بسم الله الرحمن الرحيم معالم في طريق الثبات ذكر الله ومن وسائل الثبات كثرة ذكر الله سبحانه فقد أمر الله بالذكر الكثير فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا ذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وفي مقام القتال أمر الله بالذكر الكثير فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون والذكر حصن المسلم من الشيطان فعن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله تبارك وتعالى أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات الحديث ومن هذه الكلمات قال وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين يحرز نفسه منهم وكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله قال ابن القيم في الوابل الصيب فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد ألا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى وألا يزال لهجا بذكره فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب ولهذا سمي الوسواس القناس أي يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله ذكر الله تعالى خنس أي كف وانقبض قال ابن عباس الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سهى وغفلا وسوس فإذا ذكر الله تعالى خنس وفي صحيح البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه يقول إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه وهذا الحديث هو فصل الخطاب والتفصيل بين الذاكر والمجاهد فإن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد والمجاهد الغافل والذاكرة بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله تعالى فأفضل الذاكرين المجاهدون وأفضل المجاهدين الذاكرون قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معا ليكونوا على رجاء على رجاء من الفلاح وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا ذكروا الله ذكرا كثيرا وقال تعالى والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أي كثيرا وقال تعالى فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ففيه الأمر بالذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين فأي لحظة قلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه لا له وكان خسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله ولا ريب أن القلب يصدأ بالفضة وغيرهما وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء فإذا ترك الذكر صدئ فإذا ذكر جلاه وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه وصدأه بحسب غفلته وإذا صدأ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه فإذا تراكم عليه الصدأ وركبه الران فسد تصوره وإدراكه فلا يقبل حقا ولا ينكر باطلا وهذا أعظم عقوبات القلب وأصل ذلك من الغفلة والتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصرا قال تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فعى هوى وكان أمره فرطا فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من الغافرين وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة وأمره فرط لم يقتدي به ولم يتبع ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به وبه رشده وفلاحه ضائع قد فرط فيه وفسر بالإسراف أي قد أفرط وفسر بالإهلاك وفسر بالخلاف للحق وكلها أقوال متقاربة والمقصود أن الله سبحانه وتعالى نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه فإن وجده كذلك فليبعد عنه وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل واتباع السنة وأمره غير مفروط عليه بل هو حازم في أمره ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت معالم في طريق الثبات