بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عبد الله بن عمر وما أدراك ما عبد الله بن عمر أما أبوه فهو أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب وأما أمه فهي السيدة الرصان الرزان زينب بنت مضعون وأما أخته فهي حفصة إحدى أمهات المؤمنين ولد عبد الله بن عمر في مكة المكرمة وأسلم وهو صغير وربية في مدرسة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ونشأ في أكناف الإسلام فلم يدنس بجاهلية ولم يوصن بعبادة صنم ثم هاجر مع أبيه إلى المدينة قبل أن يبلغ الحلم وقد كان له يوم بدر 12 سنة وبضعة أشهر فجاء مع نفر من أترابه الصغار يرجون من الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن يأذن لهم بالخروج معه فأذن لبعضهم ورد بعضهم الآخر لصغار سنهم وكان عبد الله بن عمر في جملة من ردهم فعاد الفتية الأخيار الأبرار يبكون لأنهم حرموا مما كانت تطمح إليه نفوسهم الكبيرة من شرف الجهاد مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وفي يوم أحد أصبح لعبد الله بن عمر 13 سنة وبضعة أشهر فجاء إلى الرسول رسول الله وسلامه عليه ومعه أترابه يستأذنونه في أن يخرجوا معه إلى الجهاد فنظر إليهم نظرة مستأنية ثم اختبرهم واحدا واحدا فقبل منهم من قبل ورد منهم من رد وكان في جملة المردودين عبد الله بن عمر فعادوا وهم يبكون لأن صغر أعمارهم قد حال دونهم ودون الجهاد وفي يوم الخندق أصبح لعبد الله بن عمر 15 سنة فجاء هو وطائفة من أترابه يجرون سيوفهم على الأرض ويمدون قاماتهم إلى أعلى ويسألون النبي عليه الصلاة والسلام أن يأذن لهم بالجهاد فأذن لهم هذه المرة عند ذلك غمرتهم الفرحة وفاض على وجوههم السرور وطفح عليها البشر ثم شهد بعد ذلك سائر الغزوات التي غزاها المسلمون ودخل مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه مكة عام الفتح وكان يومئذ في العشرين من عمره فلما أبصره النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم طفق يثني عليه ويقول إن عبد الله وإن عبد الله عبد الله بن عمر مثالا فريدا للشاب الذي نشأ في طاعة الله حتى قيل إن أملك شباب قريش لنفسه عبد الله بن عمر ولا غروا فقد كان شابا معلق القلب بالمساجد فالمسجد دار إقامته إذا أراد الراحة والمسجد محل عبادته إذا رام العبادة حدث عن نفسه قال أجل في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أنا إذن غلاما شابا عزبا وكنت أنام في المسجد النبوي فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني وذهبا بي إلى النار وأذا للنار قرنان وأذا بي أرى فيها ناسا قد عرفتهم أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار فلقيني ملك آخر فقال لا بأس عليك فإنك لن تراع فقصصت رؤياي على أختي أم المؤمنين حفصة فقصتها على الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه فقال نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل فما إن سمع ذلك حتى عقد العزم على أن لا ينام من الليل إلا قليلا فكان إذا أسلم الناس جنوبهم إلى المضاجع يصلي ما يشاء الله أن يصلي ثم يصير إلى الفراش فيغفو إغفاءات الطائر ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثم يغفو إغفاءات الطائر وكان يفعل ذلك في الليل أربعة مرات أو خمس مرات ولقد كرام الصحابة لعبد الله بن عمر بالصلاح وصدق الفتا العمري شهادتهم فيه وحققها بأفعاله فقد روي عن جابر أنه قال ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا ومالت به ومال بها غير عبد الله بن عمر ولما لحق عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بالرفيق الأعلى وآلت الخلافة إلى ذي النورين أثمان بن عفان أراد أن يكل أمر القضاء إلى عبد الله بن عمر فقال له اقضي بين الناس يا عبد الله فإنك من أفقه المسلمين بدين الله وأوسعهم رواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى ذلك أشد الإباء وقال لا أقضي بين اثنين ولا أأم اثنين فقال إن كان يقضي بين الناس والرسول عليه الصلاة والسلام حي فما يمنعك أنت فقال إن أبي كان يقضي فإذا أشكل عليه شيء سأل النبي صلى الله عليه وسلم وأذا أشكل على النبي صلى الله عليه وسلم شيء سأل جبريل عليه السلام وإني لا أجد أحدا أسأله ثم قال له أما سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ أي لجأ إلى ملج ولاذ بملاذ حقا فقال بلى لقد سمعته فقال إني أعوذ بالله أن تستعملني على القضا فأعفاه عثمان من ذلك وقال له لا تخبر بهذا أحدا فالمسلمون بحاجة لمن يقضي بينهم بالعدل ولم يكن عبد الله بن عمر عابدا زاهدا فحسب وإنما كان مع ذلك جنديا مجاهدا فغزى مع جيوش المسلمين كلا من الشام والعراق والبصرة وفارس وشهد مع عمر بن العاص فتح مصر وأقام فيها ردحا من الزمن فروى عنه الحديث ما يزيد على أربعين من أهلها ولما ثارت الفتنة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما جعل بعض الناس يلتمسون للخلافة رجلا غيرهما فتوجه نفر من ذوي الحل والعقد إلى عبد الله بن عمر وقالوا هاتي يدك نبايع لك فإنك سيد العرب وبن سيدها وخير الناس وبن خير الناس فقال ما أنا بخير الناس ولكني عبد من عباد الله أرجو الله وأخافه والله لا تزالون تطرون الرجل حتى تهلكوه وإذا باعتمون أنتم فكيف أصنع بأهل المشرق قالوا يبايعونك أو تقاتلهم حتى يدينوا لك بالولاء فقال والله ما أحب أن الخلافة دانت لي سبعين سنة لأنه قتل بسببي رجل واحد من المسلمين ولقد ظل قلب عبد الله بن عمر طوال حياته معلقا برسول الله صلوات الله وسلامه عليه فكان يهتدي بهديه ويقتدي بفعله ويسلك مسالكة ويحفظ ما يسمعه منه ويعض عليه بالنواجذ وما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام أمامه مرة وكال فراقه وقد كان إلى ذلك شديدا الخشية من الله وكانت عيناه تفيضان من الدمع لقراءة القرآن فمات لا قوله تعالى ألم يأني للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله إلا غلب عليه البكاء وفي ذات مرة قرأ عبيد الله بن عميرة أمامه شد البكاء ويذرف حتى تبللت ثيابه وكاد البكاء يقطع نياط قلبه وكان في المجلس رجل فأشفق عليه حتى هم بأن يقوم إلى القارئ ويقول له أقصر فإنك قد آذيت الشيخ ولقد كان كثير من طلاب المعرفة يكتبون إليه راغبين في أن يزودهم بخالص نصحه وثمين إرشاده فكان يجيبهم عن طلبهم بكلمات باقيات على الدهر من ذلك أن أحدهم بعث إليه يقول أكتب لي يا أبا عبد الرحمن بالدين كله فكتب إليه يقول إن العلم كثير ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء المسلمين خميص البطن من أموالهم كافا لسان عن أعراضهم لازما ففعل وقد جعل عبد الله بن عمر دأبه كله في إطعام الطعام وبر المساكين والأيتام حتى رويت عنه في ذلك أخبار كثيرة وذكرت له فيه آثار وفيرة من ذلك أنه اشتهى ذات مرة سمكة فبحثت امرأته صفية عن سمكة حتى وقعت عليها ثم صنعتها فأحسنت ثم قربتها إليه فسمع نداء مسكين على الباب فقال ادفع السمكة إليه فقالت صفية نشدتك الله أن تقوي نفسك بشيء منها فقال ادفعوها إليه فقالت نحن نرضيه بدلا منها وقالت للسائل إنه قد اشتهى هذه السمكة فقال إنا والله أشتهيها أيضا فاشترتها منه بدينار وأرضته ثم قالت لزوجها إنا قد أرضينا السائل وأجزلنا عطيته فقال له هل أرضوك ورضيت وأخذت الثمن فقال نعم فالتفت إلى أهله وقال الآن ادفعوها إليه وقد عتبت امرأته في أمر هزاله فقيل لها أما ترفقين بهذا الشيخ فقالت وما أصنع به والله ما أعددته طعاما إلا دعا إليه من يأكله فأرسلت إلى المساكين الذين كانوا يجلسون في طريق ه إذا خرج من المسجد وأطعمتهم وقلت لهم لا تجلسوا في طريقه فلما جاء إلى بيته قال أرسلوا طعاما إلى فقلت لقد أرسلنا إليهم بما تريد وأكثر مما تريد فقال بل إنكم أردتم ألا أتعش الليلة ثم نهض ولم يأكل شيئا ولقد كان عبدالله بن عمر إلى ذلك كله يتقرب إلى الله عز وجل بكل وسيلة فما استحسنت نفسه شيئا من مال أو متاع وقد عرف أرقاؤه ذلك فجعلوا يحتالون به عليه فإذا تاقت نفس أحدهم إلى العتق شمر عن ساعديه للعبادة ولزم المسجد فإذا رآه على هذه الحال استحسنها منه وأعتقه فيقول له أصحابه يا أبا عبد الرحمن إنهم يريدون أن يخدعوك بعبادتهم هذه فيقول من خدعنا الله خدعنا له ولقد كان في كثير من الأحيان لا يكتفي بإعتاق العبد وإنما يغدق عليه من المال ما ييسر له سبل العيشة الراضية من ذلك ما أخبر به عبدالله بن دينار قال خرجت مع عبدالله بن عمر إلى مكة نبتغي العمر فعرصنا في بعض الطريق فانحدر علينا راع من الجبل عمر أن يختبره فقال أم مملوك أنت قال نعم فقال بعنيشة من الغنم وإذا سألك سيدك عنها فقل أكلها الذئب فقال وأين الله عز وجل فبكى عبدالله بن عمر وقال نعم أين الله عز وجل ثم بعث فشراه من مالكه وانما التي كان يرعاها وأعتقه وآخيرا وليس آخرا فقد كان عبدالله بن عمر جوادا لا تمسك يداه المال فقد أتي مرة ببضعة وعشرين ألفا فما قام من مجلسه حتى أنفقها كلها في سبيل الله وزادها فجأه بعض السائلين ولم يبق معه شي فاستدان مبلغا من واحد ثم دفع به إلى السائل وبعد فلقد عاش عبدالله بن عمر حتى نيف على الثمانين فلما أتاه اليقين قال لبعض أصحابه ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث ضمئ الهواجر ومكابدة الليل وأني لم أقاتل أهل الفتنة رضي الله عن الصحابي رضي الله عن الجليل عبدالله بن عمر بن الخطاب فلقد عاش برًا تقي ومات زاهدا عابدا كان عبدالله بن عمر شابا معلق القلب بالمساجد