بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سعد بن معاذ رضي الله عنه كان سعد بن معاذ يوم أهل نور النبوة فارسا من أعز فرسان يثرب نفرا وأعلاهم سلطانا وأعرضهم جاها وكان في الذروة من بني عبد الأشهل وكان بن عبد الأشهل في الذروة من الأوس وكان فتا الأوس وسيدها يستمع إلى أخبار الداعية المككية مصعب بن عمير فلا يعيرها كثيرا من اهتمامه وكان يعلم أنه حل في ضيافة بن خالته أسعد بن زرارة وأنهما يتعاوانان على بث الدعوة إلى الدين الجديد في ربوع يثرب فلا يعترض سبيلهما رعاية لحق بن خالته عليه وبينما كان سيد الأوس يتجول في ضواحي ديار بن عبد الأشهل ومعه أسيد بن الحضير إذ رأى الداعية المككية ومضيفه في بستان قريب من منازل قومه يستريحان في ظل نخيله ويستقيان من ماء بئره وقد اجتمع عليهما طائفة من المؤمنين بالدين الجديد وطفقوا يسألون مصعبا أن يفقهاهم في دين الله وأن يقرأهم شيئا من كتاب الله فكبر ذلك على سيد الأوس وعز عليه أن تبلغ الجرأة بابن خالته وضيفه حدا جعلهما يجهران بدين محمد في عقر داره فقال لأسيد بن الحضير لا أبى لك يا أسيد انطلق إليهما وانظر إلى هذا الرجل المككي الذي أتى ليعيب ديننا وينتقص من آلهتنا ويفتن ضعفاءنا فاسجره عن أن يقترب من ديارنا بعد اليوم ثم أرد فيقول ولولا أن ابن زرارته هو ابن خالتي وهو مني حيث تعلم لك فيت كذلك ولكان لي معهما شأن آخر أخذ أسيد بن الحضير حربته وتوجه نحو أسعد بن زرارة وصاحبه مصعب بن عمير حتى وقف عليهما فابتدره مصعب بوجهه الطلق وكلمته الليينة وأخذ يدعوه إلى الإسلام وطفق يقرأ عليه من آي القرآن ما يستلين القلوب القاسية ويستميل النفوس النافرة حتى أشرق وجهه وانبسطت أساريره وقال لمصعب ما أعذب هذا الكلام وما أحسنه كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين الجديد قال تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق وتركع ركعتين لله وهذا الماء منك قريب فقام أوسيد إلى الماء من توهي فاغتسل وشهد شهادة الحق وركع ركعتين لله ثم قال لمصعب إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله لكم الآن فأحسن التأتي له عاد أوسيد إلى نادي القوم فلما رآه سعد بن معاذ مقبلا نظر إليه وقال لمن معه أحلف بالله إن أوسيدا جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به ثم التفت إليه وقال ما فعلت يا أوسيد قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأس فنهض سعد بن معاذ مغضبة وأخذ الحربة من يد أوسيد وقال والله ما أراك أغنيت شيئا ولئن دام الأمر على هذه الحال لأجدنهما غدا في داري يدعوان زوجي وأولادي إلى ترك ديني ودين آبائي وأجدادي توجه سعد بن معاذ إلى حيث يجلس مصعب وصاحبه فلما رآه بن خالته أسعد بن زرارة مقبلا قال لمصعب أي مصعب لقد جاءك والله سيد قومه وإنه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم أحد فانظر ماذا أن تفاعل فما إن بلغهما سعد ووقف عليهما سعد تتجه إلى ابن خالته وبادره قائلا يا أبا أمامه أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما طمعت هذا مني أتغشانا في ديارنا بما نكره فبادره مصعب بن عمير بوجهه الطلق وكلمته الحلوة وقال ألا تقعد فتسمع فإن رضيت ما نقوله ورغبت فيه قبلت دعوتنا وإن كرهته تحولنا عنك الساعة فاستلان هذا الكلام قلب سعد وقال والله أنصفت هات ما عندك فانطلق مصعب فعرض الإسلام على سعد بن معاذ أحسن ما يكون العرض وقرأ عليه من القرآن ما خشع له قلبه واطمأنت إليه جوارحه وسبحت معه روحه فما لبث أن قال لمصعب كيف يصنع من أراد الدخول في هذا الخير والله ما سمعت كلاما أبر ولا أكرم من هذا الكلام ولم يبرح سيد الأوس مكانه إلا بعد أن أعلن كلمة الحق وانضم إلى ركب الإيمان أخذ سعد بن معاذ حربته وعاد أدراجه إلى نادي قومه فلما رأوه مقبلا قالوا نحلف بالله ورجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به فلما بلغ النادي قال يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا