بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نسطر حظوفا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدي باب ما جاء في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وبالمدينة عشرا وتوفي وهو ابن ثلاث وستين في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وبالمدينة عشرة سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وهذه الرواية هي أصح الروايات الواردة في قدر عمر النبي صلى الله عليه وسلم ويستفاد من هذا الحديث أن مدة الوحي كان ثلاث وعشرين سنة ويستفاد منه أيضا أن عمر النبي صلى الله عليه وسلم كان ثلاثا وستين سنة وعن جرير أنه سمع معاوية رضي الله عنه يخطب فقال مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين وأبو بكر وعمر وأنا ابن ثلاث وستين في هذا الحديث أن معاوية رضي الله عنه خطب ذات يوم فقال مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة وأبو بكر وعمر أي كذلك كل منهما مات وعمره ثلاث وستون سنة وقوله وأنا ابن ثلاث وستين أي وأنا كذلك الآن ابن ثلاث وستين ولعله توقع أن يموت في هذا السن موافقة لهم ولكنه لم يمت إلا وهو قريب من الثمانين رضي الله عنه ويستفاد من هذا الحديث حب الصحابي الجليل معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما أن يوافق عمره عمر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وذلك من محبته لهم وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو ابن ثلاث وستين سنة وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما تخالف روايته الأولى فهي شاذة أو مؤولة باب ما جاء في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنهى المصنف رحمه الله ما أراد ذكره من شمائر نبينا صلى الله عليه وسلم عقد هذه الترجمة ليسوق من خلالها ذلكم الخطب الجسيم والفاجعة العظيمة والمصيبة المهولة التي فجع بها الناس وأصيبوا بها ألا وهي وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فإنها أعظم المصائب وأكبرها قال ابن عبد البر رحمه الله المصيبة به صلى الله عليه وسلم أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة انقطع الوحي وماتت النبوة عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشفوا الستارة يوم الاثنين فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف والناس خلف أبي بكر فكاد الناس أن يضطربوا فأشار إلى الناس أن اثبتوا وأبو بكر يأمهم وألقى السجف وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم في هذا الحديث بيان أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في يوم الاثنين حيث اشتد به المرض ذلك اليوم فلم يستطع الخروج للصلاة فصل الناس فجر ذلك اليوم خلف أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفتح الستارة صلى الله عليه وسلم فرأى أصحابه منتظمين صفوفا خاضعين لله تعالى عابدين له فلما رأاهم على هذه الحال تبسم كما جاء في صحيح مسلم ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا أي غبطا وفرحا وسرورا وقول أنس رضي الله عنه آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كانت في ذلك اليوم عندما كشف الستارة وهي الستر الذي يكون على باب البيت والدار وقول نظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف عبارة عن الجمال البارع وحسن البشر وصفاء الوجه واستنارته فقد كان صلى الله عليه وسلم من أجمل الناس وأحسنهم خلقا وقوله والناس خلف أبي بكر أي في الصلاة بأمره صلى الله عليه وسلم فلما رأى الناس النبي صلى الله عليه وسلم كادوا أن يضطربوا أي يقطعوا الصلاة من كمال الفرح بطلعته المشعرة بعافيته فأشار صلى الله عليه وسلم إلى الناس أن اثبتوا أي كونوا ثابتين كما أنتم عليه من الصلاة والقيام في الصف وأبو بكر يأمهم فصلّى بهم تلك الصلاة وكانت صلاة الفجر وقوله وألقى السجف أي أرخى الستر وهي الستارة ولا تسمى سجفا إلا أن تكون مشقوقة الوسط وقوله وتوفي رسول الله من آخر ذلك اليوم أي من آخر يوم الاثنين قال ابن رجب رحمه الله لما ارتفع الضحى من ذلك اليوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة حين هاجر إليها وعن عائشة رضي الله عنها قالت كنت مسندة النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدري أو قالت إلى حجري فدعى بطست ليبول فيه ثم بال فمات في هذا الحديث بيان فضل عائشة رضي الله عنها حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم مات في يومها وهي مسندته إلى صدرها وقد خال طريقه ريقها قبح الله من يطعن فيها وقوله فدعى بطست ليبول فيه ثم بال فمات الطست هو إناء مستدير من نحاس أو نحوه قضى فيه النبي صلى الله عليه وسلم حاجته ثم مات وعن عائشة رضي الله عنها قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم أعني على منكراتي أو قال على سكرات الموت جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده وقولها رضي الله عنها رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت أي مشغول ومتلبس به وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح أي يغمس يده في القدح وهو الإناء ثم يمسح وجهه بالماء وذلك لدفع حرارة الموت ويقول اللهم أعني على منكراتي أو سكرات الموت وهي شدائده وغصصه وفي تشديد الموت على الأنبياء فائدتان إحداهما تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم والثانية أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت ويستفاد من الحديث أن شدة الموت لا تدل على نقص في المرتبة بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته وإما تكفير لسيئاته وعن عائشة رضي الله عنها قالت لا أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لو أنها علمت أن أحدا مات ميتة لا تنسهل ليس فيها وجع ولا ألم ولا تعب لم تكن لتغبطه ولا لتتمنى ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أصابه في لحظاته الأخيرة عند موته شدة ووجع شديد وهو أفضل عباد الله وخير خلق الله فهون الموت وسهولته ليس من المكرمات لأن صلى الله عليه وسلم أولى الناس به ومرادها بذلك إزالة ما تقرر في النفوس من تمني سهولة الموت وعن عائشة رضي الله عنها قالت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسيته قال ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه ادفنوه في موضع فراشه في هذا الحديث تقول عائشة رضي الله عنها لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اي لما تحققت وفاته اختلفوا في دفنه اي اختلف الصحابة رضي الله عنهم في اي موضع يدفن فقيل يدفن في البقيع بين اصحابه وقيل يدفن بمكة وقولها فقال أبو بكر سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه فزال الخلاف بين الصحابة وهكذا السنة يزول بها الخلاف وتجتمع عليها قلوب المؤمنين فدفنوه صلى الله عليه وسلم في موضع فراشه قال الحافظ ابن كثير رحمه الله قد علم بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية القبلية من الحجرة ثم دفن فيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما وعن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما أن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعدما مات كان أبو بكر رضي الله عنه في بيته في العالية فأرسلوا إليه يجتمعون حول بيت عائشة فطلب أن يفسح له الطريق فدخل والنبي صلى الله عليه وسلم مغطى فكشف الغطاء عن وجهه فعرف أنه صلى الله عليه وسلم قد مات فأكب عليه وقبله ثم بكى وقال بأبي أنت وأمي طبت حيا وميت والذي نفسي بيده لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها وفي الحديث جواز تقبيل الميت مثل أن يقبل الإنسان جبه توالده أو أمه أو عالم بعد وفاته على سبيل التوديع له وعن عائشة رضي الله عنها أبا بكر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عيني ووضع يديه على ساعديه وقال وا نبيا وا صفيا وا خليلا هذا الحديث بمعنى الحديث الذي قبله وفيه زيادة وهي أن أبا بكر رضي الله عنه ووضع يديه على ساعديه كأنه يضم ثم قال هذه الكلمات وا نبيا وا صفيا وا خليلا وهذه كلمات تألم وتوجع لفقد النبي صلى الله عليه وسلم للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله أحبه أجمعين