بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ كُنُوزُ السِّيرَةِ بَعْثُ الرَّجِيعِ في السنة الرابعة من الهجرة قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم قومٌ من عضلٍ وقارةً وذكروا أن فيهم إسلامًا وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن فبعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم عشرةً من أصحابه وأمر عليهم عاصم بن ثابت وقيل أمر مرثد بن أبي مرثد فلما وصلوا إلى مكان يقال له الرجيع استصرخوا عليهم حياً من هذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريبٍ من مائة رامٍ من بني لحيان فلحقوهم وأحاطوا بهم ثم لجأوا إلى مكانٍ يصدهم عن الأعداء فقال لهم أعداؤهم لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً فأبا عاصمٌ أن ينزل وقاتلهم مع أصحابه فقطل منهم سبعة وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ورجلٌ آخر فأعطوهم العهد والميثاق فنزلوا إليهم لأنهم أكثر من مئة مقابل خمسة وليس معهم سلاح ولكنهم غدروا بهم وربطوا اثنين بأوتار قسيهم فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر صالحتمون ثم تربطوننا فأبا أن يستسلم لهم وقاتلهم حتى قتل وأخذو خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فباعوهما بمكة وكانا قتلا من رؤوسهم يوم بدر فأما خبيب فمكث عندهم مسجونا ووقعت له حادثتان الحادثة الأولى أنهم كانوا يجدون عنده الطعام ولم يعطيه أحد شيئا وإنما هي كرامة من الله سبحانه وتعالى الحادثة الثانية أنه طلب الموسى حتى يحلق الشعر الذي في جسده فأرسلت المرأة التي هو في بيتها الموسى مع ولدها فلما أتاه الولد بالموسى تذكرت المرأة كيف ترسل الموسى مع ولدها وهذا الرجل مقتول وقد يقتل ولدها مقابل نفسه لينتقم فجاءت مسرعة فلما رأى خبيب المرأة وهلعها والولد عنده والموسى معه قال لها أخشيت أن أقتله وتركه ولم يؤذه ثم أخذ خبيب رضي الله عنه إلى التنعيم خارج مكة أي إلى الحل لأنهم كانوا يستحرمون القتل داخل الحرم وهنا يستحلون الغدر فتحريمهم وتحليلهم هوا وليس اتباع دين فلما أجمعوا على صلبه قال دعوني حتى أركع ركعتين فتركوه فصلاهما فلما قضا قال والله لولا أن تقولوا إنما بي جزع لزد فصلا صلاة قصيرة وهي ركعتان وقال أهل العلم سنة القتل ركعتان سنها خبيب رضي الله عنه ثم قال خبيب اللهم أحصهم عددا وقتلهم بددا ولا تبقي منهم أحدا ثم قال أبياتا من الشعر لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعي وقد قربوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنعي إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي فذى العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد بؤس مطمعي وقد خيرون الكفر والموت دونه فقد ذرفت عيناي من غير مدمعي ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزعي فالتفت إليه أبو سفيان وقال له يا خبيب أيسرك أن محمدا عندنا تضرب عنقه وأنك في أهلك فماذا كان جواب المؤمن المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدا صلى الله عليه وسلم في مكانه الذي هو فيه يصاب بشوكة تؤذيه ثم صلبوه رضي الله عنه ووكلوا به من يحرس جثته فجاء عمر بن أمية الضمري فاحتمله بالليل خديعة دون أن يراه أحد فذهب به ودفنه ويقال إن الذي باشر قتل خبيب بن عدي هو عقبة بن الحارث قال معاوية رضي الله عنه كنت في من حضر قتل خبيب فلقد رأيت أبا سفيان يلقيني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فالطجع زلت عنه الدعوة فكانوا يعتقدون أنه مظلوم وأن دعوته حق وكان كذلك ومن من حضر قتل خبيب بن عدي سعيد بن عامر وله معه قصة وذلك أن عمر في خلافته قد جعله واليا على الشام فسأل عمر رضي الله عنه الناس في الشام وقال كيف حال واليكم فقالوا لا ننقم عليه إلا ثلاثة أشياء قال عمر وما هي قالوا في يوم من الأسبوع لا يخرج إلينا والثانية أنه لا يخرج إلينا في الليل والثالثة أحيانا وهو جالس معنا تصيبه غشية ويقع فناداه عمر فقال يا سعيد ما هذا الذي يحدث الناس قال وماذاك يا أمير المؤمنين قال يقولون إنك في يوم من الأسبوع لا تخرج إليهم قال يا أمير المؤمنين هذا اليوم أغسل فيه ثوبي وليس عندي ثوب غيره هل أخرج لهم بدون ثوب فإني أبقى حتى يجف الثوب ثم أخرج إليهم قال إنهم يقولون إنك لا تخرج إليهم في الليل قال يا أمير المؤمنين النهار لهم والليل لربي قال وما هذه الغشية التي تصيبك فبكى وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقتله أغمي علي من الخوف من الله تبارك وتعالى هذا حال خبيب وأما عاصم بن ثابت رضي الله عنه فإنهم تنعى عن النزول إليهم ولم يستسلم فقاتلهم حتى قتلوه ولكن البغض والحقد الذي في قلوب المشركين عظيم وتمثل في أن قريشا بعثت من يأتي لهم بجسد عاصم حتى يتأكدوا أن عاصما قد قتل وتشفى قلوبها من الغل الذي فيها فبعث الله تبارك وتعالى مثل الظلة من الدبر فلم يستطيعوا أن يصلوا إليه وكان عاصم قد أعطى الله تبارك وتعالى عهدا ألا يمس مشركة ولا يمسه مشرك وذلك لبغضه للمشركين فوفاه الله تبارك وتعالى عهده حتى بعد موته ولذلك لما قيل لعمر ذلك قال يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته قدم أبو البراء عامر بن مالك ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأظهر لنا وأظهر نوع استجابة للنبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يسلم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو البراء أنا جار لهم فبعث النبي صلى الله عليه وسلم معه سبعين رجلا وأمر عليهم المنذر بن عمر أحد بني ساعدة وكان هؤلاء السبعون من خيار المسلمين ذهبوا ينشرون دين الله تبارك وتعالى في أهل نجد فساروا يتدارسون القرآن ويصلون بالليل حتى نزلوا مكانا يقال له بئر معونة ثم بعثوا حرام ابن ملحان قال أنس بن مالك رضي الله عنه بكتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر ابن الطفيل فقال له هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بالكتاب قبل أن يقرأه ثم أمر رجلا فطعن حرام ابن ملحان بظهره رضي الله عنه فلما نفذ الرمح في ظهره قال الله أكبر فزت ورب الكعبة هكذا يرون أن هذا نصر وفوز لأنه نال الشهادة في سبيل الله ثم قام عامر ابن الطفيل واستنفر الناس وقال القتال القتال فامتنع عنه كثير من الناس لجوار ابن البراء ملاعب الأسنة لأنه قال إنهم في جواري ولكن هذا الخبيث عامر ابن الطفيل رد جوار ابن البراء وصار يستنفر الناس ويقول قوموا نقتلهم فرصة مهيئة وغنيمة باردة وقام معه رجال من عصية ورعل وذكوان وهي قبائل عربية فجاءوا وأحاطوا بأصحاب رسول الله عليه وسلم فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم فلم ينجوا منهم إلا ثلاثة كعب ابن زيد سقط مع القتل ولكنه لم يمت وبقيت فيه الروح فتركوه ومشو ضنا منهم أنه مات ثم هرب رضي الله عنه وعمر ابن أمية الضمري والمنذر ابن عقبة وهما كانا بعيدين عن القتال لأنهما كانا مع خيل المسلمين فلم يكونا معهم ولكنهما رأى الطير تحوم من بعيد فلما اقترب وجد المشركين قد قتلوا أصحابهم فقام المنذر وصار يقاتل المشركين فقتلوه رضي الله عنه وأما عمر ابن أمية فأسر ثم تركه عامر ابن الطفيل لأن على أمه عتق رقبة فهذه رقبة أعتقها فرجع عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بهذه النكبة وبقتل هؤلاء السبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة وجوب التثبت وفي الطريق وقعت حاجثة لعمر ابن أمية رضي الله عنه وذلك أنه نزل في ظل شجرة فجاءه رجلان من بني كلاب فنزلا معه فلما ناما أخذ السيف وقتلهما كان يظن أنهما ممن شارك في قتل أصحابه رضي الله عنه فلما قتلهما وجد معهما كتابا فيه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لأدينهما وانشغل بجمع ديتيهما صلى الله عليه وسلم فجمع من أصحابه وطلب من بني النظير وذلك أن في صلب المعاهدة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يشاركون في الديات فكانت بعد ذلك سببا لغزوة بني النظير ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم تألم جدا لهذه المأساة والتي قبلها الرجيع وصار يدعو على أولئك القوم في الصلاة شهرا كاملا يقنط ويدعو عليهم اللهم عليك برعل وذكوان وعصية فإنها عصت ربها وكان يلعنهم صلى الله عليه وسلم في صلاته حتى أنزل الله