريم عليه السلام فهي في حالة نفاس من ولادة تحتاج إلى تنظيف نفسها بالماء باستمرار وهي تحتاج كذلك إلى تنظيف وليدها بالماء كما تحتاج إليه لشربها وإرواء ضمائها والتبريد على نفسها وعلى وليدها من حر الشمس وغيرها من حاجات الناس للماء وليست هذه هي النعمة الوحيدة التي أشار إليها من ناداها من تحتها وإنما بدأ بأهمها ثم أعقبها بنعم أخرى نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين