رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب الخوف قال الله تعالى وأيايا فارهبون وقال تعالى إن بطش ربك لشديد وقال تعالى وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق وقال تعالى ويحذركم الله نفسه وقال تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه وقال تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وتر الناس سكارا وما هم بسكارا ولكن عذاب الله شديد وقال تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الآيات وقال تعالى وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إننا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمنى الله علينا ووقانا عذاب السموم إننا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم والآيات في الباب كثيرة جدا معلومات والغرض الاشارة إلى بعضها وقد حصل وأما الأحاديث فكثيرة جدا فنذكر منها طرفا وبالله التوفيق عن ابن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها متفق عليه يجمع أي يقدر ويمكث خلقه أي مادة خلقه أو ما يخلق منه بطن أمه أي الرحم نطفه هي الحيوان المنوي الذي يكون منه تكون الإنسان وسمية نطفه لأنها من الماء الذي ينطف أي يسيل يكون أي يصير علقه أي دم جامد لأنها إذاك تعلق بالرحم مضغه أي قطعة من اللحم بقدر ما يمضى رزقه أي ما ينتفع به في حياته أجله أي مدة عمره عمله أي ما يكون منه من عمل صالح وضده شقي أو سعيد أي أهو من أهل النجاة والسعادة أو من أهل الشقاء الكتاب أي ما كتب عليه مما علم أنه سيكون من حاله من فوائد الحديث وجوب الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة والاستمرار بها والمداومة عليها أن العبرة بالخاتمة فلا يغتر إنسان بعمل قدمه ثم يركن إليه فلا ينشط لغيره فالأقدار غالبة والعافية غائبة أن من قام بعمل صالح ينبغي أن يحافظ على نقائه فلا يحبطه الاستعانة بالله تعالى وسؤاله حسن الخاتمة والخوف من سوء الخاتمة والاستعادة بالله منها جواز القسم على الخبر الصادق تأكيدا في نفس السامع ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده فيه التنبيه على صدق البعث والجزاء فمن قدر على خلق الإنسان من ماء مهين قادر على إعادة الروح إليه بعد أن يصير ترابا فيه حض على القناعة والزجر الشديد عن الحرص لأن الرزق سبق تقديره فلم يغني التعني في طلبه وإنما شرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة الإلهية في دار الدنيا تنبيه على كمال علم الله سبحانه وأنه يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها رواه مسلم يومئذ أي يوم يقوم الناس للحساب الزمام أي ما يجعل في أنف البعير يشد عليه المقود من فوائد الحديث عظم خلق جهنم وأنها موكرة بالكفار والمشركين والمنافقين فيه تفصيل لخلق جهنم وأن لها أزمة تقاد بها ولها من يقودها من الملائكة فيه بيان لعدد الملائكة الذين يجرون جهنم تخويف الله عباده ليتقوه ويعبدوه وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا متفق عليه أخمص أي ما تجافى من أسفل القدم على الأرض فلا يصل إليها يغلي من الغليان وهو شدة اضطراب الماء ونحوه على النار لشدة إيقادها يرى أي يعتقد من فوائد الحديث التحذير من الوقوع في المعاصي حتى لا يكون من أهل النار عذاب النار دركات شدة عذاب الله للكافرين يظن أنه أشد الناس عذابا لما هو فيه من عظم العذاب ولكنه في الحقيقة أخف أهل النار عذابا فيه بيان لألوان العذاب يوم القيامة ومن ذلك جمرات توضع في أخمص القدم من مات على الكفر لا ينفعه عمل لأن هذا الحديثة ورد في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يرعاه وينصره ويحميه لكنه مات على دين آبائه وأجداده وقد ورد ذلك صريحا عند مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بن عليني يغلي منهما دماغه وعن سمرة ابن جندب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال منهم من تأخذه النار إلى كعبي ومنهم من تأخذه إلى ركبتي ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه إلى ترقوته رواه مسلم والحجزة معقد الإزار تحت السر والترقوة هي العظم الذي عند ثغرة النحر وللإنسان ترقوتان في جانبي النحر منهم أي من أهل النار كعبي الكعب هو العظم الناتئ عند مفصل الساقي مع القدم من فوائد الحديث التخويف من النار والوعيد الشديد لمن يعمل بعمل أهلها تفاوت أهل النار في العذاب فليسوا على درجة واحدة وإنما هم على قدر ذنوبهم ومعاصيهم وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه متفق عليه والرشح العرق يقوم الناس أن يخرجون من قبورهم من فوائد الحديث هول الموقف يوم القيامة حين يخرج الناس من قبورهم ويحشرون للحساب المخلوقات جميعها خاضعة لله رب العالمين يوم القيامة قدرة الله تعالى وعظمته إذ الناس جميعا محشورون إليه العرق الذي يأخذ الناس يختلف باختلاف أعمالهم كما سيأتي في حديث المقداد رضي الله عنه أعمال العباد تؤثر على منازلهم في المحشر وعن أنسر رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قبط فقال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين متفق عليه وفي رواية بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شي فخطب فقال عرضت علي الجنة والنار فلم أرك اليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه وضطوا رؤوسهم ولهم خنين الخنين هو البكاء مع غنة وانتشاق الصوت من الأنف خطبة أي موعظة ما أعلم أي من أهوال الآخرة وما أعد في الجنة من النعيم وفي النار من العذاب الأليم من فوائد الحديث الأنبياء يعلمون ما لم يعلم الناس لأن الله علمهم وأطلعهم على بعض الغيب الذي حجبه عن البشر قال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول استحباب البكاء خوفا من عقاب الله وعدم إكثار الضحك لأنه يدل على الغفلة وقسوة القلب تأثر الصحابة رضي الله عنهم بالموعظة وشدة خوفهم من عقاب الله عز وجل لأنهم أرق الناس قلوبا وأكثرهم فقها وأسرعهم استجابة استحباب تغطية الوجه عند البكاء من اطلع على حقائق الآخرة لم يضحك إلا قليلا وكان بكاؤه كثيرا للأهوال والأحوال التي لا يعلمها إلا الله الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن رياض الصالحين