بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلامِ وَقَرِّيْ عَيْنًا يَا مَرْيَمَ بعد أن ولدت مريم عليه السلام بعيسى عليه السلام بدأت المخاوف تنتابها أكثر ولذلك قالت عند الولادة يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا هذه المخاوف تتركز في كيفية مواجهة قومها ماذا ستقول لهم وماذا سيظنون بها هذه المواجهة تحتاج إلى هدوء نفسي حتى تعرف ماذا تقول وكيف تتصرف كما تحتاج إلى قوة نفسية تمتص ظنونهم بها أيًّا كانت هذه الظنون والتي لا يتوقع أن تكون ظنونا حسنة وتمتص كلامهم الجارح الذي قد يوجه إليها لذلك لا بد أن تكون مريم عليه السلام مطمئنة عند مواجهة قومها فمريم عليه السلام بحاجة إلى أمرين لتطمئن نفسها وتتمالك في مواجهة قومها الأول الراحة البدنية بعد الولادة فإن الجسد إذا كان متعبا صعب عليه التفكير والتركيز والمرأة بعد الولادة بحاجة إلى ما يقوي بدنها لتعود لها صحتها وتقوى على التفكير والتركيز فيما تقول وتفعل لذلك قال لها وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول تعالى ذكره فكلي من الرطب الذي يتساقط عليك واشربي من ماء السري الذي جعله ربك تحتك لا تخشي جوعا ولا عطشا وقري عينا يقول وطيبي نفسا وفرح بولادتك إيايا ولا تحزني ونصبت العين لأنها هي الموصوفة بالقرار وإنما معنى الكلام والتقرر عينك بولدك وقال أبو زهرة رحمه الله فكلي واشربي وقري عينا فكلي من الرطب الجني واشربي من الجدول السري وقري عينا بما وهبك الله تعالى من غلام زكي وقرار العين سكونها وإن الإنسان في اترابه وخوفه تدور عينه ولا تستقر فكنا بقرار العين عن السكون ولطمئنان فقرار العين يعلن عن قرار النفس والأمر بقرار العين وإن لم تكن تحت سلطان الإرادة أمر بطمئنان النفس وإبعاد الهواجس المخيفة وألا تتوقع سوء لأن الله معها وقامت الخوارق الدالة على أنه سبحانه وتعالى معها ومن كان الله معه فإنه يجب أن يكون مطمئنا قرير العين والنفس فأرشدها إلى ثلاثة أمور لتحقق الأمر الأول وهو راحة البدن وهي أولاً الأكل من الرطب المتساقط من النخلة بعد هزها لها وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن خير ما تطعمه النفسى الرطب قالوا لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريما وقت نفاسها بعيسا قال الطاهر بن عاشور رحمه الله والرطب تمر لم يتم جفافه والجني فعيل بمعنى مفعول أي مجتنى وهو كناية عن حدثان سقوطه أي عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته كان أطيب طعمه ثانياً الشرب من الماء المعين ومعين أي ماء طاهر ثر ثارثاً الفرح والسرور بالمولود قال السعدي رحمه الله فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة وحصول المأكل والمشرب الهني الأمر الثاني الذي تحتاجه مريم لتطمئن نفسها هو الكلام والحجة التي ستواجه بها قومها قد تكون نفس مريم عليه السلام مشغولة بالتفكير في ماذا ستقول لقومها فجاءها الإرشاد إلى عكس ما يدور في نفسها وما يشغل بالها جاء الإرشاد لها أن تصمت ولا تتكلم بل تتعبد الله بالصمت عن الكلام مع البشر قال لها فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسألك عن شيء من أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتك فقولي إني نذرت للرحمن صوما يقول فقولي إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أكلم أحدا من بني آدم اليوم وقال ابن كثير رحمه الله وقوله فإما ترين من البشر أحدا أي مهما رأيت من أحد فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا المراد بهذا القول والإشارة إليه بذلك لا أن المراد به القول اللفظي لألا ينافي فلن أكلم اليوم إنسيا قال أنس بن مالك في قوله إني نذرت للرحمن صوما قال صمتا وكذا قال ابن عباس والضحاك وفي رواية عن أنس صوما وصمتا وكذا قال قتادة وغيرهما والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد وقال أبو إسحاق عن حارثة قال كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر فقال ما شأنك قال أصحابه حلف ألا يكلم الناس اليوم فقال عبد الله بن مسعود كلم الناس وسلم عليهم فإن تلك مرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج يعني بذلك مريم عليها السلام ليكون عذرا لها إذا سئلت رواه ابن أبي حاتم وبن جرير وقال ابن القيم رحمه الله وإنما أمرت بذلك لألا تسأل عن ولدها وقال السعدي رحمه الله وأما من جهة قالت الناس فأمرها أنها إذا رأت أحدا من البشر أن تقول على وجه الإشارة إني نذرت للرحمن صوما أي سكوتا فلن أكلم اليوم إنسيا أي لا تخاطبيهم بكلام لتستريحي من قولهم وكلامهم وكان معروفا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة وإنما لم تؤمر بخطابهم في نفي ذلك عن نفسها لأن الناس لا يصدقونها ولا فيه فائدة وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد أعظم شاهد على براءتها فإن إتيان المرأة بولد من دون زوج ودعواها أنه من غير أحد من أكبر الدعاوة التي لو أقيم عدة من الشهود لم تصدق بذلك فجعلت بينة هذا الخارق للعادة أمرا من جنسه وهو كلام عيسى في حال صغاره جدا وفي هذا الأمر الذي وقع لمريم عليه السلام عبرة لكل من يسعى في حل المشاكل الاجتماعية أو الأسرية في الاستفادة من هذه الخطوات العملية فصاحب المشكلة غالبا ما يكون تفكيره تحت سيطرة العواق بالسيئات للمشكلة وقد يصعب عليه أن يرى الحل فهو بحاجة إلى من يبصره بالطريق لذا على الساعي في الإصلاح أن يخرجه أولا من النظرة المتشائمة لمشكلته إلى سعة رحمة الله بعباده ولطفه بهم بتبصيره بجوان بلطف الله عز وجل به ونعمه عليه في المشكلة نفسها ثم يصله بالله مباشرة من خلال تعليمه الدعاء العظيم في ذهاب الهم والحزن ليذهب الله عنه ما أصابه من الهم والحزن ويسهل عليه النظر إلى حقيقة مشكلته التي ملأت صدره همًا وحزنًا فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال عبدٌ قط إذا أصابه همٌ أو حزن اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك أسميت به نفسك أو أزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحا قالوا يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات قال أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن رواه ابن حبان وصاحب المشكلة المهموم غالبًا ما يعرض عن الطعام فلا يشتهيه من شدة التفكير والحزن المسيطر على نفسه في المشكلة فيضعف جسمه ويضعف تفكيره كذلك لذا على الساعي في الإصلاح أن يرجع صاحب المشكلة إلى وضعه الطبيعي حتى تهدأ نفسه ويأكل ويستطيع أن يفكر ويتفاعل مع الحل الذي يطرح عليه وقد أرشدتن السنة النبوية إلى نوع من الطعام يفيد في حالات الحزن بشكل كبير فعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقنا إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت كلنا منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن رواه البخاري قال ابن الملقن رحمه الله التلبينة حساء من دقيق ونخالة ومعنى مجمة مريحة وتسري عنه همة وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله ومعنى أنها تقويه وتنشط وذلك أنها غذاء فيه لطافة سهل التناول على المريض فإذا استعمله المريض اندفع عنه الحرارة الجوعية وحصلت له القوة الغذائية من غير مشقة تلحقه فيسرى عنه بعض ما كان فيه ونشط وذهب عنه الضيق والحزن الذي كان يجده بسبب المرض وإنما كانت عائشة رضي الله عنها تصنعها لأهل الميت وتثرد فيها لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء فاشتدت حرارة أحشائهم من الجوع والحزن فلما أطعمتهم التلبينة انكسرت عنهم حرارة الجوع فخف عنهم بعض ما كانوا فيه أسأل الله أن يذهب همومنا وأحزاننا ويبدلنا بها فرحا وسرورا وعافية في الدنيا والآخرة نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين