WEBVTT

00:00:00.430 --> 00:00:03.430
بسم الله الرحمن الرحيم

00:00:03.430 --> 00:00:08.429
خير القرون مواقفاً ومثالاً

00:00:08.429 --> 00:00:13.429
تبع الرسول إذا سعى أو طالاً

00:00:13.429 --> 00:00:15.429
جمهية مودة

00:00:15.429 --> 00:00:17.429
تقدم

00:00:17.429 --> 00:00:21.500
صور من حياة التابعين

00:00:21.500 --> 00:00:25.910
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا

00:00:25.910 --> 00:00:27.910
رحمه الله

00:00:27.910 --> 00:00:32.770
عبد الرحمن الغافق

00:00:32.770 --> 00:00:34.770
رحمه الله

00:00:43.890 --> 00:00:45.890
ما كاد أمير المؤمنين

00:00:45.890 --> 00:00:47.890
وخامس الخلفاء الراشدين

00:00:47.890 --> 00:00:49.890
عمر بن عبد العزيز

00:00:49.890 --> 00:00:52.890
ينفض يديه من تراب سلفه

00:00:52.890 --> 00:00:54.890
سليمان بن عبد الملك

00:00:54.890 --> 00:00:58.890
حتى بادر يعيد النظر في أمراء الأمصار

00:00:58.890 --> 00:01:00.890
ويعزل ويولي

00:01:00.890 --> 00:01:03.890
وكان في طليعة من استعمله

00:01:03.890 --> 00:01:06.890
السمح بن مالكن الخولاني

00:01:06.890 --> 00:01:10.140
فلقد أسند إليه ولاية الأندلس

00:01:10.140 --> 00:01:13.140
وما جاورها من المدن المفتوحة

00:01:13.140 --> 00:01:15.140
من بلاد فرنسا

00:01:15.140 --> 00:01:19.269
ألق الأمير الجديد رحاله في بلاد الأندلس

00:01:19.269 --> 00:01:23.269
وانطلق يفتش عن أعوان الصدق والخير

00:01:23.269 --> 00:01:25.269
فقال لمن حوله

00:01:26.269 --> 00:01:30.269
أبقي في هذه الديار أحد من التابعين

00:01:30.269 --> 00:01:33.269
فقالوا نعم أيها الأمير

00:01:33.269 --> 00:01:36.269
إنه ما يزال فينا التابعي الجليل

00:01:36.269 --> 00:01:40.269
عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي

00:01:40.269 --> 00:01:43.269
ثم ذكروا له من علمه بكتاب الله

00:01:43.269 --> 00:01:48.269
وفهمه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:01:48.269 --> 00:01:51.269
وبلائه في ميادين الجهاد

00:01:51.269 --> 00:01:54.269
وتشوقه إلى الاستشهاد

00:01:54.269 --> 00:01:57.269
قده بعرض الدنيا الشيئ الكثير

00:01:57.269 --> 00:01:59.340
ثم قالوا له

00:01:59.340 --> 00:02:02.340
إنه لقي الصحابي الجليل

00:02:02.340 --> 00:02:07.340
عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن أبيه

