بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صور من حياة الصحابيات للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله اسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما صحابيتنا هذه جمعت المجد من أطرافه كلها فأبوها صحابي وجدها صحابي وأختها صحابية وزوجها صحابي وابنها صحابي وحسبها بذلك شرفا وفخرا أما أبوها فالصديق خليل الرسول الكريم في حياته وخليفته من بعد مماته وأما جدها فأبو عتيق والد أبي بكر وأما أختها فأم المؤمنين عائشة الطاهرة المبرأة وأما زوجها فحواري رسول الله الزبير بن العوام وأما ابنها فعبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعنهم أجمعين إنها بإيجاز أسماء بنت أبي بكر الصديق وكفى كانت أسماء من السابقات إلى الإسلام إذ لم يتقدم عليها في هذا الفضل العظيم غير سبعة عشر إنسانا من رجل وامرأه وقد لقبت بذات النطاقين لأنها صنعت للرسول صلوات الله وسلامه عليه ولي أبيها يومها جلائل المدينة زادا وأعدت لهم سقاء فلما لم تجد ما تربطهما به شقت نطاقها شقين فربطت بأحدهم المزود وبالثاني السقاء فدعا لها النبي عليه الصلاة والسلام أن يبدلها الله منهما نطاقين في الجنة فلقبت لذلك بذات النطاقين تزوج بها الزبير بن العوام وكان شابا مرملا ليس له خادم ينهض بخدمته أو مال يوسع به على عياله غير فراس اقتناها فكانت له نعم الزوجة الصالحة تخدمه وتسوس فرسة وترعاه وتطحن النوى لعلفه حتى فتح الله عليه فغدا من أغنى أغنياء الصحابة ولما أتيح لها أن تهاجر إلى المدينة فرارا بدينها إلى الله ورسوله كانت قد أتمت حملها بابنها عبدالله بن الزبير فلم يمنعها ذلك من تحمل مشاق الرحلة الطويلة فما إن بلغت قباء حتى وضعت وليدها فكبر المسلمون وهللوا لأنه كان أول مولود يولد للمهاجرين في المدينة فحملته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعته في حجره فأخذ شيئا من ريقه وجعله في فم الصبي ثم حنكه ودعاله فكان أول ما دخل في جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اجتمع لأسماء بنت أبي بكر من خصائر الخير وشمائر النبل ورجاحة العقل ما لم يجتمع إلا للقليل النادر من الرجال فقد كانت من الجود بحيث يضرب بجودها المثل حدث ابنها عبد الله قال ما رأيت مراتين قط أجود من خالته عائشة وأمه أسماء لكن نجودهما مختلف أما خالتي فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها ما يكفي قسمته بين ذوي الحاجات وأما أمي فكانت لا تمسك شيئا إلى الغد وكانت أسماء إلى ذلك عاقلة تحسن التصرف في المواقف الحرجة من ذلك أنه لما خرج الصديق مهاجرا بصحبة رسول الله حمل معه ماله كله ومقداره ستة آلاف درهم ولم يترك لعياله شيئا فلما علم وارده أبو قحافة برحيله وكان ما يزال مشركا جاء إلى بيته وقال لأسماء والله إني لأراه قد فجعاكم بماله بعد أن فجعاكم بنفسه فقالت له كلا يا أبتي إنه قد ترك لنا مالا كثيرا ثم أخذت حصا ووضعته في الكوة التي كانوا يضعون فيها المال وألقت عليه ثوبا ثم أخذت بيد جدها وكان مكفوف البصر وقالت يا أبتي انظر كم ترك لنا من المال فبضع يده عليه وقال لا بأس إذا كان ترك لكم هذا كله فقد أحسن وقد أرادت بذلك أن تسكن نفس الشيخ وأن لا تجعله يبذل لها شيئا من ماله ذلك لأنها كانت تكره أن تجعل لمشرك عليها يدا حتى لو كان جدها وإذا نسي التاريخ لأسماء بنت أبي بكر مواقفها كلها فإنه لن ينسى لها رجاحة عقلها وشدة حزمها وقوة إيمانها وهي تلقى ولدها عبدالله اللقاء الأخير وذلك أن ابنها عبدالله بن الزبير بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية ودانت له الحجاز ونصر والعراق وخراسان وأكثر بلاد الشام لكن بني أميت ما لبثوا أن سيروا لحربه جيشا لجبا بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي فدارت بين الفريقين معارك طاحنة أظهر فيها ابن الزبير من ضروب البطولة ما يليق بثارس كمي مثله غير أن أنصاره جعلوا ينفضون عنه شيئا فشيئا فلجأ إلى بيت الله الحرام واحتما هو ومن معه في حم الكعبة المعظمة وقبيل مصرعه بساعات دخل على أمه أسماء وكانت عجوزا فانية قد كف بصرها فقال السلام عليك يا أمه ورحمة الله وبركاته فقالت وعليك السلام يا عبدالله ما الذي أقدمك في هذه الساعة والصخور التي تقذفها من جنيقات الحجاج على جنودك في الحرم تهز دور مكة هزى قال جئت لأستشيرك قالت تستشيرني في ماذا قال لقد خذلني الناس وانحازوا عني رهبة من الحجاج أو رغبة بما عنده حتى أولادي وأهل فضوا عني ولم يبق معي إلا نفر قليل من رجالي وهم مهما عظم جلدهم فلن يصبروا إلا ساعة أو ساعتين ورسل بني أمية يفاوضونني على أن يعطوني ما شئت من الدنيا إذا أنا ألقيت السلاح وبايعت عبد الملك بن مروان فما ترين فعلى صوتها وقالت الشأن شأنك يا عبدالله وأنت أعلم بنفسك فإن كنت تعتقد أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر وجارد كما صبر أصحابك الذين قتلوا تحت رايتك وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت رجالك قال ولكني مقتولني اليوم لا محالة قالت ذلك خير لك من أن تسلم نفسك للحجاج مختارا فيلعب برأسك غلمان بني أمية قال لست أخشى القتل وإنما أخاف أن يمثل بي قالت ليس بعد القتل ما يخافه المر فالشات المذبوحة لا يؤلمها السلخ فأشرقت أسارير وجهه وقال بوركت من أم وبوركت مناقبك الجليلة فأنا ما جئت إليك في هذه الساعة إلا لأسمع منك ما سمعت والله يعلم أنني ما وهنت ولا ضعفت وهو الشهيد علي أنني ما قمت بما قمت به حباً بالدنيا وزينتها وإنما غضباً لله أن تستباح محارمه وهنا ذا ماض إلى ما تحبين فإذا أنا قتلت فلا تحزني علي وسلمي أمرك لله قالت إنما أحزن عليك لو قتلت في باطل قال كوني على ثقة بأن ابنك لم يتعمد إتيان منكر قط ولا عمل بفاحشة قط ولم يجر في حكم الله ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ولم يكن شيء عنده آثر من رضى الله عز وجل لا أقول ذلك تزكيةً لنفسي فالله أعلم مني بي وإنما قلته لأدخل العزاء على قلبك فقالت الحمد لله الذي جعلك على ما يحب وأحب اقترب مني يا بني لأتشمم رائحتك وألمس جسدك فقد يكون هذا آخر العهد بك فأكب عبد الله على يديها ورجليها يوسعهما لثما وأجالت هي أنفها في رأسه ووجهه وعنقه تتشممه وتقبله وأطلقت يديها تتلمس جسده ثم ما لبثت أن ردتهما عنه وهي تقول ما هذا الذي تلبسه يا عبد الله قال درعي قالت ما هذا يا بني لباس من يريد الشهادة قال إنما لبستها ليطيب خاطرك وأسكن قلبك قالت انزعها عنك فذلك أشد لحميتك وأقوال وثبتك وأخف لحركتك ولكن لبس بدلا منها سراويل مضاعفة حتى إذا صرعت لم تنكشف عورتك نزع عبد الله بن الزبير درعه وشد عليه سراويله ومضائل الحرم لمواصلة القتال وهو يقول لا تفتري عن الدعاء لي يا أمة فرفعت كفيها إلى السماء وهي تقول اللهم رحم طول قيامه وشدة نحيبه في سواد الليل والناس نيام اللهم رحم جوعه وضمأه في هواجر المدينة ومكة وهو صائم اللهم رحم بره بأبيه وأمه اللهم إني قد سلمته لأمرك ورضيت بما قضيت له فأثبني عليه ثواب الصابرين لم تغرب شمس ذلك اليوم إلا كان عبد الله بن الزبير قد لحق بجوار ربه ولم يمضي على مصرعه غير بضعة عشر يوما إلا كانت أمه أسماء بنت وابي بكر قد لحقت به وقد بلغت من العمر مئة عام ولم يسقط لها سن ولا ضرس ولم يغب من عقلها شيء عمرت أسماء مئة عام ولم يسقط لها سن ولا ضرس ولم يغب من عقلها شيء المؤرخون ولم يسقط لها سن