بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَعَالِمُ فِي طَرِيقِ الثَّبَاتِ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ ومن أعظم وسائل الثَّبَات التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ ولا سيَّما في وقت الشَّدائد فقد وصف الله حال النبي صلى الله عليه وسلم والذين معه فقال الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل والتَّوَكُل هو الاعتماد على الله والثقة به في تحقيق المطلوب مع اتخاذ الأسباب الشرعية ولأهميته جُعل شرطا للإيمان كما قال الله تعالى وعلى الله فتوَكَّلوا إن كنتم مؤمنين وقال وعلى الله فليتوَكَّل المؤمنون وجُعل جزاؤه الكفاية كما قال تعالى ومن يتوَكَّل على الله فهو حسبه قال ابن القيم في مدارج السالكين التَّوَكُل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتَّوَكُل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التَّوَكُل وكثرة حوائج العالمين وعموم التوَكُل ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم فأهل السماوات والأرض المكلفون وغيرهم في مقام التوَكُل وإن تباين متعلق توَكُلهم فأولياؤه وخاصته يتوَكَّلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره ودون هؤلاء من يتوَكَّل عليه في استقامته في نفسه وحفظ حاله مع الله فارغا عن الناس ودون هؤلاء من يتوَكَّل عليه في معلوم يناله منه من رزق أو عافية أو نصر على عدو أو زوجة أو ولد ونحو ذلك ودون هؤلاء من يتوَكَّل عليه في حصول الإثم والفواحش فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبا إلا باستعانتهم بالله وتوَكُلهم عليه بل قد يكون توَكُلهم أقوى من أصحاب الطاعات ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم ويُغفرهم بمطالبهم فأفضل التوَكُل التوَكُل في الواجب أعني واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس وأوسعه وأنفعه التوَكُل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية أو في دفع مفسدة دينية وهو توَكُل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض وهذا توَكُل ورثتهم ثم الناس بعد في التوَكُل على حسبهم مهم ومقاصدهم فمن متوَكِل على الله في حصول الملك ومن متوَكِل في حصول رغيف ومن صدق توَكُله على الله في حصول شيء ناله فإن كان محبوبا له مرضيا كانت له فيه العاقبة المحمودة وإن كان مسخوطا مبغوضا كان ما حصل له بتوَكُله مضرةا عليه وإن كان مباحا حصلت له مصلحة التوَكُل دون مصلحة ما توَكَل فيه إن لم يستعن به على طاعاته معالم في طريق الثبات