بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو طالاً جمهية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عبد الرحمن الغافق رحمه الله ما كاد أمير المؤمنين وخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب سلفه سليمان بن عبد الملك حتى بادر يعيد النظر في أمراء الأمصار ويعزل ويولي وكان في طليعة من استعمله السمح بن مالكن الخولاني فلقد أسند إليه ولاية الأندلس وما جاورها من المدن المفتوحة من بلاد فرنسا ألق الأمير الجديد رحاله في بلاد الأندلس وانطلق يفتش عن أعوان الصدق والخير فقال لمن حوله أبقي في هذه الديار أحد من التابعين فقالوا نعم أيها الأمير إنه ما يزال فينا التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ثم ذكروا له من علمه بكتاب الله وفهمه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلائه في ميادين الجهاد وتشوقه إلى الاستشهاد قده بعرض الدنيا الشيئ الكثير ثم قالوا له إنه لقي الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن أبيه وأنه أخذ عنه ما شاء الله أن يأخذ وتأسى به أعظم التأسي دعى سمح بن مالكن الخولاني عبد الرحمن الغافقي إلى لقائه فلما جاء رحب به أكرم الترحيب وأدنى مجلسه منه ثم قعد ساعة من نهار يسأله عن كل ما عن له ويستشيره في كثير مما أشكل عليه ويروزه ليقف على طاقاته فإذا هو فوق ما أخبر عنه وأعظم مما ذكر له فعرض عليه أن يوليه عملا من كبير أعماله في الأندلس فقال له أيها الأمير إنما أنا رجل من عامة الناس ولقد وفدت إلى هذه الديار لأقف على ثغر من ثغور المسلمين ونذرت نفسي لمرضاة الله عز وجل وحملت سيفي لإعلاء كلمته في الأرض وستجدني إن شاء الله تعالى ألزم لك من ظلك ما لزمت الحق وأطوع لك من بنانك ما أطعت الله ورسوله من غير ولاية ولا إمارة لم يمضي غير قليل حتى عزم السمح بن مالك الخولاني على غزو فرنسا كلها وضمها إلى عقد دولة الإسلام العظمى وأن يتخذ من ديارها الرحبة طريقا إلى دول البلقان وأن يفضي من دول البلقان إلى القسطنطينية تحقيقا لبشارة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام وكانت الخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف الكبير إنما تتوقف على احتلال مدينة أربونة ذلك أن أربونة كانت من أكبر المدن الفرنسية التي تجاور بلاد الأندلس وكان المسلمون كل من حدروا من جبال البرناه وجدوها تنتصب أمامهم كما ينتصب المارد الجبار وهي فوق ذلك مفتاح فرنسا الكبرى ومطمح الطامحين إليها حاصر السمح بن مالك الخولاني مدينة أربونة ثم عرض على أهلها الإسلام أو الجزية فعز عليهم ذلك وأبوه فهب يهاجمهم الهجمة والأخرى ويقذفهم بالمنجنيقات حتى سقطت المدينة العريقة الحصينة في أيدي المسلمين بعد أربعة أسابيع من الجهاد البطولي الذي لم تشهد أوروبا نظيرا له من قبل ثم بادر القائد المظفر المنتصر فتوجه بجيشه الجرار إلى مدينة تولوز عاصمة مقاطعة أكتانيا فنصب حولها المنجنيقات من كل جهة وقذفها بآلات الحرب التي لم تعرف لها أوروبا نظيرا من قبل حتى أوشكت المدينة المنيعة الحصينة أن تخر بين يديه عند ذلك وقع ما لم يكن في حسبان أحد فلنترك الحديث للمستشرق الفرنسي رينو ليسوق لنا خبر تلك المعركة قال رينو لما أصبح النصر قابق وسين من المسلمين أو أدنى هب دوق أكتانيا يستنفر لحربهم البلاد والعباد وأرسل رسله فطافوا أوروبا من أقصاها إلى أقصاها وأنذروا ملوكها وأمراءها باحتلال ديارهم وسبي نسائهم وولدانهم فلم يبق شعب في أوروبا إلا أسهم معه بأشد مقاتليه بأسا وأكثرهم عددا وقد بلغ من وفرة الجيش وعنف حركته وثقل وطأته ما لم تعرف له الدنيا نظيرا من قبل حتى إن الغبار المتطايرة تحت أقدامه قد حجب عن منطقة الرون عين الشمس ولما تدان الجمعان خيّل للناس أن الجبال تلاق الجبال ثم دارت بين الفريقين رحى معركة ضروس لم يعرف التاريخ لها مثيلا من قبل وكان السمح أو ذاما كما كنا نسميه يظهر أمام جنودنا في كل مكان ويتواثب أمام عسكره في كل اتجاه وفيما هو كذلك أصابته رمية من سهم فخر صريعا عن جواده فلما رآه المسلمون مجندلا فوق الثرى فتّى الموقف في عضودهم وبدأت صفوفهم تتداعا وأصبح في وسع جيشنا الجرار أن يبيدهم عن بكرة أبيهم لولا أن تداركتهم العناية الربانية بقائد عبقري عرفته أوروبا فيما بعد هو عبد الرحمن الغافقي فتولى أمر سحابهم بأقل قدر من الخسائر وعاد بهم إلى إسبانيا لكنه عقد العزم على أن يعيد الكرة علينا من جديد وبعد فهل رأيت الغيوم كيف تنقشع عن البدر في الليلة الظلماء فيستضيء بنوره التائهون ويهتدي بسناه الحيارة هكذا انقشعت معركة تولوز عن بطل الإسلام الفذ عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وهل أبصرت العطاش الموفين على الهلاك في جوف الصحراء كيف يلوح لهم الماء فيمدون أيديهم إليه ليغترفوا منه غرفة ترد إليهم الحياة هكذا مد جند المسلمين أيديهم إلى القائد العظيم ينشدون عنده النجاه ويبايعونه على السمع والطاعة ولا غروا فقد كانت معركة تولوز أول جرح غائر أصيب به المسلمون منذ وطئت أقدامهم أوروبا وكان عبد الرحمن الغافقي بل سمى هذا الجرح واليدى الحانية التي أحاطته بالعناية والرعاية والقلب الكبير الذي أفاض عليه الحنان أرمضت أنباء النكسة الكبرى التي مني بها المسلمون في فرنسا فؤاد الخلافة في دمشق وأجج مصرع البطل الكمي السمح بن مالكن الخولاني في صدرها نار الحمية للأخذ بالثأر فأصدرت أوامرها بإقرار الجند على مبايعتهم لعبد الرحمن الغافقي وعهدت إليه بإمارة الأندلس من أقصاها إلى أقصاها وضمت إليه ما جاورها من الأراضي الفرنسية المفتوحة وأطلقت يده في العمل كيفما يشاء لا غروا فقد كان الغافقي حازماً صارماً تقياً نقياً حكيماً مقداماً بادر عبد الرحمن الغافقي منذ أسندت إليه إمارة الأندلس يعمل على استعادة ثقة الجند بأنفسهم واسترداد شعورهم بالعزة والقوة والغلب وتحقيق الهدف الكبير الذي طمح إليه قادة المسلمين في الأندلس ابتداءً من موسى بن نصير وانتهاءً بالسمح بن مالكن الخولاني فلقد انعقدتهم مهاأولاء الأبطال على الانطلاق من فرنسا إلى إيطاليا وألمانيا والإفضاء منهما إلى القسطنطينية وجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية وتسميته ببحر الشام بدلاً من بحر الروم لكن عبد الرحمن الغافقي كان يوقن بأن الإعداد للمعارك الكبرى إنما يبدأ بإصلاح النفوس وتزكيتها ويعتقد أنه ما من أمة تستطيع أن تحقق غايتها في النصر إذا كانت حصونها مصدعة مهددة من الداخل لذلك هب يطوف بلاد الأندلس بلداً إثر بلد ويأمر المنادين أن ينادوا في الناس من كانت له مظلمة عند وال من الولاه أو قاض من القضاه أو أحد من الناس فليرفعها إلى الأمير وأنه لا فرق في ذلك بين المسلمين وغيرهم من المعاهدين ثم طفق ينظر في المظالم مظلمةً مظلمة فيقتص للضعيف من القوي ويأخذ للمظلوم من الظالم ثم جعل يحقق في أمر الكنائس المغتصبة والمستحدثة فيرد ما قضت به العهود إلى أصحابه ثم نظر في أمر عماله واحداً واحداً فعزل من ثبتت له خيانته وانحرافه وولى مكانه من استوثق من حكمته وحنكته وصلاحه وكان كلما أم بلداً من البلدان دع الناس إلى صلاة جامعة ثم وقف فيهم خطيباً وانطلق يحضهم على الجهاد ويرغبهم في الاستشهاد ويمنيهم برضوان الله والفوز بثوابه وقد قرن عبد الرحمن القول بالفعل ودعم الأمال بالأعمال فطفق منذ اللحظة الأولى لولايته يعد العتاد ويستكمل السلاح ويرمم المعاقل ويبن الحصون ويشيد الجسور ويقيم القناطر وكان من أعظم ما بناه قنطرة قرطبة عاصمة الأندلس وقد شادها على نهر قرطبة العظيم ليعبر عليها الناس والجند وتقي البلاد وتصون العباد من شر الفيضان وتعد هذه القنطرة من أعاجيب الدنيا فقد بلغ طولها ثمان مائة باع والباع هو مقدار مد اليدين وارتفاعها ستين باع وعرضها عشرين وبلغ عدد حناياها أي أقواسها ثمان عشرة حنية وعدد أبراجها تسعة عشر برج وهي ما تزال قائمة تنعم بها إسبانيا حتى يومنا هذا وقد أبعبد الرحمن الغافقي على الاجتماع بقادة الجند ووجوه القوم في كل بلد يحله وكان ينصت بجوارحه إلى كل ما يقولون ويدون جميع ما يقترحون ويتملا من سائر ما ينصحون وقد أخذ نفسه في هذه المجالس بأن يسمع كثيرا وأن يتكلم قليلا وكما كان يلتقي الغافقي بأعيان المسلمين وقد كان يجتمع مع كبار أهل الذمة من المعاهدين وكثيرا ما كان يسائلهم عما خفي عليه من أمور بلادهم وما يشغل باله من أحوال ملوكهم وقوادهم وفي ذات مرة استدعى أحد كبار المعاهدين من أبناء فرنسا وأدار معه حديثا متشعبا ثم قال له ما بال ملككم الأكبر شارل لا يتصدى لحربنا ولا ينصر ملوك المقاطعات علينا فقال أيها الأمير إنكم وفيتم لنا بما عاهدتمون عليه فمن حقكم علينا أن نصدقكم القول فيما تسألوننا عنه إن قائدكم الكبير موسى بن نصير قد أحكم قبضته على إسبانيا كلها ثم طمحت همته لأن يجتاز جبال البرينيه التي تفصل بين ديار الأندلس وبلادنا الجميلة فجفل ملوك المقاطعات وقسسها إلى ملكنا الأعظم وقالوا له ما هذا الخزي الذي لصق بنا وبحفدتنا أبد الدهر أيها الملك فلقد كنا نسمع بالمسلمين سماعا ونخاف وثبتهم علينا من جهة مشرق الشمس وها هم أولئي قد جاءون الآن من مغربها فاستولوا على إسبانيا كلها وامتلكوا ما فيها من العدة والعتاد واعتلوا قمم الجبال التي تفصل بيننا وبينهم مع أن عددهم قليل وسلاحهم هزيل وأكثرهم لا يملك درعا تقيه ضربات السيوف أو جوادا يمتطيه إلى ساحات القتال فقال لهم الملك لقد فكرت فيما عن على بالكم كثيرا وأنعمت النظر فيه طويلا فرأيت ألا نتعرض لها أولئي القوم في وثبتهم هذه فإنهم الآن كالسيل الجارف يقتلع كل ما يعترض طريقه ويحتمله معه ويلقي به حيث يشاء ووجدت أنهم قوم لهم عقيدة ونية تغنيان عن كثرة العدد ووفرة العدد ولهم إيمان وصدق يقومان مقام الدروع والخيول ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ويتخذوا لأنفسهم الدور والقصور ويستكثروا من الإماء والخدم ويتنافسوا فيما بينهم على الرئاسة فعند ذلك تتمكنون منهم بأيسر السبل وأقل الجهد فأطرق عبد الرحمن الغافقي إطراقة حزينة وتنهد تنهد عميقا وفضى المجلس وقال حي على الصلاة فقد اقترب وقتها لبث عبد الرحمن الغافقي عامين كاملين يعد العدة للغزو الكبير فكتب الكتائب وعبأ الجنود وشحذ الهمم وعمر القلوب واستنجد بأمير إفريقيا فأمده بنخبة من الجند يتلضون شوقا إلى الجهاد ويتحرقون لهفة على الاستشهاد ثم أرسل إلى عثمان بن أبي نسعة أمير الثغور بأن يشاغل العدو بغاراته إلى أن يقدم عليه هو بجمهرة الجيش لكن عثمان هذا كان ينضوي على ضغينة لكل أمير بعيد الهمة عظيم الطموح يقدم على عمل كبير يرفع ذكره في الأنام ويخمل غيره من الولاة والعمال أضف إلى ذلك أنه قد ظفر في إحدى غاراته السابقة بابقة على فرنسا بابنة دوق أكتانيا وتدعى مينين وكانت مينين هذه فتاة ريانة الشباب بارعة الجمال قد جمعت إلى فتنة الحسن عزة الملك ومزجت بين رونق الصبا ودلال بنات القصور فشغفت فؤاده حبا عنده كما لم تحظ زوجه وقد زينت له أن يهادن أباها فعقد معه معاهد أمنه فيها من غارات المسلمين على مقاطعته التي كانت تتاخم الثغور الأندلسية فلما جاءه أمر عبد الرحمن الغافقي بالزحف على بلاد حميه دوق أكتانيا سقط في يده وحيران لا يدري ماذا يفعل لكنه ما لبث أنبادر فكتب إلى الأمير الغافقي يراجعه فيما أمره به ويقول له إنه لا يستطيع أن يخفر عهد دوق أكتانيا قبل انقضاء أجله فاستشاط عبد الرحمن الغافقي منه غضبا وبعث إليه يقول إن العهد لا يلزم ولا يلزم جيوش المسلمين بشي وإن عليك أن تبادر إلى إنفاذ ما أمرتك به دون تردد ولا تلك فلما يأس ابن أبي نسعة من حمل الأمير على الإقلاع عن عزمه بعث إلى حميه رسولا يخبره بما جرى ويدعوه لأن يأخذ حذرة لكن عيون عبد الرحمن كانت ترصد حركات ابن أبي نسعة وسكناته فنقلت إلى الأمير أخبار اتصاله مع العدو فبادر الغافقي وجهز كتيبة اختار رجالها من ذوي الشدة والبأس وعقد لواءها لمجاهد من الكمات المجربين وأمره بأن يأتي بعثمان ابن أبي نسعة حيا أو ميتا وأوشكت أن تغفر به لولا أنه نذر بها في آخر لحظة ففر إلى الجبال يصحبه عدد من رجاله ومعه زوجته الحسناء مينين التي كان لا يفارقها أبدا ولا يرى الدنيا إلا بها فمضت الكتيبة في إثره وأحاطت به وبمن معه وضلته دفاع الأسد عن شبله وظل يناضل دونها حتى سقط قتيلا وفي جسمه ما لا يحصى من ضربات السيوف وطعنات الرماح فاحتز الجنود رأسه وحملوه مع الأميرة الحسناء إلى عبد الرحمن الغافقي فلما صارت بين يديه وأشاح عنها بوجهه ثم أرسلها هدية إلى دار الخلافة فانتهت حياة الأميرة الفرنسية الحسناء في حرم الخليفة الأموي في دمشق الغافقي صورة صادقة لموسى بن نصيل وطارق بن زياد في علو الهمة وسمو المقصد المؤرخون يسقون مواقفا ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قالا كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فمو وفينا ذكرهم يتعالا رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلا ومثلهم نجم سما وتلا ومثلهم نجم سما وتلا ومثلهم نجم سما وتلا هل مثلهم نجم سما وتلا ملأ الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا