بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله الأحنف بن قيس رحمه الله كانت دمشن تضحك للربيع الطلق مختالة بخمائلها النظرة مزهوة برياضها العطرة وكان قصر أمير المؤمنين معاوية ابن أبي سفيان قد أخذ أهبته لاستقبال الوافدين عليه وما إن أذن لأول قادم على الخليفة حتى بادرت أخته أم الحكم بنت أبي سفيان فأخذت مكانها وراء الستر لتستمع إلى ما يروى في مجلس الخلافة من أحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه ولتتملا مما ينثره جلساء أمير المؤمنين من نوادر الأخبار وروائع الأشعار وبالغ الحكمة فقد كانت سيدة راجحة العقل عالية الهمة تصبو إلى شريف المطالب وكانت تعرف أن أخاها يأذن للناس بالدخول عليه حسب مراتبهم فيقدم صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام على من عداهم ثم يليهم كبار التابعين وأهل العلم وذو الأحساب لكن أم الحكم وجدت أخاها يستقبل زائره الأول استقبالا يشوبه شيء من الفتور وسمعته يقول له والله يا أحنف ما تمثلت يوم صفين مرة وتذكرت انحيازك عننا ووقوفك إلى جانب عري بن أبي طالب إلا كانت حزازة في قلبي إلى أن أموت فبادره الرجل قائلا والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها ما تزال بين جوانحنا وإن السيوف التي قاتلناك بها ما فتئت في أيدينا وإن تدن من الحرب فترا ندن منها شبرا وإن تمشي إليها مشيا نمضي إليها هرولة ووالله ما حملتنا إليك رغبة في عطائك أو رهبة من جفائك وإنما جئناك لرأب الصدع ولم الشمل وجمع كرمة المسلمين ثم استدار وخرج من حيث أتى فلم تملك أم الحكم إلا أن تزيح طرف الستر لترى هذا الذي يرد إلى الخليفة الحجر من حيث جاء ويكيل له الصاعة صاعين فرأت رجلا قصير القامة ضئيل الجسم أصلع الرأس متراكب الأسنان ما إلى الذقن منخسف العينين أحنث الرجلين ليس في إنسان عيب إلا وله منه نصيب فالتفتت إلى أخيها وقالت يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتهدد الخليفة ويتوعده في عقربيته فتنهد معاوية وقال هذا الذي إذا غضب غضب له مئة ألف من بني تميم لا يدرون فيما غضب إنه الأحنف بن قيس سيد بني تميم وأحد أفذاذ العرب وأبطالهم الفاتحين فتعالوا نستعرض قصة حياة الأحنف بن قيس من أولها في السنة الثالثة قبل الهجرة ولد لقيس بن معاوية السعدي مولود دعاه الضحاك غير أن الناس ما لبثوا اللقبوه بالأحنف لعوجاج في رجليه ثم غلب اللقب على لسم ولم يكن قيس والد الأحنف في الذؤابة من قومه ولا من حواشيهم وإنما كان في أوساط الناس وكانت ولادة الأحنف في منازل قومه غربي اليمامة من أراضي نجد وقد نشأ الفتاة يتيما حيث قتل أبوه وهو طفل لم يدرج بعد ثم غمرت أنوار الإسلام قلبه وهو غلام لم يطر شاربه فقد بعث الرسول صلوات الله وسلامه عليه قبيل وفاته بسنوات معدودات داعية من أصحابه إلى رهط الأحنف بن قيس يدعوهم إلى الإسلام فاجتمع الداعية إلى وجوه القوم وأخذ يحضهم على الإيمان ويعرض عليهم الإسلام فسكت القوم وجعل بعضهم ينظر إلى بعض فبادرهم الأحنف وكان حاضرا وقال يا قوم ما لي أراكم مترددين تقدمون رجلا وتؤخرون رجلا والله إن هذا الوافد عليكم لوافد خير وإنه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملائمها ووالله ما سمعنا منه إلا حسنا فأجيبوا داعي الهدى تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة فما لبثوا أن أسلموا وأسلم معهم الفتا ثم وفد كبار القوم على الرسول صلوات الله وسلامه عليه غير أن الأحنف لم يفد معهم لحداثة سنه فحرم من شرف الصحبة ولكنه لم يحرم من رضى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عنه ودعائه له حدث الأحنف قال بينما أنا أطوف بالبيت العتيق في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ لقيني رجل أعرفه فأخذ بيدي وقال ألا أبشرك قلت بلى قال أما تذكر يوم بعثني رسول الله صلوات الله وسلامه عليه إلى قومك لأدعوهم إلى الإسلام فجعلت أدعوهم وأعرض عليهم الدخول في دين الله فقلت أنت يومئذ ما قلت قلت بلى قال فإني رجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبرته بمقالتك فقال اللهم اغفر للأحنف فكان الأحنف يقول ما من شيء من عملي أرجالي يوم القيامة من دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام ولما لحق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وطلع مسيرمة الكذاب على الناس بإفكه وارتد عن الإسلام بسببه من ارتد مضى إليه الأحنف بن قيس مع عمه المتشمس ليلقياه ويسمع منه وكان الأحنف يومئذ في بواكير شبابه فلما خرجا من عنده قال المتشمس لابن آخيه كيف رأيت الرجل يا أحنف فقال رأيته مبطلا يفتر الكذب على الله والناس فقال له عمه ممازحا ألا تخشى على نفسك إن أخبرته بتكذيبك أيها فقال الأحنف عند ذلك أحالفك عنده فهل تحلف أنك لم تكذبه كما كذبته وتضاحك الفتا وعمه وثبتا على إسلامهما ولا غرابة إذا أخذك العجب واستبدت بك الدهشة من هذه المواقف الحازمة الحاسمة التي يقفها الأحنف في عظائم الأمور على الرغم من حداثة سنه لكن عجبك سينقضي ودهشتك ستزول إذا عرفت أن فتا بني تميم كان نادرة من نوادر الدهر في حدة الخاطر وتوقّد الذكاء وصدق النظرة وصفاء الفطرة وأنه كان منذ نعومة أظفاره يجالس مشيخة قومه ويغشى أنبيتهم ويشهد مؤتمراتهم ويتتلمذ على أيدي حكمائهم وحلمائهم حدث عن نفسه قال كنا نختلف إلى مجالس قيس بن عاصم المنقري لنتعلم منه الحلم كما نختلف إلى مجالس العلماء لنتلقى منهم العلم فقيل له ومن الذي بلغ من حلمه فقال جئته مرة فرأيته قاعدا بفناء بيته محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه فسلمت وجلست وما هو إلا قليل حتى سمعنا ضجة فنظرنا فإذا به قد أتي له بشاب مكتوف وآخر مقتول وقيل له هذا ابن أخيك قد قتل ابنك فلانا فوالله ما حل حبوته ولا قطع كلامه ثم التفت إلى ابن أخيه وقال يا ابن أخي قتلت ابن عمك فقطعت رحمك بيدك ورميت نفسك بسهمك ثم قال لابن له آخر قم يا بني فحل كتاف ابن عمك وواري أخاك ثم سق إلى أمه مئة ناقة ديت ابنها فإنها غريبة ولقد أتيح للأحن في ابن قيس أن يتلمذ على جلة الصحابة الكرام وفي قمتهم الفاروق رضوان الله عليه فشهد مجالسه وسمع مواعظه ووعى أقضيته وأحكامه فكان من ألمع التلاميذ الذين أنجبتهم المدرسة العمرية وأعمقهم تأثرا بمعلمها العبقري الفذ ولقد قيل له ذات مرة بما أوتيت ما أوتيت من الوقار والحكمة فقال بكلمات سمعتهن من عمر بن الخطاب حيث قال من مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه وقد تسنم الأحنف ابن قيس قومه على الرغم من أنه لم يكن من أعلاهم حسبا ولا أجل لهم أما وأبا ولكن سأله السائلون عن سر ذلك فقال له أحدهم من الذي يسوده قومه يا أبا بحر فقال من كان فيه أربع خصال ساد قومه غير مدافع فقيل له وما هذه الخصال فقال من كان له دين يحجزه وحسب يصونه وعقل يرشده وحياء يمنعه والأحنف بعد ذلك أحد حلماء العرب الذين ضرب بحلمهم المثل وقد بلغ من حلمه أن عمر بن الأهتم أغرى رجلا بسبه سبا مقذعا يثير الحفائر لكن الأحنف ظل صامتا مطرقا فلما رأى الرجل أنه لا يجيبه ولا يأبه له أخذ إبهامه في فمه وجعل يعضه وهو يقول واسوأتاه والله ما منعه من جوابي إلا هواني عليه واتفق أن كان الأحنف يمشي في حواش البصرة خاليا بنفسه فتعرض له رجل جعل يشتمه ويعيبه ويسمعه قوارص الكلام وهو ساكت ماغض في طريقه فلما اقتربا من الناس التفت إلى الرجل وقال يبن أخي إن كان قد بقي من كلامك فضلة فقلها الآن فإن قومي إذا سمعوا ما تقول أصابك منهم أذى وكان الأحنف فوق ذلك كله عبادا صواما قواما زاهدا بما في أيدي الناس وكان إذا جن عليه الليل أسرج مصباحه ووضعه قريبا منه ووقف في محرابه يصلي وهو يتململ تململ السقيم ويبكي بكاء الثاكل إشفاقا من عذاب الله وخشية من غضبه وكان كلما استشعر ذنبا من ذنوبه أو لاح له عيب من عيوبه قرب إصبعه من المصباح وقال حس يا أحنف ما حملك على أن فعلت كذا يوم كذا ويحك يا أحنف إذا كنت لا تطيق اليوم لهب المصباح ولا تصبر على حره فكيف تطيق غدا لهب جهنم وتصبر على أذاه اللهم إن تغفر لي فأنت أهل لذاك وإن تعذبني فأنا أهل لذاك رضي الله عن الأحنف ابن قيس وأرضاه فقد كان رائعة من روائع الزمان وضربا فريدا من الناس إن الأحنف ابن قيس بلغ من الشرف والسعدد ما لا تنفعه الولاية ولا يضره العزل زياد بن أبي غير المواقفا ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قال كانوا هنا يسقون غيم حياتنا فهما هو فينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا