بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ جَمْعِيَّةُ مَوَدَّةٍ تُقَدِّمْ حَدَثَ فِي رَمَدَةٍ لِعَدِّ الرَّحْمَانِ رَأْفَةِ الْبَاشَى أعظم مؤتمر للشورة عرفه تاريخ الإسلام في السنة الثانية للهجرة وفي شهر رمضان المبارك عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطر مؤتمر للشورة عرفه تاريخ المسلمين ولهذا المؤتمر التاريخي الكبير قصة لا تنساها ذاكرة الزمان ففي أوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة عرف الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن أبا سفيان بن حرب قد خرج من مكة إلى الشام في تجارة كبيرة فبادر النبي صلوات الله وسلامه عليه في مئتي مقاتل من أصحابه لاعتراض القافلة ولكن أبا سفيان تمكن من النجاة وتابع طريقه إلى الشام ظل المسلمون يترقبون عودة القافلة بقلوبٍ يقظة وعيونٍ مفتوحة حتى جاءهم الخبر اليقين بعودة أبي سفيان من الشام على رأس قافلة فيها ألف بعير وكانت الجمال موقرة بأغلى نفائس الشام مما تحبه قريش وتؤثره إنها لفرصة ذهبية سانحة ستتيح للمسلمين أن يثأروا لأموال المهاجرين التي صادرها الكفار من قريش إثر الهجرة وأن يظفروا بما يقابل الثروات التي خلفوها في مكة حين خرجوا من ديارهم وفروا إلى الله ورسوله بدينهم ثم إن ذلك سيتيح لهم أن يضربوا معسكر الشرك ضربةً اقتصاديةً قاصمة فلم تكن أموال هذه القافلة وقفاً على الأغنياء وحدهم وإنما كانت لجل للناس ولم تكن شيئاً قليلا وإنما كانت ألف جملٍ محملةً بأجود ما تستورده الحجاز من الشام ولم يكن مع هذه القافلة العظيمة إلا أربعون رجلاً يتولون حفظها ويقومون بحمايتها لم يستنفر الرسول صلوات الله وسلامه عليه سائر أصحابه ولم يلزمهم بالخروج معه وإنما كان نداؤه لهم أدنى إلى الترغيب وأقرب إلى الاستحسان فما زاد على أن قال لهم هذه عير قريش فيها أموالهم فخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها فتخلف عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من تخلف وتابعه من تابع من غير إنكار على المتخلفين فما كان الاستيلاء على عير قريش يحتاج إلى جيش وفير وجمع كثير خرج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث مئة وسبعة عشر رجلا من أصحابه فيهم مئتان وواحد وثلاثون رجلا من الأنصار وستة وثمانون رجلا من المهاجرين وكان معهم سبعون بعيرا وفرسان لكل ثلاثة أو أربعة بعير يتعاقبون عليه وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتعاقب على بعير واحد مع مرثد بن أبي مرثد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فرغب شريك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالتنازل له عن حصتيهما في ركوب البعير وقال له نحن نمشي عنك يا رسول الله فقال صلوات الله عليه وسلامه ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر وأبى إلا أن يكون نصيبه في ركوب البعير كنصيب أي منهما عرف أبو سفيان أن محمدا وأصحابه قد خرجوا له فأرسل رسولا إلى مكة يطلب منها النجدة ويدعوها لاستنقاذ القافلة وحمايتها من الوقوع في قبضة المسلمين وما إن بلغ رسول أبي سفيان مكة حتى وقف في أعالي أباطحها على ظهر بعيره وقد حول رحله وشق رداءه وجعل يصرف بأعلى صوته يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه لا أرى أنكم تدركونها البدار البدار والغوث الغوث هبت جميع قبائل قريش لنجدة أبي سفيان ووجد المشركون في ذلك فرصة سانحة للقضاء على محمد ودين محمد فجهزوا للقاء الرسول صلى الله عليه وسلم جيشا عظيما ضم زعماء قريش وأقيالها واشتمر على صناديد مكة وأبطالها واشترك في تجهيزه الموسرون وأمده بالرجال المعسرون ثم انطلق الجيش الكبير ميمما وجهه شطر بدر لينقذ القافلة من يدي محمد ويقضي على الإسلام ويفتك بالمسلمين لقد اقترب أبو سفيان من بدر أشد القرب وكان يعسكر عليها جيش المسلمين وبينما هو يسعى إلى حتفه بظلفه إذ طالعه رجل يدعى مجدي بن عمر فسأله عن جيش محمد فقال مجدي لأبي سفيان إني لم أقف في هذه الأرض على شيء أنكره إلا أنني رأيت رجلين أناخا راحلتيهما إلى جانب هذا التل ثم استقيا من مائه وانطلقا في هذا الطريق أسرع أبو سفيان إلى مناخ راحلتين وتناول بعرات من فضلاتهما وفت البعرات بيديه فوجد فيها نوى التمر فقال هذه علائف يثرب ورب الكعبة وتأكد لديه أن الرجلين من أصحاب محمد عند ذلك إنحرف أبو سفيان بالقافلة عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجعل يجد في السير حتى جاوز منطقة الخطر وبلغ مكانا لا تناله فيه يد محمد وأصحابه ثم أرسل أبو سفيان إلى قريش يعلمها بنجاة القافلة وينصحها بالعودة من حيث أتت وعدم التصدي لقتال المسلمين لكن أبا جهل أخزاه الله أبا أن يأخذ بنصيحة أبي سفيان وأصر على مواصلة السير حتى يلقى محمدا وأصحابه عرف الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن عير أبي سفيان قد نجت وبلغه ما هو أخطر من ذلك بلغه أن جيش مكة بقيادة أبي جهل مصمم على لقاء المسلمين عازم على حربهم وأن نجاة القافلة لن تمنعه من مواصلة الزحف إلى بدر والبطش بالمسلمين وجد الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ملزما بأن يتخذ قرارا حاسما فإما أن يعود إلى يثرب بصحابته الذين لا يزيد عددهم على ثلاث مئات إلا قليلا تاركا جيش المشركين يجوس خلال الديار ويظهر قوته أمام القبائل الضاربة بين مكة والمدينة وإما أن ينازل جيش المشركين الكبير بجيشه الصغير بيد أن اتخاذ مثل هذا القرار الخطير لا بد له من مؤتمر كبير يشترك فيه الجيش وقادته فالمسلمون ما خرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا للاستيلاء على قافلة لا يزيد عدد حماتها على أربعين رجلا ثم تحول الأمر فجأة إلى مجابهة مع جيش اللجب يقوده العناد وتثيره الأحقاد ويدفعه التحدي وفي منتصف رمضان على الأرجح إن عقد على الرمال المتربعة على كتف وادي ذفران أعظم مؤتمر للشورى عرفه تاريخ الإسلام ليقطع في أكبر أمر عرض للمسلمين في فجر الدعوة كان أول المتحدثين في المؤتمر الخطير أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال وأحسن ثم تلاه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتكلم وأجاد ثم تبعهم المقداد بن عمر رضي الله عنه فقال يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتل إنا ها هنا قاعدون ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتل إنا معكما مقاتلون فسر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لمقالته لكنه ما زال يريد أن يسمع من غيره فلم يكن بين الذين تكلموا جميعا واحد من الأنصار وما كان الرسول صلى الله عليه وسلم ليقطع في هذا الأمر من دونهم ذلك لأن أكثرية جيشه منهم وهم الذين سيحملون عبء المعركة على كواهلهم ثم إنهم حين بايع الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية تعهدوا له بحمايته مما يحمون منه أنفسهم وأبناءهم وأهليهم ولم يعدوه بالقتال معه خارج ديارهم أدرك الأنصار أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه راغب في لقاء المشركين وأنه لا يريد أن يقطع في ذلك إلا برأيهم فقام سيدهم سعد بن معاذ وأعلن في كلمات حاسمة حازمة عزم الأنصار على خوض المعركة مع نبيهم فقال مخاطبني الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد آمنا بك يا رسول الله وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فانضي يا رسول الله لما أرد فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا يا رسول الله لصبر في الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله حسمت هذه الكلمات الحازمات الأمر وظهر على وجه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم السرور والبشر وأمر الجيش الإسلامي بالتوجه إلى لقاء عدو الله وعدوه ثم خاطب المسلمين قائلا سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لك أني أنظر إلى مصارع القوم وتحرك الجيش نحو بدر وهناك التق الجمعان جمع قليل بعدده وعدده كثير بإيمانه ويقينه وجمع غفير بعدده وفير بعدده قليل بكفره وجحوده ودارت بين الفريقين رحى حرب دروس دافع فيها المؤمنون عن إيمانهم وناضل فيها المشركون عن كفرهم إلى أن كتب الله لجنده النصر والغنيمة وكتب لجند الله والعزى الخيبة والهزيمة ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز