بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمهية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله شريح للقاضي رحمه الله ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرساً من رجل من الأعراب ونقده ثمنه ثم امتطا صهوته ومضابه لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلا حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري فانثنى به عائداً من حيث انطلق وقال للرجل خذ فرسك فإنه معطوب فقال الرجل لا آخذه يا أمير المؤمنين وقد بعته منك سليماً صحيحا فقال عمر اجعل بيني وبينك حكما فقال الرجل يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندي فقال عمر رضيت به احتكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وصاحب الفرس إلى شريح فلما سمع شريح مقالة الأعرابي التفت إلى عمر بن الخطاب وقال هل أخذت الفرس سليماً يا أمير المؤمنين فقال عمر نعم فقال شريح احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين أو ردك ما أخذت فنظر عمر إلى شريح معجبا وقال وهل القضاء إلا هكذا قول فصل وحكم عدل سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها لم يكن شريح بن الحارث يوم ولاه عمر القضاء رجلاً مجهول المقام في المجتمع المدني أو امرأً مغمور المنزلة بين أهل العلم وأصحاب الرأي من جلة الصحابة وكبار التابعين فقد كان أصحاب الفضل وأهل السابقة يقدرون لشريح فطنته الحادة وذكاءه الفذ وخلقه الرفيع وطول تجربته في الحياة وعمقها فهو رجل يمني الموطن كندي العشيرة قضى شطرًا غير يسير من حياته في الجاهلية فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الهداية ونفذت أشعة الإسلام إلى أرض اليمن كان شريح من أوائل المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم المستجيبين لدعوة الهدى والحق وكان عارفوا فضله ومقدروا شمائله ومزاياه يأسون عليه أشد الأسا ويتمنون أن لو أتيح له أن يفد على المدينة مبكرا ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى ولينهل من موارده الصافية المصفات مباشرة لا بالوساطة ولكي يحظى بشرف الصحبة بعد أن حضي بنعمة الإيمان وذلك يجمع الخير من أطرافه ولكنما قدر كان ولم يكن الفاروق رضوان الله عليه متعجلا حين عهد بمنصب من مناصب القضاء الكبرى لرجل من التابعين على الرغم من أن سماء الإسلام كانت يومئذ ما تزال تتألق بالنجوم الزهر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أثبتت الأيام صدق فراسة عمر وصواب تدبيره إذ ظل شريح يقضي بين المسلمين نحو من ستين عاما متتابعة من غير انقطاع وقد تعاقب على إقراره في منصبه كل من عمر وعثمان وعلي ومعاوية رضوان الله عليهم أجمعين كما أقره على ذلك من جاء بعد معاوية من خلفاء بني أمية حتى طلب الرجل إعفاءه من منصبه إبان ولاية الحجاج وكان قد بلغ السابعة بعد المائة من حياته المديدة الرشيدة الحافلة بالمفاخر والمآثر ولقد ازدان تاريخ القضاء في الإسلام ببدائع من مواقف شريح وزهى بروائع من انصياع خاصة المسلمين وعامتهم لشرع الله الذي يمثله شريح ونزولهم عند أحكامه وامتلأت بطون الكتب بطرائف هذا الرجل الفذ وأخباره وأقواله وأفعاله من ذلك أن عري بن أبي طالب رضي الله عنه افتقد درعا له كانت أثيرة عنده غالية عليه ثم ما لبث أن وجدها في يد رجل من أهل الذمة يبيعها في سوق الكوفة فلما رآها عرفها وقال هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا وفي مكان كذا فقال الذمي بل هي درعي وفي يدي يا أمير المؤمنين فقال علي إنما هي درعي لم أبيعها من أحد ولم أهبها لأحد حتى تصير إليك فقال الذمي بيني وبينك قاضي المسلمين فقال علي أنصفت فهلم إليه ثم إنهما ذهب إلى شريح القاضي فلما صار عنده في مجلس القضاء رضي الله عنه ما تقول يا أمير المؤمنين فقال لقد وجدت درعي هذه مع هذا الرجل وقد سقطت مني في ليلة كذا وفي مكان كذا وهي لم تصل إليه لا ببيع ولا هبه فقال شريح للذمي وما تقول أنت أيها الرجل فقال الدرع درعي وهي في يدي ولا أتهم أمير المؤمنين بالكذب فالتفت شريح إلى علي وقال لا ريب عندي في أنك صادق فيما تقوله يا أمير المؤمنين وأن الدرع درعك ولكن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما دعيت فقال علي نعم مولاي قمبر وولد الحسن يشهدان لي فقال شريح ولكن شهادة لابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين فقال علي يا سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فقال شريح بلى يا أمير المؤمنين غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده عند ذلك التفت علي إلى الذمي وقال خذها فليس عندي شاهد غيرهما فقال الذمي ولكني أشهد بأن الدرع لك يا أمير المؤمنين ثم أردف قائلا يا لله أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه وقاضيه يقضي لي عليه أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا لحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله اعلم أيها القاضي أن الدرع درع أمير المؤمنين وأنني اتبعت الجيش وهو منطلق إلى صفين فسقطت الدرع عن جمله الأورق فآخذتها فقال له علي رضي الله عنه أما وإنك قد أسلمت فإني وهبتها لك ووهبت لك معها هذا الفرس أيضا ولم يمضي على هذا الحادث زمن طويل حتى شوهد الرجل يقاتل الخوارج تحت راية علي في يوم النهروان ويمعن في القتال حتى كتبت له الشهادة ومن روائع شريح أيضا أن ابنه قال له يوما يا أبتي إن بيني وبين قوم خصومة فانظر فيها فإن كان الحق لي قاضيتهم وإن كان لهم صالحتهم ثم قص عليه قصته فقال له انطلق فقاضهم فمضى إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له ولما مثلوا بين يدي شريح قضا لهم على ولده فلما رجع شريح وبنه إلى البيت قال الولد لأبيه فضحتني يا أبتي والله لو لم أستشرك من قبل لما لمتك فقال شريح يا ابني والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض من أمثالهم ولكن الله عز وجل أعز علي منك لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت وقد كفل ولد لشريح رجلا فقبل كفالته فما كان من الرجل إلا أن فرى هاربا من يد القضاء فسجن شريح ولده بالرجل الفار وكان ينقل له طعامه بيده كل يوم إلى السجن وكانت الشكوك تساور شريحا أحيانا في بعض الشهود غير أنه لا يجد سبيلا لدفع شهادتهم لما توافر لهم من شروط العدالة فكان يقول لهم قبل أن يدلوا بشهادتهم إسمعوا مني هداكم الله إنما يقضي على هذا الرجل أنتم وإني لأتقي النار بكم وأنتم باتقائها أولا إن في وسعكم الآن أن تدعوا الشهادة وتمضوا فإذا أصروا على الشهادة التفت إلى الذين يشهدون له وقال إعلم يا هدا أنني أقضي لك بشهادتهم وإني لأرى أنك ظالم ولكني لست أقضي بالظن وإنما أقضي بشهادة الشهود وإن قضائي ما يحل لك شيئا حرمه الله عليك وكان الشعار الذي يردده شريح في مجالس قضائه قولة غدا سيعلم الظالم من الخاسر إن الظالم ينتظر العقاب وإن المظلوم ينتظر النصفة وإني أحلف بالله أنه ما من أحد ترك شيئا لله عز وجل ثم أحس بفقده ولم يكن شريح ناصحا لله ولرسوله ولكتابه فحسب وإنما كان ناصحا لعامة المسلمين وخاصتهم أيضا روا أحدهم قال سمعني شريح وأنا أشتكي بعض ما غمني لصديق فأخذني من يدي وانتحى بجانبا وقال يا ابن أخي إياك والشكوى لغير الله عز وجل فإن من تشكو إليه لا يخلو أن يكون صديقا أو عدوا فأما الصديق فتحزنه وأما العدو فيشمت بك ثم قال أنظر إلى عيني هذه وأشار إلى إحدى عيني فوالله ما أبصرت بها شخصا ولا طريقا منذ خمس عشرة سنة ولكني ما أخبرت أحدا بذلك إلا أنت في هذه الساعة أما سمعت قول العبد الصالح إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فاجعل الله عز وجل مشكاك ومحزنك عند كل نائبة تنوبك فإنه أكرم مسؤول وأقرب مدعو وقد رآ ذات يوم رجلا يسأل آخر شيئا فقال له يا ابن أخي من سأل إنسانا حاجة فقد عرض نفسه على الرق فإن قضاها له المسؤول فقد استعبده بها وإن رده عنها رجع كلاهما ذليلا هذا بذل البخل وذاك بذل الرد فإذا سألت فاسأل الله وأذا استعنت فاستعن بالله واعلم أنه لا حول ولا قوة ولا عون إلا بالله وقد وقع بالكوفة طاعون فخرج صديق لشريح منها إلى النجف يبتغي المهرب من الوباء فكتب إليه شريح أما بعد فإن الموضع الذي تركته لا يقرب حمامك ولا يسلب منك أيامك وإن الموضع الذي صرت إليه في قبضة من لا يعجزه طلب ولا يفوته هرب وإنا وإياك لعلا بساط ملك واحد وإن النجف من ذي قدرة لقريب وكان شريح إلى ذلك كله شاعرا قريب المأخذ حلو الأداء طريف الموضوعات روي عنه أنه كان له صبي في نحو العاشرة من عمره وكان الصبي مؤثرا له مولعا باللعب فافتقده ذات يوم فإذا هو قد ترك الكتاب ومضى يتفرج على الكلاب فلما عاد إلى المنزل سأله أصليت فقال لا فدعى بقرطاس وقلم وكتب إلى مؤد به يقول ترك الصلاة لأكلوب يسعى لها يبغي الهراش مع الغوات الرجس فليأتي أنك غدوة بصحيفة كتبت له كصحيفة المتلمس فإذا أتاك فداوه بملامة أوعظه موعظة الأديب الكيس وأذا هممت بضربه فبدرة وأذا بلغت ثلاثة لك فحبس واعلم بأنك ما أتيت فنفسه مع ما يجرعني أعز الأنفس رضي الله عن الفاروق فقد زان مفرق القضاء في الإسلام بلؤلؤة كريمة الأعراق صافية الجوهر رائعة المجتلى وحب المسلمين مصباحا منيرا ما زالوا حتى اليوم يستضيئون بسنافقه لشرع الله ويهتدون بنور فهمه لسنة رسول الله ويباهون به الأمم يوم القيامة ورحم الله شريحا القاضي فقد أقام العدل بين الناس ستين عاما فما حاف على أحد ولا حاد عن حق ولا ميز بين ملك وسوقه قيل لشريح بأي شيء أصبت هذا العلم فقال بمذاكرة العلماء آخذ منهم وأعطيهم سفيان الأوسي حيث إذا سعى أو قال كانوا هنا يسقون غيم حياتنا فمو وفينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الضمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالرعالهم وزهت بهم الأنا