بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله كعب بن مالك رضي الله عنه قصة اليوم عنيفة حق عميقة صدق بالغة أقصى ما في القصص من عنف وعمق وإثارة وقد هممت أيها المستمع الكريم أن أرويها لك بنفسي فلما شرعت وجدت أن بياني أعجز من أن ينقلها إليك بلفتاتها الدقيقة الرائعة وصورها البديعة البارعة وعواطفها الجياشة الزاخرة فآثرت أن أترك ذلك لصاحب القصة فهو أعلى مني بيانا وأقدر تعبيرا عن خلجات نفسه وأدق تصويرا لهمسات ضميره فاستمع إلى كعب بن مارك الأنصاري شاعد الرسول صلوات الله وسلامه عليه فهو سيروي لك قصته قال كعب لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا يوم تبوك ولم أكن قط أقوى مني على الغزو ولا أيسر حين تخلفت عن تلك الغزوة وقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه إذا أراد غزوة كتم خبرها وورى بغيرها إلا هذه الغزوة ولعل الذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكتم خبرها هو أن الحر كان شديدا وأن السفر كان بعيدا وأن الثمار قد أينعت والضلال قد طابت ولقد تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجهز المسلمون معه فطفقت أغدو إلى السوق لأتجهز معهم لكنني كنت أرجع في كل مرة ولم أفعل شيئا فأقول في نفسي إني لقادر على أن أتجهز في أي لحظة وما زلت أتمادى في ذلك حتى جد جد المسلمين وأنا لم أقضي من جهازي شيئا وفيما أنا كذلك بادر الرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه إلى الرحيل فهممت أن أرتحل في أثرهم وأن أدركهم وليتني فعلت ولكنه لم يقدر لي ذلك ثم ما لبثت أن ركبني الهم والبث لما صنعت وقد زادني هما أنني كنت إذا خرجت من بيتي وطفت في الناس لا أرى إلا رجلا متهما بنفاق أو عاجزا عذره الله لعجزه ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال لأصحابه ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بني سلمة إنما حبسه برداه الزاهيان ونظره في عطفه فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت النبي عليه الصلاة والسلام ولم يضف شيئا ثم بلغني أن الرسول عليه الصلاة والسلام توجه قافلا إلى المدينة فركبني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أعتذر له وأخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذيرأي من أهلي فلم أجد عندهم شيئا ولما قيل لي إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أطل قادما إن زاح عني الباطل وعرفت أنني لن أخرج من سخطه بشيء فيه كذب فأزمعت الصدق ثم أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من ركعتين جلس للناس فجاء المخلفون أمثالي فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فجئته أنا فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك يا كعب ألم تكن قد ابتعت راحلتك فقلت إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لخرجت من سخطه بعذر أصنعه له فإني والله قد أعطيت حجة وبيانا ولكني والله لقد علمت لإن حدثتك اليوم حديث كذب لترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولإن حدثتك حديث صدق يغضبك علي فإني لأرجو فيه عفو الله والله يا رسول الله ما كان لي من عذر فيما صنعت وما كنت قط أقوى وأيسر مني حين تخلفت عنك فقال النبي عليه الصلاة والسلام أما هذا فقد صدق ثم التفت إلي وقال قم حتى يقضي الله فيك فقمت وغادرت المسجد قال كعب فما لبث أن تبعني رجال من قومي فقالوا لي والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا فمن الذي أعجزك عن أن تعتذر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام كما اعتذر غيرك من المخلفين فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي لكنني ما لبثت أن قلت لهم هل شاركني فيما صنعته أحد فقالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما كما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكان رجلين صالحين وقد شهدى بدرى فقلت إن لي فيه ما أسوى ثم مضيت قال كعب بن مالك ثم ما لبث الرسول عليه الصلاة والسلام أنها عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفس الأرض فما بقيت هي الأرض التي أعرف ولبثنا على ذلك خمسين ليلة أما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيتيهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب الثلاثة وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق لكن لا يكلمني أحد وكنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ثم أقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا وكنت أحرص على أن أصلي قريبا منه لأسارقه النظر فكنت إذا أقبلت على صلاتي أقبل علي وأذا التفدت نحوه أعرض عني فلما طالت علي جفوة الناس اشتد بي الضيق فتسورت جدار بستاني أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فسكت فآعدتها عليه فسكت فآعدتها فقال الله ورسوله أعلم عند ذلك توليت عائدا من حيث أتيت ثم حدث ما لم يكن في الحسبان فبينما أنا أمشي بسوق المدينة ما يكلمني أحد إذا نبطي من أنباط أهل الشام يقول من يدلني على كعب ابن مالك فشار الناس إلي فجاءني ودفع إلي كتابا من ملك غسام فإذا فيه أما بعد فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء فاتجهت بالرسالة نحوة النور يتقد فألقيت الرسالة فيه قال كعب ولما مضت أربعون ليلة من الخمسين جاءني رجل من عند النبي عليه الصلاة والسلام وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل أمرأتك فقلت أطلقها أماذا أفعل قال لا بل اعتزلها فلا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لمرأتي الحقي بأهلك وامكثي عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر فمضت إلى أهلها أم أمرأة هلال بن أمية فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله إن هلالا شيخ فان وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه فقال لا ولكن لا يقربك فقالت إنه والله يا رسول الله ما يزال يبكي منذ لزم بيته إلى يومه هذا قال كعب عند ذلك قال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراتك فقد يأذن لك كما أذن لهلال بن أمية فقلت والله لا أفعل وما يدريني ما يقول لي الرسول عليه الصلاة والسلام وأنا مرؤ شاب قال كعب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا وقد ضاقت علي الأرض بما رحبت وضقت بنفسي أشد الضيق سمعت صوت صارخ من أعلى جبل سلع ينادي بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر يا كعب بن مالك أبشر فما إلا مسى الصوت سمعي حتى خررت ساجدا لله وعرفت أنه قد جاءني الفرج وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعلن ذلك لأصحابه فهب الناس يبشرونني وكان أسبقهم إلي فارس جاء على فرسه وذهب إلى صاحبي مبشرون أيضا فلما جاءني الذي سمعت صوته نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه ووالله ما أملك أنا إذ غيرهما ثم استعرت ثوبين ولبستهما وانطلقت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فتلقاني المسلمون فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ويقولون لتهنك توبة الله عليك يا بن مالك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله الناس وقد استنار وجهه كأنه قطعة قمر فلما سلمت عليه قال ووجهه يبرق من السرور أبشر يا كعب أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت أمن عندك يا رسول الله أمن عند الله عز وجل قال لا بل من عند الله قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله وأن أجعله صدقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال الرسول عليه الصلاة والسلام أمسك عليك بعض مالك يا كعب فهو خير لك قلت فإني أمسك سهم الذي بخيبر وأتصدق بما عدا ثم قلت يا رسول الله إنما نجان الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أقول إلا صدقا ما بقيت رضي الله عن كعب ابن مالك الأنصاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نافح عن الإسلام بسنانه وبيانه وأنزل الله فيه وفي أصحابه قرآنا مازال يتلى آناة الليل وأطراف النهار وسيظل يتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها كعب ابن مالك شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم وواحد من الأنصار الصادقين الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم قرآنا يا شعر رضي أفض في مدحهم هل هم أزل