بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه مضى الركب يحث الخطى من يثرب إلى مكة تحدوه الأشواق ويدفعه الحنين فلقد كان على معد مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وكان كل من في الركب يتلهف شوقا إلى تلك اللحظة التي يسعد فيها بلقاء النبي عليه الصلاة والسلام ووضع يده في يده ليبايعه على السمع والطاعة ويعاهده على التأييد والنصر وكان في الركب شيخ من وجوه القوم أردف وراءه غلامه صغير الوحيد وخلف في يثرب تسع بنات إذ لم يكن له صبي غيره ولقد كان الشيخ حريصا أشد الحرص على أن يشهد غلامه الصغير البيعة وأن لا يفوته ذلك اليوم العظيم من أيام الله أما ذلك الشيخ فهو عبد الله بن عمر الخزرجي الأنصاري وأما غلامه فهو جابر بن عبد الله الأنصاري أشرق الإيمان في فؤاد جابر بن عبد الله وهو صغير غض فأضاء كل جانب من جوانبه ومس الإسلام قلبه الصغير كما تمس قطرات الندى أكمام الزهر فتفتحها وتفعمها بالشذا والعطر وتوثقت صلاته بالرسول صلوات الله وسلامه عليه منذ نعومة أظفاره ولما وفد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم على المدينة مهاجرا تتلمذ الصبي المؤمن على يدي نبي الهدا والرحمة فكان من أنجب من أخرجتهم المدرسة المحمدية للناس حفظا لكتاب الله وفقها في دين الله ورواية لحديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وحسبك أن تعلم أن مسند جابر بن عبد الله يضم بين دفتيه 1540 حديثا حفظها التلميذ النجيب ورواها للمسلمين عن نبيهم الأعظم صلى الله عليه وسلم وأن البخاري ومسلما أثبت في صحيحيهما ما ينوف على مئتين من أحاديثه تلك وأنه ظل مصدر إشعاع وهداية للمسلمين دهرا طويلا فلقد مد الله في حياته حتى أوشك أن يبلغ من العمر قرنا من الزمان لم يشهد جابر بن عبد الله بدرا ولا أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان صغيرا من جهة ولأن أباه كان يأمره بالبقاء مع أخواته التسع من جهة أخرى ذلك لأنه لم يكن لهن أحد سواه يقوم على أمرهن حدث جابر قال لما كانت الليلة التي سبقت أحدا دعاني أبي وقال إني لا أراني إلا مقتولا مع أول من يقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني والله ما أدعو أحدا أعز علي منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن علي دينا فاقض ديني وارحم أخواتك واستوص بهن خيرا فلما أصبحنا كان أبي أول قتيل قتل في أحد فلما دفنته أتيت النبي عليه الصلاة والسلام فقلت يا رسول الله إن أبي ترك دينا عليه وليس عندي ما أفيه به إلا ما يخرجه ثمر نخيله ولو عمدت إلى وفاء دينه من ذلك الثمر لما أديته في سنين ولا مال لأخواتي أنفق عليهن منه غير هذا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معي إلى بيدر تمرنا والبيدر هو الموضع الذي يكوم ويجمع فيه التمر وقال لي أدع غراماء أبيك فدعوتهم فما زال يكيل لهم منه حتى أدى الله عن أبي دينه كله من تمر تلك السنة ثم إني نظرت إلى البيدر فوجدته كما هو كأنه لم تنقص منه تمرة واحدة ومنذ توفي وارد جابر لم تفته غزوة واحدة مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه ولقد كانت له في كل غزوة حادثة تروى وتحفى فلنترك له الكلام ليروي لنا إحدى حوادثه مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه قال جابر كنا يوم الخندق نحفر فعرضت لنا صخرة شديدة عجزنا عن تحطيمها فجئنا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقلنا يا نبي الله لقد وقفت في سبيلنا صخرة صلده ولم تفعل معاولنا فيها شيئا فقال عليه الصلاة والسلام دعوها فإني نازل إليها ثم قام وكان بطنه معصوبا بحجر من شدة