00:02:07.340 --> 00:02:11.340
وأنه أخذ عنه ما شاء الله أن يأخذ

00:02:11.340 --> 00:02:14.340
وتأسى به أعظم التأسي

00:02:14.340 --> 00:02:18.939
دعى سمح بن مالكن الخولاني

00:02:18.939 --> 00:02:21.939
عبد الرحمن الغافقي إلى لقائه

00:02:21.939 --> 00:02:23.939
فلما جاء

00:02:23.939 --> 00:02:26.939
رحب به أكرم الترحيب

00:02:26.939 --> 00:02:28.939
وأدنى مجلسه منه

00:02:28.939 --> 00:02:34.939
ثم قعد ساعة من نهار يسأله عن كل ما عن له

00:02:34.939 --> 00:02:38.939
ويستشيره في كثير مما أشكل عليه

00:02:38.939 --> 00:02:41.939
ويروزه ليقف على طاقاته

00:02:41.939 --> 00:02:44.939
فإذا هو فوق ما أخبر عنه

00:02:44.939 --> 00:02:48.099
وأعظم مما ذكر له

00:02:48.099 --> 00:02:53.099
فعرض عليه أن يوليه عملا من كبير أعماله في الأندلس

00:02:53.099 --> 00:02:54.099
فقال له

00:02:54.099 --> 00:02:56.099
أيها الأمير

00:02:56.099 --> 00:02:59.099
إنما أنا رجل من عامة الناس

00:02:59.099 --> 00:03:02.099
ولقد وفدت إلى هذه الديار

00:03:02.099 --> 00:03:06.099
لأقف على ثغر من ثغور المسلمين

00:03:06.099 --> 00:03:10.099
ونذرت نفسي لمرضاة الله عز وجل

00:03:10.099 --> 00:03:14.099
وحملت سيفي لإعلاء كلمته في الأرض

00:03:14.099 --> 00:03:17.099
وستجدني إن شاء الله تعالى

00:03:17.099 --> 00:03:21.099
ألزم لك من ظلك ما لزمت الحق

00:03:21.099 --> 00:03:24.099
وأطوع لك من بنانك

00:03:24.099 --> 00:03:27.099
ما أطعت الله ورسوله

00:03:27.099 --> 00:03:31.569
من غير ولاية ولا إمارة

00:03:31.569 --> 00:03:33.569
لم يمضي غير قليل

00:03:33.569 --> 00:03:39.569
حتى عزم السمح بن مالك الخولاني على غزو فرنسا كلها

00:03:39.569 --> 00:03:43.569
وضمها إلى عقد دولة الإسلام العظمى

00:03:43.569 --> 00:03:48.569
وأن يتخذ من ديارها الرحبة طريقا إلى دول البلقان

00:03:48.569 --> 00:03:52.569
وأن يفضي من دول البلقان إلى القسطنطينية

00:03:52.569 --> 00:03:58.759
تحقيقا لبشارة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام

00:03:58.759 --> 00:04:02.759
وكانت الخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف الكبير

00:04:02.759 --> 00:04:07.860
إنما تتوقف على احتلال مدينة أربونة

00:04:07.860 --> 00:04:11.860
ذلك أن أربونة كانت من أكبر المدن الفرنسية

00:04:11.860 --> 00:04:14.860
التي تجاور بلاد الأندلس

00:04:14.860 --> 00:04:18.860
وكان المسلمون كل من حدروا من جبال البرناه

00:04:18.860 --> 00:04:24.860
وجدوها تنتصب أمامهم كما ينتصب المارد الجبار

00:04:24.860 --> 00:04:28.860
وهي فوق ذلك مفتاح فرنسا الكبرى

00:04:28.860 --> 00:04:31.860
ومطمح الطامحين إليها

00:04:31.860 --> 00:04:36.860
حاصر السمح بن مالك الخولاني مدينة أربونة

00:04:36.860 --> 00:04:40.860
ثم عرض على أهلها الإسلام أو الجزية

00:04:40.860 --> 00:04:43.860
فعز عليهم ذلك وأبوه

00:04:43.860 --> 00:04:46.860
فهب يهاجمهم الهجمة والأخرى

00:04:46.860 --> 00:04:49.860
ويقذفهم بالمنجنيقات

00:04:49.860 --> 00:04:54.860
حتى سقطت المدينة العريقة الحصينة في أيدي المسلمين

00:04:54.860 --> 00:04:58.860
بعد أربعة أسابيع من الجهاد البطولي

00:04:58.860 --> 00:05:02.860
الذي لم تشهد أوروبا نظيرا له من قبل

00:05:02.860 --> 00:05:06.889
ثم بادر القائد المظفر المنتصر

00:05:06.889 --> 00:05:10.889
فتوجه بجيشه الجرار إلى مدينة تولوز

00:05:10.889 --> 00:05:13.889
عاصمة مقاطعة أكتانيا

00:05:13.889 --> 00:05:16.889
فنصب حولها المنجنيقات من كل جهة

00:05:16.889 --> 00:05:19.889
وقذفها بآلات الحرب

00:05:19.889 --> 00:05:23.889
التي لم تعرف لها أوروبا نظيرا من قبل

00:05:23.889 --> 00:05:27.889
حتى أوشكت المدينة المنيعة الحصينة

00:05:27.889 --> 00:05:29.889
أن تخر بين يديه

00:05:29.889 --> 00:05:34.949
عند ذلك وقع ما لم يكن في حسبان أحد

00:05:34.949 --> 00:05:39.949
فلنترك الحديث للمستشرق الفرنسي رينو

00:05:39.949 --> 00:05:42.949
ليسوق لنا خبر تلك المعركة

00:05:42.949 --> 00:05:45.050
قال رينو

00:05:45.050 --> 00:05:50.050
لما أصبح النصر قابق وسين من المسلمين أو أدنى

00:05:50.050 --> 00:05:52.050
هب دوق أكتانيا

00:05:52.050 --> 00:05:55.050
يستنفر لحربهم البلاد والعباد

00:05:55.050 --> 00:06:01.050
وأرسل رسله فطافوا أوروبا من أقصاها إلى أقصاها

00:06:01.050 --> 00:06:05.050
وأنذروا ملوكها وأمراءها باحتلال ديارهم

00:06:05.050 --> 00:06:08.050
وسبي نسائهم وولدانهم

00:06:08.050 --> 00:06:11.050
فلم يبق شعب في أوروبا

00:06:11.050 --> 00:06:17.050
إلا أسهم معه بأشد مقاتليه بأسا وأكثرهم عددا

00:06:17.050 --> 00:06:23.110
وقد بلغ من وفرة الجيش وعنف حركته وثقل وطأته

00:06:23.110 --> 00:06:26.110
ما لم تعرف له الدنيا نظيرا من قبل

00:06:26.110 --> 00:06:30.110
حتى إن الغبار المتطايرة تحت أقدامه

00:06:30.110 --> 00:06:34.110
قد حجب عن منطقة الرون عين الشمس

00:06:34.110 --> 00:06:36.180
ولما تدان الجمعان

00:06:36.180 --> 00:06:40.180
خيّل للناس أن الجبال تلاق الجبال

00:06:40.180 --> 00:06:44.180
ثم دارت بين الفريقين رحى معركة ضروس

00:06:44.180 --> 00:06:48.180
لم يعرف التاريخ لها مثيلا من قبل

00:06:48.180 --> 00:06:53.180
وكان السمح أو ذاما كما كنا نسميه

00:06:53.180 --> 00:06:56.180
يظهر أمام جنودنا في كل مكان

00:06:56.180 --> 00:07:00.180
ويتواثب أمام عسكره في كل اتجاه

00:07:00.180 --> 00:07:05.180
وفيما هو كذلك أصابته رمية من سهم

00:07:05.180 --> 00:07:08.180
فخر صريعا عن جواده

00:07:08.180 --> 00:07:12.180
فلما رآه المسلمون مجندلا فوق الثرى

00:07:12.180 --> 00:07:14.180
فتّى الموقف في عضودهم

00:07:14.180 --> 00:07:17.180
وبدأت صفوفهم تتداعا

00:07:17.180 --> 00:07:20.180
وأصبح في وسع جيشنا الجرار

00:07:20.180 --> 00:07:23.180
أن يبيدهم عن بكرة أبيهم

00:07:23.180 --> 00:07:28.180
لولا أن تداركتهم العناية الربانية بقائد عبقري

00:07:28.180 --> 00:07:31.180
عرفته أوروبا فيما بعد

00:07:31.180 --> 00:07:34.180
هو عبد الرحمن الغافقي

00:07:34.180 --> 00:07:39.269
فتولى أمر سحابهم بأقل قدر من الخسائر

00:07:39.269 --> 00:07:42.269
وعاد بهم إلى إسبانيا

00:07:42.269 --> 00:07:47.269
لكنه عقد العزم على أن يعيد الكرة علينا من جديد

00:07:47.269 --> 00:07:50.680
وبعد

00:07:50.680 --> 00:07:55.680
فهل رأيت الغيوم كيف تنقشع عن البدر في الليلة الظلماء

00:07:55.680 --> 00:07:58.680
فيستضيء بنوره التائهون

00:07:58.680 --> 00:08:01.680
ويهتدي بسناه الحيارة

00:08:01.680 --> 00:08:04.680
هكذا انقشعت معركة تولوز

00:08:04.680 --> 00:08:06.680
عن بطل الإسلام الفذ

00:08:06.680 --> 00:08:10.680
عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي

00:08:10.680 --> 00:08:15.680
وهل أبصرت العطاش الموفين على الهلاك في جوف الصحراء

00:08:15.680 --> 00:08:17.680
كيف يلوح لهم الماء

00:08:17.680 --> 00:08:20.680
فيمدون أيديهم إليه

00:08:20.680 --> 00:08:24.680
ليغترفوا منه غرفة ترد إليهم الحياة

00:08:24.680 --> 00:08:29.680
هكذا مد جند المسلمين أيديهم إلى القائد العظيم

00:08:29.680 --> 00:08:31.680
ينشدون عنده النجاه

00:08:31.680 --> 00:08:35.679
ويبايعونه على السمع والطاعة

00:08:35.679 --> 00:08:36.740
ولا غروا

00:08:36.740 --> 00:08:39.740
فقد كانت معركة تولوز

00:08:39.740 --> 00:08:46.740
أول جرح غائر أصيب به المسلمون منذ وطئت أقدامهم أوروبا

00:08:46.740 --> 00:08:48.740
وكان عبد الرحمن الغافقي

00:08:48.740 --> 00:08:50.740
بل سمى هذا الجرح

00:08:50.740 --> 00:08:55.740
واليدى الحانية التي أحاطته بالعناية والرعاية

00:08:55.740 --> 00:08:59.740
والقلب الكبير الذي أفاض عليه الحنان

00:08:59.740 --> 00:09:07.179
أرمضت أنباء النكسة الكبرى التي مني بها المسلمون في فرنسا

00:09:07.179 --> 00:09:10.179
فؤاد الخلافة في دمشق

00:09:10.179 --> 00:09:13.309
وأجج مصرع البطل الكمي

00:09:13.309 --> 00:09:15.309
السمح بن مالكن الخولاني

00:09:15.309 --> 00:09:19.309
في صدرها نار الحمية للأخذ بالثأر

00:09:19.309 --> 00:09:21.379
فأصدرت أوامرها

00:09:21.379 --> 00:09:26.379
بإقرار الجند على مبايعتهم لعبد الرحمن الغافقي

00:09:26.379 --> 00:09:32.379
وعهدت إليه بإمارة الأندلس من أقصاها إلى أقصاها

00:09:32.379 --> 00:09:37.379
وضمت إليه ما جاورها من الأراضي الفرنسية المفتوحة

00:09:37.379 --> 00:09:41.379
وأطلقت يده في العمل كيفما يشاء

00:09:41.379 --> 00:09:43.379
لا غروا

00:09:43.379 --> 00:09:46.379
فقد كان الغافقي حازماً صارماً

00:09:46.379 --> 00:09:48.379
تقياً نقياً

00:09:48.379 --> 00:09:50.379
حكيماً مقداماً

00:09:50.379 --> 00:09:53.440
بادر عبد الرحمن الغافقي

00:09:53.440 --> 00:09:56.440
منذ أسندت إليه إمارة الأندلس

00:09:56.440 --> 00:10:00.440
يعمل على استعادة ثقة الجند بأنفسهم

00:10:00.440 --> 00:10:04.440
واسترداد شعورهم بالعزة والقوة والغلب

00:10:04.440 --> 00:10:10.440
وتحقيق الهدف الكبير الذي طمح إليه قادة المسلمين في الأندلس

00:10:10.440 --> 00:10:13.440
ابتداءً من موسى بن نصير

00:10:13.440 --> 00:10:17.440
وانتهاءً بالسمح بن مالكن الخولاني

00:10:17.440 --> 00:10:21.440
فلقد انعقدتهم مهاأولاء الأبطال

00:10:21.440 --> 00:10:26.440
على الانطلاق من فرنسا إلى إيطاليا وألمانيا

00:10:26.440 --> 00:10:29.440
والإفضاء منهما إلى القسطنطينية

00:10:29.440 --> 00:10:34.440
وجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية

00:10:34.440 --> 00:10:39.440
وتسميته ببحر الشام بدلاً من بحر الروم

00:10:39.440 --> 00:10:42.440
لكن عبد الرحمن الغافقي

00:10:42.440 --> 00:10:46.440
كان يوقن بأن الإعداد للمعارك الكبرى

00:10:46.440 --> 00:10:50.440
إنما يبدأ بإصلاح النفوس وتزكيتها

00:10:50.440 --> 00:10:56.440
ويعتقد أنه ما من أمة تستطيع أن تحقق غايتها في النصر

00:10:56.440 --> 00:11:01.440
إذا كانت حصونها مصدعة مهددة من الداخل

00:11:01.440 --> 00:11:06.440
لذلك هب يطوف بلاد الأندلس بلداً إثر بلد

00:11:06.440 --> 00:11:10.440
ويأمر المنادين أن ينادوا في الناس

00:11:10.440 --> 00:11:14.440
من كانت له مظلمة عند وال من الولاه

00:11:14.440 --> 00:11:18.440
أو قاض من القضاه أو أحد من الناس

00:11:18.440 --> 00:11:21.440
فليرفعها إلى الأمير

00:11:21.440 --> 00:11:26.440
وأنه لا فرق في ذلك بين المسلمين وغيرهم من المعاهدين

00:11:26.440 --> 00:11:31.440
ثم طفق ينظر في المظالم مظلمةً مظلمة

00:11:31.440 --> 00:11:34.440
فيقتص للضعيف من القوي

00:11:34.440 --> 00:11:37.440
ويأخذ للمظلوم من الظالم

00:11:37.440 --> 00:11:42.440
ثم جعل يحقق في أمر الكنائس المغتصبة والمستحدثة

00:11:42.440 --> 00:11:46.440
فيرد ما قضت به العهود إلى أصحابه

00:11:47.440 --> 00:11:52.440
ثم نظر في أمر عماله واحداً واحداً

00:11:52.440 --> 00:11:56.440
فعزل من ثبتت له خيانته وانحرافه

00:11:56.440 --> 00:12:01.440
وولى مكانه من استوثق من حكمته وحنكته وصلاحه

00:12:01.440 --> 00:12:05.440
وكان كلما أم بلداً من البلدان

00:12:05.440 --> 00:12:08.440
دع الناس إلى صلاة جامعة

00:12:08.440 --> 00:12:10.440
ثم وقف فيهم خطيباً

00:12:10.440 --> 00:12:13.440
وانطلق يحضهم على الجهاد

00:12:13.440 --> 00:12:16.440
ويرغبهم في الاستشهاد

00:12:16.440 --> 00:12:20.440
ويمنيهم برضوان الله والفوز بثوابه

00:12:20.440 --> 00:12:25.230
وقد قرن عبد الرحمن القول بالفعل

00:12:25.230 --> 00:12:28.230
ودعم الأمال بالأعمال

00:12:28.230 --> 00:12:32.230
فطفق منذ اللحظة الأولى لولايته

00:12:32.230 --> 00:12:35.230
يعد العتاد ويستكمل السلاح

00:12:35.230 --> 00:12:38.230
ويرمم المعاقل ويبن الحصون

00:12:38.230 --> 00:12:42.230
ويشيد الجسور ويقيم القناطر

00:12:42.230 --> 00:12:45.230
وكان من أعظم ما بناه

00:12:45.230 --> 00:12:48.230
قنطرة قرطبة عاصمة الأندلس

00:12:48.230 --> 00:12:52.230
وقد شادها على نهر قرطبة العظيم

00:12:52.230 --> 00:12:55.230
ليعبر عليها الناس والجند

00:12:55.230 --> 00:13:00.230
وتقي البلاد وتصون العباد من شر الفيضان

00:13:00.230 --> 00:13:04.230
وتعد هذه القنطرة من أعاجيب الدنيا

00:13:04.230 --> 00:13:08.230
فقد بلغ طولها ثمان مائة باع

00:13:08.230 --> 00:13:11.230
والباع هو مقدار مد اليدين

00:13:11.230 --> 00:13:14.230
وارتفاعها ستين باع

00:13:14.230 --> 00:13:16.230
وعرضها عشرين

00:13:16.230 --> 00:13:19.230
وبلغ عدد حناياها

00:13:19.230 --> 00:13:23.230
أي أقواسها ثمان عشرة حنية

00:13:23.230 --> 00:13:26.230
وعدد أبراجها تسعة عشر برج

00:13:26.230 --> 00:13:30.230
وهي ما تزال قائمة تنعم بها إسبانيا

00:13:30.230 --> 00:13:33.259
حتى يومنا هذا

00:13:33.259 --> 00:13:36.259
وقد أبعبد الرحمن الغافقي

00:13:36.259 --> 00:13:38.259
على الاجتماع بقادة الجند

00:13:38.259 --> 00:13:41.259
ووجوه القوم في كل بلد يحله

00:13:41.259 --> 00:13:46.259
وكان ينصت بجوارحه إلى كل ما يقولون

00:13:46.259 --> 00:13:49.259
ويدون جميع ما يقترحون

00:13:49.259 --> 00:13:52.259
ويتملا من سائر ما ينصحون

00:13:52.259 --> 00:13:55.259
وقد أخذ نفسه في هذه المجالس

00:13:55.259 --> 00:13:57.259
بأن يسمع كثيرا

00:13:57.259 --> 00:13:59.259
وأن يتكلم قليلا

00:13:59.259 --> 00:14:04.259
وكما كان يلتقي الغافقي بأعيان المسلمين

00:14:04.259 --> 00:14:09.259
وقد كان يجتمع مع كبار أهل الذمة من المعاهدين

00:14:09.259 --> 00:14:11.259
وكثيرا ما كان يسائلهم

00:14:11.259 --> 00:14:14.259
عما خفي عليه من أمور بلادهم

00:14:14.259 --> 00:14:20.899
وما يشغل باله من أحوال ملوكهم وقوادهم

00:14:20.899 --> 00:14:22.899
وفي ذات مرة

00:14:22.899 --> 00:14:26.899
استدعى أحد كبار المعاهدين من أبناء فرنسا

00:14:26.899 --> 00:14:29.899
وأدار معه حديثا متشعبا

00:14:29.899 --> 00:14:31.899
ثم قال له

00:14:31.899 --> 00:14:34.899
ما بال ملككم الأكبر شارل

00:14:34.899 --> 00:14:36.899
لا يتصدى لحربنا

00:14:36.899 --> 00:14:40.899
ولا ينصر ملوك المقاطعات علينا

00:14:40.899 --> 00:14:41.929
فقال

00:14:41.929 --> 00:14:43.929
أيها الأمير

00:14:43.929 --> 00:14:47.929
إنكم وفيتم لنا بما عاهدتمون عليه

00:14:47.929 --> 00:14:49.929
فمن حقكم علينا

00:14:49.929 --> 00:14:53.929
أن نصدقكم القول فيما تسألوننا عنه

00:14:53.929 --> 00:14:56.929
إن قائدكم الكبير موسى بن نصير

00:14:56.929 --> 00:15:00.929
قد أحكم قبضته على إسبانيا كلها

00:15:01.929 --> 00:15:05.929
ثم طمحت همته لأن يجتاز جبال البرينيه

00:15:05.929 --> 00:15:10.929
التي تفصل بين ديار الأندلس وبلادنا الجميلة

00:15:10.929 --> 00:15:15.929
فجفل ملوك المقاطعات وقسسها إلى ملكنا الأعظم

00:15:15.929 --> 00:15:16.929
وقالوا له

00:15:16.929 --> 00:15:22.929
ما هذا الخزي الذي لصق بنا وبحفدتنا أبد الدهر أيها الملك

00:15:22.929 --> 00:15:26.990
فلقد كنا نسمع بالمسلمين سماعا

00:15:26.990 --> 00:15:30.990
ونخاف وثبتهم علينا من جهة مشرق الشمس

00:15:30.990 --> 00:15:34.990
وها هم أولئي قد جاءون الآن من مغربها

00:15:34.990 --> 00:15:37.990
فاستولوا على إسبانيا كلها

00:15:37.990 --> 00:15:41.990
وامتلكوا ما فيها من العدة والعتاد

00:15:41.990 --> 00:15:45.990
واعتلوا قمم الجبال التي تفصل بيننا وبينهم

00:15:45.990 --> 00:15:50.990
مع أن عددهم قليل وسلاحهم هزيل

00:15:50.990 --> 00:15:54.990
وأكثرهم لا يملك درعا تقيه ضربات السيوف

00:15:54.990 --> 00:15:58.990
أو جوادا يمتطيه إلى ساحات القتال

00:15:58.990 --> 00:16:00.990
فقال لهم الملك

00:16:00.990 --> 00:16:04.990
لقد فكرت فيما عن على بالكم كثيرا

00:16:04.990 --> 00:16:07.990
وأنعمت النظر فيه طويلا

00:16:07.990 --> 00:16:12.990
فرأيت ألا نتعرض لها أولئي القوم في وثبتهم هذه

00:16:12.990 --> 00:16:15.990
فإنهم الآن كالسيل الجارف

00:16:15.990 --> 00:16:18.990
يقتلع كل ما يعترض طريقه

00:16:18.990 --> 00:16:23.990
ويحتمله معه ويلقي به حيث يشاء

00:16:23.990 --> 00:16:28.019
ووجدت أنهم قوم لهم عقيدة ونية

00:16:28.019 --> 00:16:32.019
تغنيان عن كثرة العدد ووفرة العدد

00:16:32.019 --> 00:16:34.019
ولهم إيمان وصدق

00:16:34.019 --> 00:16:38.019
يقومان مقام الدروع والخيول

00:16:38.019 --> 00:16:43.019
ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم

00:16:43.019 --> 00:16:47.019
ويتخذوا لأنفسهم الدور والقصور

00:16:47.019 --> 00:16:50.019
ويستكثروا من الإماء والخدم

00:16:50.019 --> 00:16:53.019
ويتنافسوا فيما بينهم على الرئاسة

00:16:53.019 --> 00:16:59.019
فعند ذلك تتمكنون منهم بأيسر السبل وأقل الجهد

00:16:59.019 --> 00:17:04.119
فأطرق عبد الرحمن الغافقي إطراقة حزينة

00:17:04.119 --> 00:17:07.119
وتنهد تنهد عميقا

00:17:07.119 --> 00:17:10.119
وفضى المجلس وقال

00:17:10.119 --> 00:17:14.119
حي على الصلاة فقد اقترب وقتها

00:17:14.119 --> 00:17:19.940
لبث عبد الرحمن الغافقي عامين كاملين

00:17:19.940 --> 00:17:22.940
يعد العدة للغزو الكبير

00:17:22.940 --> 00:17:25.940
فكتب الكتائب وعبأ الجنود

00:17:25.940 --> 00:17:29.940
وشحذ الهمم وعمر القلوب

00:17:29.940 --> 00:17:32.940
واستنجد بأمير إفريقيا

00:17:32.940 --> 00:17:35.940
فأمده بنخبة من الجند

00:17:35.940 --> 00:17:38.940
يتلضون شوقا إلى الجهاد

00:17:38.940 --> 00:17:42.940
ويتحرقون لهفة على الاستشهاد

00:17:42.940 --> 00:17:47.140
ثم أرسل إلى عثمان بن أبي نسعة أمير الثغور

00:17:47.140 --> 00:17:50.140
بأن يشاغل العدو بغاراته

00:17:50.140 --> 00:17:54.140
إلى أن يقدم عليه هو بجمهرة الجيش

00:17:54.140 --> 00:17:57.230
لكن عثمان هذا

00:17:57.230 --> 00:18:01.230
كان ينضوي على ضغينة لكل أمير

00:18:01.230 --> 00:18:04.230
بعيد الهمة عظيم الطموح

00:18:04.230 --> 00:18:08.230
يقدم على عمل كبير يرفع ذكره في الأنام

00:18:08.230 --> 00:18:11.230
ويخمل غيره من الولاة والعمال

00:18:11.230 --> 00:18:14.230
أضف إلى ذلك

00:18:14.230 --> 00:18:17.230
أنه قد ظفر في إحدى غاراته السابقة

00:18:17.230 --> 00:18:20.230
بابقة على فرنسا

00:18:20.230 --> 00:18:23.230
بابنة دوق أكتانيا

00:18:23.230 --> 00:18:26.259
وتدعى مينين

00:18:26.259 --> 00:18:29.259
وكانت مينين هذه

00:18:29.259 --> 00:18:32.259
فتاة ريانة الشباب بارعة الجمال

00:18:32.259 --> 00:18:35.259
قد جمعت إلى فتنة الحسن عزة الملك

00:18:35.259 --> 00:18:38.259
ومزجت بين رونق الصبا

00:18:38.259 --> 00:18:41.259
ودلال بنات القصور

00:18:41.259 --> 00:18:44.259
فشغفت فؤاده حبا

00:18:44.259 --> 00:18:47.259
عنده كما لم تحظ زوجه

00:18:47.259 --> 00:18:50.259
وقد زينت له أن يهادن أباها

00:18:50.259 --> 00:18:53.259
فعقد معه معاهد

00:18:53.259 --> 00:18:56.259
أمنه فيها من غارات المسلمين

00:18:56.259 --> 00:18:59.259
على مقاطعته التي كانت تتاخم

00:18:59.259 --> 00:19:02.329
الثغور الأندلسية

00:19:02.329 --> 00:19:05.329
فلما جاءه أمر عبد الرحمن الغافقي

00:19:05.329 --> 00:19:08.329
بالزحف على بلاد حميه دوق أكتانيا

00:19:08.329 --> 00:19:11.329
سقط في يده

00:19:11.329 --> 00:19:14.329
وحيران لا يدري ماذا يفعل

00:19:14.329 --> 00:19:17.329
لكنه ما لبث أنبادر

00:19:17.329 --> 00:19:20.329
فكتب إلى الأمير الغافقي

00:19:20.329 --> 00:19:23.329
يراجعه فيما أمره به

00:19:23.329 --> 00:19:26.329
ويقول له إنه لا يستطيع

00:19:26.329 --> 00:19:29.329
أن يخفر عهد دوق أكتانيا

00:19:29.329 --> 00:19:32.329
قبل انقضاء أجله

00:19:32.329 --> 00:19:35.329
فاستشاط عبد الرحمن الغافقي منه غضبا

00:19:35.329 --> 00:19:38.329
وبعث إليه يقول إن العهد

00:19:39.329 --> 00:19:42.329
لا يلزم

00:19:42.329 --> 00:19:45.490
ولا يلزم جيوش المسلمين بشي

00:19:45.490 --> 00:19:48.490
وإن عليك أن تبادر إلى إنفاذ

00:19:48.490 --> 00:19:51.490
ما أمرتك به دون تردد ولا تلك

00:19:51.490 --> 00:19:54.519
فلما يأس ابن أبي نسعة

00:19:54.519 --> 00:19:57.519
من حمل الأمير على الإقلاع عن عزمه

00:19:57.519 --> 00:20:00.519
بعث إلى حميه رسولا يخبره

00:20:00.519 --> 00:20:03.519
بما جرى ويدعوه لأن يأخذ

00:20:03.519 --> 00:20:06.519
حذرة لكن عيون عبد الرحمن

00:20:07.519 --> 00:20:10.519
كانت ترصد حركات ابن أبي نسعة

00:20:10.519 --> 00:20:13.519
وسكناته فنقلت إلى الأمير

00:20:13.519 --> 00:20:16.519
أخبار اتصاله مع العدو

00:20:16.519 --> 00:20:19.519
فبادر الغافقي وجهز كتيبة

00:20:19.519 --> 00:20:22.519
اختار رجالها من ذوي الشدة والبأس

00:20:22.519 --> 00:20:25.519
وعقد لواءها لمجاهد

00:20:25.519 --> 00:20:28.519
من الكمات المجربين

00:20:28.519 --> 00:20:31.519
وأمره بأن يأتي بعثمان ابن أبي نسعة

00:20:31.519 --> 00:20:35.960
حيا أو ميتا

00:20:37.960 --> 00:20:40.960
وأوشكت أن تغفر به

00:20:40.960 --> 00:20:43.960
لولا أنه نذر بها في آخر لحظة

00:20:43.960 --> 00:20:46.960
ففر إلى الجبال

00:20:46.960 --> 00:20:49.960
يصحبه عدد من رجاله

00:20:49.960 --> 00:20:52.960
ومعه زوجته الحسناء مينين

00:20:52.960 --> 00:20:55.960
التي كان لا يفارقها أبدا

00:20:55.960 --> 00:20:58.990
ولا يرى الدنيا إلا بها

00:20:58.990 --> 00:21:01.990
فمضت الكتيبة في إثره

00:21:01.990 --> 00:21:04.990
وأحاطت به وبمن معه

00:21:04.990 --> 00:21:07.990
وضلته دفاع الأسد عن شبله

00:21:07.990 --> 00:21:10.990
وظل يناضل دونها

00:21:10.990 --> 00:21:13.990
حتى سقط قتيلا

00:21:13.990 --> 00:21:16.990
وفي جسمه ما لا يحصى من ضربات السيوف

00:21:16.990 --> 00:21:20.150
وطعنات الرماح

00:21:20.150 --> 00:21:23.150
فاحتز الجنود رأسه

00:21:23.150 --> 00:21:26.380
وحملوه مع الأميرة الحسناء

00:21:26.380 --> 00:21:29.380
إلى عبد الرحمن الغافقي

00:21:29.380 --> 00:21:32.380
فلما صارت بين يديه

00:21:32.380 --> 00:21:35.380
وأشاح عنها بوجهه

00:21:35.380 --> 00:21:38.380
ثم أرسلها هدية إلى دار الخلافة

00:21:38.380 --> 00:21:41.380
فانتهت حياة الأميرة الفرنسية الحسناء

00:21:41.380 --> 00:21:44.380
في حرم الخليفة الأموي في دمشق

00:21:44.380 --> 00:21:49.710
الغافقي

00:21:49.710 --> 00:21:52.809
صورة صادقة لموسى بن نصيل

00:21:52.809 --> 00:21:55.809
وطارق بن زياد

00:21:55.809 --> 00:21:59.059
في علو الهمة

00:21:59.059 --> 00:22:02.509
وسمو المقصد المؤرخون

00:22:02.509 --> 00:22:06.339
يسقون مواقفا ومثالا

00:22:06.339 --> 00:22:09.339
تبع الرسول إذا سعى أو قالا

00:22:09.339 --> 00:22:12.339
كانوا هنا يسقون غيما حياتنا

00:22:12.339 --> 00:22:15.339
فمو وفينا ذكرهم يتعالا

00:22:15.339 --> 00:22:18.339
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا

00:22:18.339 --> 00:22:21.339
هل مثلهم نجم سما وتلا

00:22:21.339 --> 00:22:24.339
ومثلهم نجم سما وتلا

00:22:24.339 --> 00:22:27.339
ومثلهم نجم سما وتلا

00:22:27.339 --> 00:22:30.339
ومثلهم نجم سما وتلا

00:22:30.339 --> 00:22:33.339
هل مثلهم نجم سما وتلا

00:22:33.339 --> 00:22:36.339
ملأ الحياة

00:22:36.339 --> 00:22:39.339
مفاخرا بالفعلهم

00:22:39.339 --> 00:22:42.339
وزهت بهم دنيا الأنا
