بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله المقداد بن عمر رضي الله عنه أصاب عمر بن ثعلبة دما في قومه فكان لابد له من أن يغادر مواطن قبيلته بهرا أو يعرض نفسه للثأر فآثر الأولى على الثانية وولى هاربا إلى حضر موت واتخذ لنفسه فيها مقاما ثم ما لبث أن تزوج من أهل حضر موت وورد له صبي دعاه المقداد ورث المقداد عن أبيه جل صفاته الخلقية والخلقية فكان طويلا بائن الطول أسمر شديد السمرة حتى ليصح أن ينعت بأنه أسود جسيما يملأ وعين رائيه مهابة وروعة وكان إلى ذلك شديد الشكيمة قوية العزيمة ممتلئا حمية ومروعة وحدة وفي ذات يوم اختصم المقداد بن عمر مع سيد من سادات القوم في حضر موت هو أبو شمر بن حجر فندت من الشيخ الحضرمي كلمة قاسية جرحت كبرياء الفتى وأثارت حفيظته فامتشق حسامه وأهوى به على الشيخ الحضرمي فبتر ساقه عند ذلك وجد المقداد أن عليه أن يجلو عن حضر موت كما جلأ أبوه من قبله عن ديار قبيلته بهراء فولا وجهه شطر مكة أدرك المقداد بن عمر منذ وطئات أقدامه مكة أنه ليس في وسع أحد أن يعيش في هذا المجتمع القرشي آمنا مطمئنا إلا إذا كانت له قبيلة تحميه أو عصبية تمنعه أما الغرباء أمثاله فما عليهم إلا أن يختاروا بين اثنتين فإما أن يحالفوا سيدا من سادات القوم فيعيشوا في كنفه ويأمنوا في حماة وأما أن يعرضوا أنفسهم للذلة والمهانة فحالف سيدا من سادات قريش هو الأسود بن عبد يغوث الزهري لكن الأسود بن عبد يغوث ما لبث أن رأى في الفتى الحضرمي من سمات الرجولة وشمائل المروأ وخصائل الشجاعة والنجدة ما ملأ قلبه حبا له فأخذه من يده ومضى به إلى مجالس قريش عند الكعبة فلما وقف عليهم أعلن تبنيه له وقال اشهدوا يا معشر قريش أن هذا ابني أرثه ويرثني فأطلق عليه الناس منذ ذلك اليوم اسم المقداد بن الأسود وعلى الرغم من أن الإسلام قد أبطل التبني فيما بعد فقد ظل أكثر الناس ينادونه كذلك لكثرة ما تردد هذا الاسم على ألسنتهم وفرط ما تداولوه بينهم لم يكن المقداد بن عمر أو المقداد بن الأسود كما كانوا ينادونه مرتاحا إلى ذلك المجتمع الجاهلي الذي تراق فيه الدماء ظلما وبغيا وتستباح فيه الحرمات عدوانا وجورا ويستذل فيه القوي الضعيف وتسوده العصبيات العمياء فهو على الرغم من أن سيدا من سادات قريش قد تبناه ما يزال في نظر القوم شريدا طريدا لا يستطيع أن يصهر لأي منهم لأنه في عرفهم ليس بكفء لأي بنت من بناتهم مهما دنت منزلتها وكان المقداد يسمع ما يدور على ألسنت الكهان وما يرويه أحبار يهود من أن نبيا قد أطل زمانه سيملأ الدنيا برا وخيرا وعدلا فيقول في نفسه عسى ولعلا لم يمضي على ذلك غير قليل حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بدين الهدى والحق فما إن سمع به المقداد بن عمر حتى بادر إليه ووضع يده في يديه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم مضى إلى مجالس قريش عند الكعبة وأعلن إسلامه على ملئ من القوم فكان سابع سبعة أعلنوا إسلامهم على ظهر الأرض لم يكن المقداد بن عمر حين توجه إلى مجالس قريش ليعلن دخوله في دين الله جهارا نهارا يجهل وقع ذلك على قريش ولم يكن يخفى عليه ما سينزلونه به من الأذى والنكال لكنه كان يعلم أيضا أن دعوة كدعوة الإسلام لا بد لها من قرابين فعزم على أن يكون أحد شهدائها وضحاياها صبت قريش على المقداد بن عمر من بطشها ونكالها ما يزلزل الجبال فلم يتزعزع ولم يتضعضع وما كان يزيده العذاب إلا صلابة في دينه ورسوخا في إيمانه ويقينه ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه بالهجرة إلى المدينة أبت قريش على المقداد بن عمر أن يغادر سجنها الكبير فقد كان حقدها عليه يتكاف أو مع تحديه لها ولذا كان من أواخر المسلمين هجرة ثم إنه لم يستطع التخلص من قريش إلا بحيلة فلما وصل إلى المدينة فرح الرسول صلوات الله وسلامه عليه بمقدمه إذ كان يحبه حبا جما ويقول إن الله عز وجل أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم علي والمقداد وأبو ذر وسلمان قسم الرسول صلى الله عليه وسلم المهاجرين من أصحابه عشرات وجعل كل عشرة في بيت فكان المقداد بن عمر من العشرة التي سعدت بمساكنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعدت بكريم شمائله ولقيت من بره وعطفه الشيء الكثير حدث المقداد قال كنت في جملة العشرة الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونوا معه في بيته وكانت لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث أعنز يحتربونها ويوزعون لبنها بيننا قلنا نرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه وفي ذات ليلة جئت أنا وصاحبان لي وكان الجوع قد نهكنا حتى أوشكنا ألا نسمع ولا نبصر أما صاحباي فقد شربا نصيبهما وناما وأما أنا فلم يكفيني ما شربته وبقيت خاوي البطن لا أستطيع النوم من شدة الجوع قال لي الشيطان ماذا عليك لو شربت هذه الجرعة التي رفعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إليه الأنصار فيهدون له أمثالها إذا شاء وما زال بي يغريني بها حتى شربتها فلما شربتها جاءني الشيطان يندمني على ما فعلت ويقول ماذا صنعت بنفسك الأن يجئ محمد فلا يجد شرابة فيدعو عليك فتهلك وكانت الليلة باردة وكانت علي شملة إذا وضعتها على رأسي بدت منها قدماي وأذا غطيت بها قدمي كشف رأسي وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء في الليل يسلم تسليما يسمع اليقضان ولا يوقظ النائم فما هو إلا قليل حتى جاء وسلم ثم صلى ما شاء الله أن يصلي وأنا أنظر إليه من تحت الشملة ثم تفقد شرابه فلم يجده فرفع يده فقلت الآن يدعو علي فأهلك لكنه قال اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني فقلت في نفسي أنا أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفوز بدعوته فتسللت من مكاني وأخذت شفرتي وقلت أذبح له واحدة من الأعنز وليكن بعد ذلك ما يكون ثم مضيت إلى الأعنز وأخذت أجسهن لأرى أيهن أسما فإذا ضروعهن قد حثلت باللبن على الرغم من أنهن حلبن وشيكا فآخذت إناءا وحلبت إحداهن حتى امتلأ وعلته الرغوة ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب ثم ناولني فشربت ثم ناولته فشرب ثم ناولني فشربت ثم ضحكت فقال لي إنها إحدى فعلاتك يا مقداد ما الذي يضحك فحدثته بما صنعت فقال ما كانت إلا رحمة من الله تعالى لو كنت أيقظت صاحبيك فأصاب من اللبن الذي شربنا منه فقلت والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا شربت منه أنت وشربت أنا من فضلك ألا يشرب أحد استقر المقداد بن عمر في المدينة ولم يكن قد تزوج بعد فبينما هو جالس مع عبد الرحمن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما قال له عبد الرحمن ما لك لا تتزوج يا مقداد فقال المقداد زوجني بنتك فقال عبد الرحمن ابنتي لا أزوجك ابنتي وأسمعه كلمة لم ترضيه فقام المقداد وهو يقول أما زالت فينا بقية من جاهلية أما سوى الإسلام بين أبنائه وجعل أكرمهم عند الله أتقاهم ثم مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له ما كان من عبد الرحمن بن عوف فقال له النبي عليه الصلاة والسلام أفلا يرضيك أن تصاهر رسول الله يا مقداد فلم يصدق المقداد أذني وقال بلى يا رسول الله ولكن من لي بذلك الشرف فقال أنا لك به وزوجه ابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فغدا صهرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحسبه بذلك مجادة وفخرا ثم كانت بدر حيث خرج رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه وهم لا ينوون أن يخوضوا حربا شاملة فلما وجد الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه منطرا لخوضها كان لا بد له من أن ينال موافقة رجاله فعرض عليهم الأمر فقال أبو بكر وأحسن وقال عمر وأحسن لكن الموقف ظل يحتاج إلى كلمة حاسمة حازمة تنهي التردد وتشد العزائم فكان شرف هذه الكلمة للمقداد بن عمر حيث توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقامته الفارعة وصوته الجهوري وقال يا رسول الله امضل ما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بن إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فأشرق وجه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالفرحة وقال له خيرا ودعى له بخير وكان المقداد بن عمر يومئذ المجاهد الوحيد الذي خاض بدرا على فرس إذ كان الباقون إما مشاتا وإما على الجمال فسجل له تاريخ الجهاد في الإسلام أنه أول من عدا على فرس في سبيل الله تذوق المقداد بن عمر لذة الجهاد في سبيل الله يوم بدر فآلى على نفسه أن يظل مجاهدا لإعلاء كلمة الله ما بقي سيفه مستمسكا بيده وقد بر بقسمه فقد رؤي في خلافة عثمان بن عثان رضي الله عنهما يجلس على صندوق من صناديق الصيارفة في أحد أسواق حمس وقد كبرت سنه حتى قاربت على السبعين وترهل جسده حتى فاض عن الصندوق وكان سيفه في حجره فقال له رجل من القوم ما تفعل هنا يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنتظر خروج الغزاة إلى الثغور لأكون معهم فقال له هل لا عدت إلى بيتك فإن الله قد أعذر إليك فإن الله قد أعذر إليك بعد أن بلغت من السن ما بلغت فقال هي هات يا بني لقد أبت علينا سورة البعوث يريد سورة الأنفال ألم تسمع قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا أتجد فيه أن الله استثناني عاش المقداد بن عمر حتى بلغ الثالثة والسبعين من عمره أهدا في سبيل الله عازفا عن الإمارة ولما أتاه اليقين وارته البقية الباقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحده وهم يقولون سيف من سيوف الله عاد إلى غمده بعد طول عناء وحسن بلاء أهدا في سبيل الله