الجوع ذلك لأننا كنا أمضينا أياما ثلاثة لم نذق خلالها طعاما فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام المعول وضرب الصخرة فغدت كثيبا مهيلا عند ذلك ازداد آسايا على ما آصاب الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من الجوع فاتجهت إليه وقلت أتأذن لي يا رسول الله بالمضي إلى بيتي فقال أمضي فلما بلغت البيت قلت لمرأتي لقد رأيت برسول الله من مرارة الجوع ما لا يصبر عليه أحد من البشر فهل عندك من شيء قالت عندي قليل من الشعير وشات صغيرة فقمت إلى الشات فذبحتها وقطعتها وجعلتها في القدر وأخذت الشعير فطحنته ودفعته إلى مرأتي فعجنت فلما وجدت أن اللحم كاد ينضج وأن العجين قدلان وأوشك أن يختمر مضيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت له طعيم صنعناه لك يا نبي الله فقم أنت ورجل أو رجلان معك فقال كم هو فوصفته له فلما علم النبي عليه الصلاة والسلام بمقدار الطعام قال يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم طعاما فهل أمه إليه ثم التفت إلي وقال امض إلى زوجتك وقل لها لا تنزلي قدرك ولا تخبزي عجينك حتى أجي فمضيت إلى البيت وقد ركبني من الهم والحياة ما لا يعلمه إلا الله وجعلت وأقول أيجئنا أهل الخندق على صاع من شعير وشات صغيرة ثم دخلت على امرأتي وقلت ويحكي لقد افتضحت فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتينا بأهل الخندق أجمعين فقالت هل سألك كم طعامك قلت نعم فقالت سر عن نفسك والله ورسوله أعلم فكشفت عني غمًا شديدًا بمقالتها تلك وما هو إلا قليل حتى أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الأنصار والمهاجرون فقال لهم ادخلوا ولا تزدحموا ثم قال لامرأتي هاتي خابزةً فالتخبز معك واغرفي من قدرك ولا تنزليها عن الموقد ثم طفق يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويقربه إلى أصحابه وهم يأكلون حتى شبعوا جميعا ثم أردث جابر قائلا أقسم بالله إنه منفض عن الطعام وإن قدرنا لتفور ممتلئة كما هي وإن عجيننا ليخبز كما هو ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأتي وهدي فأكلت وجعلت تهدي سحابة ذلك اليوم كله هذا ولقد ظل جابر بن عبد الله الأنصاري مصدر إشعاع وهداية للمسلمين دهرا طويلا حيث مد الله في أجله حتى أوشك أن يبلغ من العمر قرنا من الزمان ولقد خرج ذات سنة إلى بلاد الروم غازيا في سبيل الله وكان الجيش بقيادة مالك بن عبد الله الخثعمي وكان مالك يطوف بجنوده وهم منطلقون ليقف على أحوالهم ويشد من أزرهم ويولي كبارهم ما يستحقونه من عناية ورعاية فمر بجابر بن عبد الله فوجده ما شيا ومعه بغل له يمسك بزمامه ويقوده فقال له ما بك يا أبا عبد الله لما لا تركب وقد يسر الله لك ظهرا يحملك عليه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار فتركه مالك ومضى حتى غدا في مقدمة الجيش ثم التفت إليه ونادى بأعلى صوته وقال يا أبا عبد الله ما لك لا تركب بغلك وهو في حوزتك فعرف جابر قصده وأجابه بصوت عال وقال لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار فتواثب الناس عن دوابهم وكل منهم يريد أن يفوز بهذا الأجر فما رؤي جيش أكثر مشاة من ذلك الجيش هنيئا لجابر بن عبد الله الأنصاري فلقد بايع الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو طفيل لم يبلغ الحلم وتتلمذ على يديه منذ نعومة أظفاره وروا حديثه فتناقلته عنه الرواه وجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شاب موفور الشباب وغبر قدميه في سبيل الله وهو شيخ طاعن في السن روا للمسلمين عن نبيهم الأعظم صلى الله عليه وسلم 1540 حديثا موسيقى