رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب الصدق قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين وقال تعالى والصادقين والصادقات وقال تعالى فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق عليه البر هو اسم جامع لكل الخيرات يهدي أي يرشد ويوصل الفجور أي الاعمال السيئة من فوائد الحديث الترغيب في الصدق لأنه سبب كل خير التحذير من الكذب والتساهل فيه لأنه سبب كل شر من تحر الصدق صار سجية له ومن قصد الكذب صار خلقا له من اشتهر بشيء صح أن يوصف به الأخلاق الفاضلة تكتسب بالتخلق والتحري فإن النفس تتأثر بتعاطي أسباب الخير وتتغير طباعها والعكس بالعكس الأعمال الصالحة مستقرها في جنات النعيم والأعمال السيئة محلها سواء الجحيم الصدق يكون بالقول المطابق للواقع وبالفعل في أدائه على أحسن وجه وعن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدقة مأنينة والكذب ريبة رواه الترمذي قوله يريبك معناه أترك ما تشك في حله وعدل إلى ما لا تشك فيه من فوائد الحديث من الورع الوقوف عند الشبهات والمشتبهات فإن الحلال المحضى لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله وتشابهت في التقا والورع أعماله أما من ينتهي كل محرمات الظاهرة ويتورع عن دقائق الشبه فهذا ورع بارد وتهوك زائد استحباب التنزه عن الشبهات والإقدام على ما هو حلال بين لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه الصدق يبعث في نفس صاحبه الطمأنينة في القلب والشجاعة وعزة النفس وثقة الناس به والكذب يبعث في نفس صاحبه الشك والتردد والخوف والذُّلا والهوان والصغار وعدم الثقة بين الناس الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه فما سكن إليه القلب وانشرح إليه الصدر فهو البر والحلال وما كان خلاف ذلك فهو الإثم والحرام وعن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصته رقل قال هرقل فماذا يأمركم يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان قلت يقول أعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة واتفق عليه هرقل هو ملك الروم ولقبه قيصر العفاف أي الكف عن المحارم وخوارم المروأ الصلة صلة الأرحام وكل ما أمر الله به أن يوصل وذلك بالبر والإكرام وحسن المراعا ما يقوله آباؤكم أي جميع ما كانوا عليه في أمور الجاهلية أما مكارم الأخلاق فقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمها قصة هرقل أي قصته لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه للإسلام وكان ذلك سنة ست من الهجرة من فوائد الحديث ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم للصدق وشهرته به وأمره به وشهادة الأعداء له بذلك رأس هذا الدين التوحيد لأنه منبع الفضائل الرسل جميعا أرسلوا من أجل بيان التوحيد الحق واقتلاع الشرك وإزالته الله سبحانه يأمر بكل ما يصلح البشر ويعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة التنفير من التقليد الأعمى للآباء أو السادة والكبراء وبخاصة في أمور الدين الحديث يدل بعمومه على شمول رسالة الإسلام فقد ذكر التوحيد والإيمان والأحكام والأخلاق وهذه أركان حياة العباد وعن أبي ثابت وقيل أبي سعيد وقيل أبي الوليد سهل بن حنيف وهو بدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه رواه مسلم بدري أي شهد غزوة بدر منازل الشهداء أي درجاتهم عند الله من فوائد الحديث صدق القلوب سبب لبلوغ المطلوب وأن من نوى شيئا من أعمال البر أثيب عليه وإن لم يقدر عليه أو باشره ولم يتم استحباب طلب الشهادة والإخلاص في ذلك فإن العبد ينال مرتبتها إذا تمناها بصدق إكرام الله لهذه الأمة فهو يعطيها بقليل من العمل أعلى الدرجات في الجنة الشهادة بصدق هي أن تكون لإعلاء كلمة الله تعالى ونيل مرضاته لا لغرض آخر وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غزى نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع مرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها ولا أحد بنا بيوتا لم يرفع سقوفها ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزى فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت يعني النار لتأكلها فلم تطعمها فقال إن فيكم غلولا فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلك فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده فقال فيكم الغلول فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها فجاءت النار فأكلتها فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا متفق عليه والخلفات جمع خلفة وهي الناقة الحامل نبي هو يوشع بن نون لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليال سار إلى بيت المقدس بضع يطلق على الفرج والنكاح والجماع يبن بها أي يدخل بها لم تطعمها أي لم تذق طعمها الغلول الخيانة في الغنيمة من فوائد الحديث شهوات الدنيا تدعو النفس إلى الهلع ومحبة البقاء ولذلك نهى يوشع قومه عن اتباعه على أحد هذه الأحوال لأن أصحابها يكونون متعلق النفوس بهذه الأسباب فتضعف عزائمهم وتفتر رغباتهم في الجهاد والشهادة الأمور الهامة لا ينبغي أن تفوض سياستها إلا لحازم فارغ البال ولذلك كان مقصود النبي تفرغهم من العوائق والأشغال ليقبلوا على الجهاد بنية صادقة وعزم حازم ينبغي كفاية المجاهدين أمور الدنيا ليتفرغوا للجهاد بصدق ثبوت المعجزات للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان من علامة قبور الغنائم وعدم وجود الغلول فيها أن تأتي نار من السماء فتأكلها وهذا فيما مضى ولكن في الإسلام أباح الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الغنائم وكان هذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام ستر الله هذه الأمة ورحمها بخلاف الأمم السابقة فقد كان من يفعل غلولا أو معصية يفضحه الله معاقبة الجماعة بفعل سفهائها ولذلك كان من دعاء المؤمنين ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وعن أبي خالد حكيم بن حزامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرق فإن صدق وبين بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما متفق عليه البيعان أي البائع والمشتري بالخيار اسم من الاختيار والتخيير وهو طلب خير الأمرين من الفسخ والإجازة وهذا ما يسمى خيار المجلس فإن صدق أي فيما يخبران به البائع في البيع والمشتري في الثمن بينا أي أظهر البائع والمشتري ما في المبيع والثمن من عيب ونحوه بورك لهما أي في بيعهما وشرائهما وذلك بكثرة الخير والبركة وتسهيل الأسباب المفضية لزيادة الربح كتما أي أخفي ما في السلعة والثمن من العيوب محقت بركة بيعهما أي ذهبت فلم يحصل إلا على مجرد التعب من فوائد الحديث ثبوت خيار المجلس للمتبايعين وجوب إظهار العيب في السلعة وحرمة إخفائه فإذا ظهر العيب كان له الخيار في فسخ البيع ما عند الله لا يتم حصوله إلا بالعمل الصالح شؤم المعاصي على أصحابها فهي تذهب بخير الدنيا والآخرة الصدق في التجارة مطلب عال لا يصبر عليه إلا ذو حظ عظيم وهو مصدر البركة والنماء رياض الصالحين