نسيم السحر ما عند الله عوض عن كل مفقود اجتماع الشمل مع الأحباب نعمة عظيمة ولذة كبيرة يشعر المرء معهم بالأنس والراحة والأمن والقوة يرى في ابتساماتهم وسعادتهم خيوط حياة تتسلل إلى النفس فتنسج من والى العمر من جديد انهتكته رسل الأحزان ومزقته قيود الآلام لكن شأن الدنيا لا يدوم فإلى الفناء مآله وعلى التقل بحاله فبينى يعيش الإنسان فريحا من يحب إذ يهجم الموت فيستوفي نفوسا حان أجلها وحينئذ يعم الحزن محبيها فتسيل الدموع يذهب الهجوع وتستعر المواجع وتحل الفواجع فكم من ولد رحل عنه أبوه أو أمه أو كلاهما وكم من زوج فارقه زوجه وكم من أب أو أم ذهب عنه ابنه أو ابنته وكم إنسان مات عنه أخوه أو صديقه فالتهبت النفوس من لوعة الفراق واتقدت من حرارة الاشتياق ولكن لو فكر الإنسان حين يفجع بقريب أو حبيب ونصر عقله على عاطفته لعلم أن امتداد الحزن لا يجدي شيئا فالموت نهاية كل حي صغيرا وكبيرا وليس له وقت محدد وحال معلومة لا يأتي إلا فيها قال تعالى كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون الموت حق على الدنيا وساكنها وكل حي ولو طالت سيجرعه فما البقاء لحي غير خالقنا وكل شيء إلى الخلاق مرجعه مات ابن لعمر بن عبد العزيز فكتب إليه بعض إخوانه يعزيه عنه فكتب إليه عمر أما بعد فإن هذا أمر كنا نعرفه فلما وقع لم ننكره والسلام ومهما طال عمر الإنسان أو قصر فلا بد من الموت فلم يشتد الحزن على أمر لا بد منه العمر يرقبه الغروب فيغرب ويجوزه نعش الأصيل فيركب وتسير أنفاس الحياة كأنها طيف يمر على الزمان ويذهب وتصفق الدنيا لزائرها ولم يدر النزيل متى يروح ويندب كم غرنا طول السنين وقيبها والموت يزحف للنفوس ويقرب ولا خير للمؤمن عند الله حال المصيبة بموت محبوب إلا بالرضى والصبر ففي ذلك عوض وسلوة إذ كم له من الأجور عند ربه ومن ثنائه عليه فمن تأمل في ذلك هان عليه مصابه قال تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون كتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه أما بعد فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة فإذا قدمه فصلات ورحمة فلا تحزن على ما فاتك من حزنه وفتنته لا تضيع ما عوضك الله تعالى من صلاته ورحمته وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى ما لعبد المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة فيا أيها المصاب بموت حبيب أو قريب لا تجزع ولا تكثر من الحزن ولا تعترض على الله في قدره بل ارضى بفعله واصبر على ما نزل بك من قضائه وعلم أن ما عند الله من الثواب على حسن استقبال الملمة واحتساب حلولها خير من الدنيا وأهلها وعلم كذلك أن حزنك الشديدة لن يرد ما فقدت ولن ينفع من فارقت فلا تضف إلى مصيبتك بحبيبك المفارق خسران ثواب الخالق مات أخ لبعض الملوك فعزاه بعض العرب فقال اعلم أن الخلق للخالق والشكر للمنعم والتسليم للقادر لا بد مما هو كائن وقد جاء ما لا يرد ولا سبيل إلى رجوع ما قد فات وقد أقام معك ما سيذهب عنك أو ستتركه فما الجزع مما لا بد منه وما الطمع فيما لا يرجى وما الحيلة فيما سينقل عنك أو تنقل عنه وقد مضت لنا أصول نحن فروعها فما بقاء الفرع بعد أصله فأفضل الأشياء عند المصائب الصبر وإنما أهل هذه الدنيا سفر لا يحلون الركاب إلا في غيرها فما أحسن الشكر عند النعم والتسليم عند الغير واعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع فإن رأيت الجزع رد أحدا منهم إلى ثقة من درك فما أولاك به واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها والأفق والمرجع قريب نسيم السحر في السعاد البشر