حق وأفضلنا رأيا وأكملنا عقلا قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم فما أمسى في ديار بني عبد الأشهل رجل ولمرأة إلا مسلما أو مسلمة ومنذ ذلك اليوم انتقل مصعب بن عمير أول مبشر بالإسلام انتقل إلى منزل سيد الأوس سعد بن معاذ واتخذ بيته موئلا للدعوة حتى لم تبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات وبذلك فتحت أبواب يثرب في وجوه المهاجرين من مكة فطفقوا يتوافدون عليها جماعات وفرادة ويجدون في رحابها الحماية والأمن لقد كان إسلام سعد بن معاذ خير للإسلام وبركة على المسلمين وكان له من جليل المواقف في نصرة الدعوة ما ملأ نفس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حبا له وإعجابا به ففي يوم بدر حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم لاعتراض عير قريش ما لبث أن وجد نفسه في موقف حرج ذلك أن المسلمين ما خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا للاستيلاء على قافلة لا يزيد عدد حماتها على أربعين رجلا ما تحول الأمر فجأة إلى مجابهة مع جيش اللجب يقوده العناد وتثيره الأحقاد ويدفعه التحدي ولم يكن مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا وكان عليه أن يتخذ القرار الحاسم فإما أن يعود إلى المدينة تاركا جيش المشركين يجوس خلال الديار ويباهي بقوته أمام القبائل الضاربة بين مكة والمدينة وإما أن ينازل جيش المشركين الكبير بجيشه الصغير وكان هذا القرار يتوقف على موقف الأنصار ذلك لأن جل جيشه منهم وهم الذين سيحملون عبأ المعركة على كواهلهم ثم إنهم حين بايع الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية تعهدوا له بحمايته مما يحمون منه أنفسهم وأبناءهم وأهليهم ولم يعدوه بالقتال معه خارج ديارهم عند ذلك وقف سعد بن معاذ وأعلن في كلمات حاسمة حازمة عزم الأنصار على خوض المعركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لقد آمنا بك وصدقناك وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضي يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك إنا يا رسول الله لصبر في الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك أشد السرور وأعظمه وعقد راية الأنصار لسعد بن معاذ وراية المهاجرين لعلي بن أبي طالب وفي يوم الخندق كان لسعد موقف مشهود ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام حين رأى شدة وطأة الأحزاب على أهل المدينة أراد أن يخفف عنهم ففاوض قادة غطفان على إعطائهم ثلث ثمار المدينة إذا تركوا قتال المسلمين فرضوا بذلك فلما عرف سعد بن معاذ ما يدور بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وغطفان أقبل على النبي عليه الصلاة والسلام وقال أهذا أمر تحبه فنصنعه لك أم شيء أمرك الله به فنسمع ونطيع أم هو أمر تصنعه لنا لتخفف عنا فقال عليه الصلاة والسلام بل هو أمر أصنعه لكم ووالله ما صنعته إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن يد واحدة فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان فما طمعوا أن ينالوا منا ثمرة إلا بشراء أو قرى وحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم من أموالنا والله يا رسول الله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين فسر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمقالة سعد وصرف الأمر وفي يوم الخندق هذا أصيب سعد بسهم قطع أقحله وأورده موارد الموت وفيما كان فتى الإسلام سعد بن معاذ يحتضر كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يضع رأسه في حجره ويسجيه بثوب أبيض وينظر إليه في لوعة وحزن ويقول اللهم إن سعدا جاهد في سبيلك وصدق رسولك وقضى الذي عليه فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحا فانبسطت أسارير سعد وهو يعالج سكرات الموت وفتح عينيه وقال السلام عليك يا رسول الله أما إني أشهد أنك لرسول الله ثم فاضت روحه الطاهرة سعد بن معاذ صاحب راية الأنصار في بدن