بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ كُنُوزُ السِّيْرَةِ غَزَوَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمٍ غزوة تبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وقد ساق لنا شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه قصيدةً تذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم يمدح فيها الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول حسان ألست خير معد كلها نفرا ومعشرا إن هم عم وإن حصلوا قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم مع الرسول فما آلوا وما خذلوا وبايعوه فلم ينكث به أحد منهم ولم يك في إيمانه دخلوا ويوم صبحهم في الشعب من أحد ضرب رصين كحر النار مشتعلوا ويوم ذي قرد يوم استثار بهم على الجياد فما خانوا وما نكلوا وذى العشيرة جاسوها بخيلهم مع الرسول عليها البيض والأسل ويوم ودان أجلوا أهله رقصا بالخيل حتى نهان الحزن والجبل وليلة طلبوا فيها عدوهم لله والله يجزيهم بما عملوا وليلة بحنين جالدوا معه فيها يعلهم بالحرب إذ نهلوا وغزوة يوم نجد ثم كان لهم وصول بها الأسلام والنفلوا وغزوة الرقاع فرقن العدو به كما يفرق دون المشر بالرسل ويوم بويع كانوا أهل بيعته على الجلاد فآسوه وما عدلوا وغزوة الفتح كانوا في سريته مرابطين فما طاشوا وما عجلوا يمشون كلهم مستبسل بطلوا بالبيض ترعش في الأيمان عاريةا تعوج في الضرب أحيانا وتعتدلوا فيوم سار رسول الله محتسبا إلى تبوك وهم راياته الأول وساسة الحرب إن حرب بدت لهم حتى بدا لهم الإقبال والقفل أولئك القوم أنصار النبي وهم قومي أصير إليهم حين أتصلوا ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالناس رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وبقي في طيبة المدينة النبوية بقية رمضان وشوال وذي القعدة ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع من مهاجره فخرج أبو بكر حاجا بالناس ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام العهود التي بينه وبين المشركين قال الله تبارك وتعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر وعلموا أنكم غير معجز الله وعلموا أنكم غير معجز الله وأن الله مخز الكافرين وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فعلموا أنكم غير معجز الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلو سبيلهم إن الله يحب إن الله وفور رحيم لما نزلت هذه الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب أن يخرج خلف أبي بكر بهذه الآيات ليرد إلى المشركين عهودهم وكان من عادة العرب أنه إذا عاهد أحدهم عهدا لا ينقض عهده ولا يرده فلما وصل علي إلى أبي بكر قال أبو بكر أمير أو مأمور قال بل مأمور فدخل أبو بكر الصديق إلى مكة حاجا في الناس تلك السنة وقام علي رضي الله عنه ينادي في الناس أيها الناس لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك فهو في البيت عريان ومن كان له عهد عند رسول الله فهو إلى مدته فالمشركون انقسموا إلى ثلاثة أقسام الأول لهم عهد فهم إلى مدتهم كما قال علي رضي الله عنه وينتهي بانتهاء مدته الثاني ليس لهم عهد فهؤلاء أمهلهم الله تبارك وتعالى الثالث لهم عهد ولكنه ينتهي قبل أربعة أشهر وهؤلاء اختلف فيهم أهل العلم هل مدتهم إلى أربعة أشهر أم إلى مدتهم التي هم عليها والظاهر انه إلى أربعة أشهر والله أعلم وعن يزيد بن يثيع قال سألنا علي بأي شيء بعثت في الحجة قال بعثت بأربع لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مسلم وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر رضي الله عنه قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى ألا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف في البيت عريان ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال فأذن معنا علي بأهل منا يوم النحر ببراءه وألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان كنوز السيرة عام الوفود سنة تسع للهجرة في هذا العام نزل قول الله تبارك وتعالى إذا جاء نفر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ومصداق هذه الآية أن الوفود صارت تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أفواجا يتبع كل فوج فوجا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام أو يصالحونه كنوز السيرة وفد ثقيف وفيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد فقال المغيرة بن شعبة يا رسول الله أنزلوا قومي علي فأكرمهم فإني حديث الجرح فيهم أي أنه قبل أن يسلم عدا على بعض قومه فقتلهم ثم أقبل بأموالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمنعك أن تكرم قومك ولكن أنزلهم حيث يسمعون القرآن ثم أمره بعد أن أكرمهم أن ينزل وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياما لكي يسمع القرآن ويرو الناس إذا صلوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب لا يذكر نفسه أي يحمد الله فقط فلما سمعه وفد ثقيف يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته فلما بلغه قولهم قال فإني أول من شهد أني رسول الله وكانوا يغدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لأنه صغير فكان عثمان إذا رجع القوم في الهاجرة وناموا ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين وسمع منه القرآن فاختلف إليه مرارا حتى فقها في الدين والعلم وكان إذا وجد رسول الله نائما ذهب إلى أبي بكر وكان يكتم ذلك عن أصحابه فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه وكذا الوفد يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الإسلام ويبين لهم مزاياه فأسلموا فقال كنانة بن عبد ياليل هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا قال نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم أرأيت الزنا فإنا قوم نغترب فلا بد لنا منه فقال صلى الله عليه وسلم هو عليكم حرام فإن الله عز وجل يقول ولا تقرب الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا قالوا أفرأيت الربا فإن أموالنا كلها ربا قال الله عليه وسلم لكم رؤوس أموالكم فإن الله يقول يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين قالوا أفرأيت الخمر فإنها عصير أرضنا لا بد لنا منها قال إن الله قد حرمها فقرأ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون فقام القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلى بعضهم ببعض قالوا ويحكم إنا نخاف إن خالفنا يوما كيوم مكة انطلقوا نكاتبه عما سألناه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نعم لك ما سألت أرأيت الربا أي صنمه ملات ما نصنع فيها قال اهدموها قالوا هيهات لو تعلموا الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلها فقال عمر بن الخطاب ويحكي ابن عبد ياليل ما أجهلك إنما الربة حجر فقالوا إنا لم نأتك يا ابن الخطاب وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تول أنت هدمها فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدا فقال صلى الله عليه وسلم سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها فكاتبوه على هذا فقالك نانة إذا لنا قبل رسولك ثم بعث في آثارنا إنا أعلم بقومنا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرمهم وحباهم وقالوا يا رسول الله أمر علينا رجلا يأمنا من قومنا فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قالك نانة أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموهم القضية وخوفوهم بالحرب والقتال وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه سألنا أن نهدم اللات والعزا وأن نحرم الخمر والزنا فخرجت ثقيف وحين دنا منهم الوفد يتلقونهم سار العنق وقطر الإبل وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا فقال بعضهم لبعض ما جاء وفدكم بخير ولا رجعوا به فترجل الوفد وذهبوا إلى اللات ونزلوا عندها إنهم لا عهد لهم برؤيتها ثم رجع كل رجل منهم إلى أهله وجاء منهم خاصته من ثقيف فسألوهم ماذا جئتم به وماذا رجعتم به قالوا أتينا رجلا فضا غليظا يأخذ من أمره ما يشاء قد ظهر بالسيف وداخله العرب ودان له الناس فعرض علينا أمورا شدادا هدم اللات والعزا وترك الأموال في الربا إلا رؤوس أموالكم وحرم الخمر والزنا فقال الثقيف والله لا نقبل هذا أبدا فقال الوفد أصلحوا السلاح إذا وتهيئوا للقتال فقالوا بذلك يومين أو ثلاثة يتجهزون للقتال ثم ألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب وقالوا والله ما لنا به طاقة وقد داخله العرب كلهم فرجعوا إليه وأعطوهما سأل فلما رأى الوفد أنهم رغبوا واختاروا الأمان على الخوف والحرب قال الوفد فإنا قد قاضيناه وإعطيناه ما أحببنا وشرطنا ما أردنا ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه فقبلوا عافية الله فقالت ثقيف فلمك تمتمون هذا الحديث من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانكم فأسلموا ثم مكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر عليهم خارد ابن الوليد وفيهم المغيرة ابن شعبة فلما قدموا عمدوا إلى اللات ليهدموها واستكفت ثقيف كلها واجتمعوا لينظروا كيف ستفعل اللات بمن أراد هدمها حتى خرج العواتق من الحجال لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة يظنون أنها ممتنعة فقام المغيرة ابن شعبة فأخذ الكرزين أي الفأس وقال لأصحابه والله لأضحكنكم من ثقيف فقام وضرب بالفأس ثم سقط يركض كأنه أصيب بسبب ضربه للصنم فصاح أهل الطائف كلهم ضجة واحدة فقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الرب وفرحوا حين رأوه ساقطا وقالوا من شاء منكم فليقرب منها وليجتهد على هدمها عندها قام المغيرة وقال قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر فقبلوا عافية الله وعبدوه ثم ضرب الباب فكسره ثم على سورها وعلى الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى ساووها بالأرض ثم يقول ليغضبن عليكم الأساس وليخسفن بكم فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد دعني أحفر أساسها فحفروا حتى أخرجوا ترابها فبهتت ثقيف وقالت عجوز منهم أسلمها الرباع وتركوا المصاع ثم أقبل الوفد على رسول الله وأعطوه الكسوة والحلية والذهب الذي وجدوه عند هذا الصنم فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عز وجل على نصره وإعزاز دينه أولا أن الكافر إن سرق من قومه ثم قدم مسلما فإنه يقبل منه الإسلام ولا يقبل منه المال الذي جاء به ولا يضمن هذا المال لقومه إذا أسلم ثانيا جواز إنزال الكافر المسجد ليرى الصلاة وليتعرف على الإسلام أما لغير ذلك فلا يجوز خاصة المسجد الحرام قال تعالى إنما المشركون نجس فلا يقرب المسجد الحرام بعد عامهم هذا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهدمها أعظم من هدم الحانات ومحلات الفديو وغيرها مما يتسارع كثير من الجهال إلى تفجيرها وهدمها فالشرك يجب إزالته ومنع الناس من الوصول إليه بالدعوة بالحسنى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة فما هدم صنما لكن لما صار وليا للأمر وصار حاكما صار يهدمها فلا يجوز لأحد أن يهدم مثل هذه الأشياء إلا عن طريق ولي الأمر الذي هو صاحب الشأن ولكن على أهل العلم أن يبين لأولياء الأمور أن ذلك من الباطل الذي يجب هدمه وإزالته ومنع الناس منه فصار الأمر في ذمته وهو الذي يجب عليه أن يمنع الناس من ذلك كله