بسم الله الرحمن الرحيم حياة السلف بين القول والعمل الحلم والعفظ والصفح وذم الغضب وعلاجه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجهول وشتم رجل الحسن بن علي رضي الله عنه وأربا عليه فقال له أما أنت فما أبقيت شيئا وما يعلم الله أكثر وقال عمر بن العاص رضي الله عنه إني لأصبر على الكلمة لهي أشد علي من القبض على الجمر ما يحملني على الصبر عليها إلا التخوف من أخرى شر منها وقال أنس بن مالك رضي الله عنه كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما فقال إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال نعم قال أنس وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليال الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحقر عمله قلت يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرار يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرار فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل فمن الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هو إلا ما رأيت قال فلما وليت دعاني فقال ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاء ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه فقال عبد الله هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق وقال الأحنف بن قيس رحمه الله لست بحليم ولكني أتحالم وصدق القائل أو كلما طن الذباب طرته إن الذباب إذن علي كريم وقال بعض البلغ ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراب وقال بعض الشعراء وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى وفي الخرق إغراء فلا تك أخرق فتندم إذ لا تنفع عنك ندامة كما ندم المغبون لما تفرق وجاء رجل إلى علي بن الحسين رحمه الله فقال له إن فلانا قد آذاك ووقع فيك قال فانطلق بنا إليه فانطلق معه وهو يرى أنه سينتصر لنفسه فلما أتاه قال يا هذا إن كان ما قلت في حق فغفر الله لي وإن كان ما قلت في باطلا فغفر الله لك وكان يقال إياك وعزة الغضب فإنها مصيرتك إلى ذل الاعتذار وقال بعض الأدباء غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله وقال بعض الحكماء إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جوابا وأوجعته عقابا وقال بعض الشعراء وللكف عن شتم اللئيم تكرما أضر له من شتمه حين يشتم وقال بعضهم لا ترجعن إلى السفيه خطابه إلا جواب تحية حياكها فمتى تحركه تحرك جيفة تزداد نتنا إن أردت حراكها وقال عروة بن الزبير رحمه الله رب كريمة ذل احتملتها أورثتني عزا طويلا وعن الحسن البصري رحمه الله قال أفضل أخلاق المسلمين العفو ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تجعل يشكو إليه رجلا ظلمه ويقع فيه فقال له عمر إنك إن تلقى الله ومظلمتك كما هي خير لك من أن تلقاه وقد انتقستها وجاء رجل إلى بعض السلف رحمه الله فقال إن فلانا يقع فيك قال أقرئه السلام وأعلمه أنه قد هيجني على الاستغفار وعن الحسن رحمه الله قال المؤمن حليم لا يجهل وإن جهل عليه حليم لا يظلم وإن ظلم غفر لا يقطع وإن قطع وصل لا يبخل وإن بخل عليه صبر وكان رجل يقع في عمر بن ذر رحمه الله ويشتمه فلقيه عمر بن ذر فقال يا هذا لا تفرط في شتمنا وأبقي للصلح موضع فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز رحمه الله كلاما فقال له أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا انصرف رحمك الله وقال الحسن رحمه الله أربع من كن فيه عصمه الله من الشيطان وحرمه على النار من ملك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب وقال جعفر بن محمد رحمه الله الغضب مفتاح كل شر وأغلض عبد لسيده فقال إني أصبر لهذا الغلام على ما ترون لأرود نفسي بذلك فإذا صبرت للمملوك على المكرو كانت لغير المملوك أصبر وجاء رجل إلى وهب بن منبه رحمه الله فقال إني مررت بفلان وهو يشتمك فغضب وقال ما وجد الشيطان رسولا غيرك فما برح حتى جاءه ذلك الشاتم فسلم على وهب فرد عليه ومد يده وصافحه وأجلسه إلى جنبه وقال أحمد بن أبي الحواري قال لي أبو سليمان الداراني رحمه الله من أي وجه أزال العاقل اللائمة عن من أساء إليه قلت لا أدري قال من أنه قد علم أن الله تعالى هو الذي ابتله به وقد امتحن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق بسبب القرآن العظيم وناله الكثير من الأذى وأوضع السجن نحو من ثمانية وعشرين شهرا وضرب أكثر من ثلاثين سوطا لكن كان ضربا مبرحا شديدا جدا وأغمي عليه وذهب عقله مرارا خلال الضرب وجعل كل من سعى في أمره في حل إلا أهل البدعة وكان يتلو في ذلك قوله تعالى وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويقول ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك وقد قال الله تعالى فمن عفى وأصلح فأجره على الله وينادى يوم القيامة ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفى وكان رجل يعرض بالقاضي محمد بن بشير رحمه الله حتى بلغ ذلك بن بشير فقال له إن الشر لا يعجز عنه أحد وإن الخير لا يناله إلا أهل الصبر الجميل فاقصر عما بلغني عنك فإنه أجمل بك وقال ابن القلانسي سمعت الشيخ تقي الدين رحمه الله يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه وأخرج له فتاوا بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاش نكير وأنهم قاموا عليك وأذوك أنت أيضا وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاش نكير ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء وينكر أن ينال أحدا منهم سوء وقال له إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم فقال له إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارا فقال الشيخ من آذاني فهو في حل ومن آذ الله ورسوله فالله ينتقم منه وأنا لا أنتصر لنفسي وما زال به حتى حلم عنهم وصفح قال وكان قاضي المالكية بن مخلوف يقول ما رأينا مثل ابن تيمية حرّظنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا وقال ابن القيم رحمه الله وكان بعض أصحابه الأكابر يقول وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئت يوما مبشر له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذل له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال إني لكم مكانة ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحالة منه فرحمه الله ورضي عنه