تبارك وتعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون فترك النبي صلى الله عليه وسلم القنوط عليهم وذكر عن القتلى أنهم قالوا بلغوا قومنا أن نلقينا ربنا فرضي عننا ورضينا عنه وترك الدعاء على المشركين كنوز السيرة غزوة بن النضير اليهود وإن كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم صلح ومعاهدات إلا أنهم كما هو معلوم أهل غدر وكما ذكرنا من غدر بني قينقاع الآن نذكر غدر بن النضير وبعدهم نذكر غدر بني قريضة حتى يعلم أنهم من عادتهم الغدر خرج النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه إلى اليهود وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهما عمر بن أمية فقالوا نفعل يا أبى القاسم اجلسها هنا حتى نقضي حاجتك فجلس صلى الله عليه وسلم إلى جانب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم ومعه بعض أصحابه منهم أبو بكر وعمر فاجتمع اليهود وقالوا اقتلوه هذه فرصتكم فاتفقوا على أن يصعد أحدهم إلى أعلى البيت القريب من الرسول صلى الله عليه وسلم ويلقي عليه حجرا فيقتله فقام رجل يقال له عمر بن جحاش فقال أنا أفعلها فقال سلام بن مشكم فوالله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه فقالوا دعنا عنك فنزل جبريل من عند رب العالمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلمه بما هموا به فقام صلى الله عليه وسلم مسرعا من مكانه وذهب إلى المدينة ولحقه أصحابه وقالوا له يا رسول الله نهضت بدون أن تعلمنا السبب فأخبرهم أن اليهود قد عزموا على قتله صلى الله عليه وسلم فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم أخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشرا أي عشرة أيام فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه ولم يجد اليهود مناصا من الخروج فقاموا أياما يتجهزون للرحيل ولكن عبدالله بن أبي بن سلول بعث إليهم وقال أثبتوا وتمنعوا ولا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريضة وينصركم حلفاؤكم من غطفان فلماذا تخافون من محمد أثبتوا فأعاد إليهم ثقتهم بأنفسهم لن نخرج فاصنع ما شئت فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم جواب سيدهم حيي بن أحطب كبر صلى الله عليه وسلم وكبر أصحابه ثم نهض صلوات الله وسلامه عليه لمناجزة القوم وجعل على المدينة عبدالله بن أم مكتوم وجعل اللواء مع علي بن أبي طالب ثم أمر بقطع النخيل فقالوا محمد يفسد في الأرض فقال الله تبارك وتعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله فلما رأوا حصار النبي صلى الله عليه وسلم اعتزلتهم قريضة وقالوا لا شأن لنا واعتزلهم عبدالله بن أبي بن سلول وخانتهم غطفان وظلوا وحدهم قال الله تبارك وتعالى اللهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآفرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين قال عبدالله بن عباس إن سورة الحشر نزلت فيهم وفيها قصة عبدالله بن أبي بن سلول ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لأن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لإن أخرجوا لا يخرجون معهم ولإن قوتلوا لا ينصرونهم ولإن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون فامتنعوا عن نصرهم وخذلوهم وخذلتهم غطفان فقال الله تبارك وتعالى إذ قال للإنسان كفر فلما كفر قال إني بريئ منك قال إني بريئ منك إني أخاف الله رب العالمين ولم يطل الحصار فقط ست ليل وقيل أكثر من ذلك فقدف الله تبارك وتعالى في قلوبهم الرعب فقالوا يا محمد نخرج من المدينة بشرط أن يخرج معنا ذرارينا وما حملت إبلنا من السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إلا السلاح لكم ما حملت الإبل إلا السلاح فنزلوا على رأي النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يخربون بيوتهم حتى لا يسكنها المسلمون وأخذ بعضهم الشبابيك والأوتاد وغيرها معهم وحملوا النساء والصبيان على ست مائة بعير ورحل أكثرهم كحيي وسلام ابن أبي الحقيق إلى خيبر وقبض النبي صلى الله عليه وسلم سلاحهم واستولى على أرضهم فوجد من السلاح خمسين درعة و أربعين سيفة كنوز السيرة