بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ مَعَالِمُ فِي طَرِيقِ الثَّبَاةِ الصِّدْقُ وَالإِخْلَاصِ ومن وسائل الثَّبَات الإقبال على الأعمال الصالحة بن شراح صدرٍ وصدقٍ وإخلاصٍ ويقين قال تعالى ومثل الذين ينفقون أموالهم تبتغاء مرضات الله وتثبيتا وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابلٌ فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابلٌ فطل والله بما تعملون بصير قال الطبري في تفسيره وإنما عن الله جل وعز بذلك أن أنفسهم كانت موقنةً مصدقةً بوعد الله إياها فيما أنفقت في طاعته بغير منٍ ولا أذى فثبتتهم في إنفاق أموالهم ابتغاء مرضات الله وصححت عزمهم وآراءهم يقينا منها بذلك وتصديقا بوعد الله إياها ما وعدها ولذلك قال من قال من أهل التأويل في قوله وتثبيتا وتصديقا ومنهم من قال ويقينا بأن تثبيت أنفس المنفقين أموالهم ابتغاء مرضات الله إياهم إنما كان عن يقين منها وتصديق بوعد الله وقال ابن القيم في طريق الهجرتين هذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند انفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية إحداهما طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية وهذا حال أكثر المنفقين والآفة الثانية ضعف نفسه وتقاعسها وترددها هل يفعل أم لا والآفة الأولى تزول بابتغاء مرضات الله والآفة الثانية تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل وهذا هو صدقها وطلب مرضات الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها والإخلاص ركن أصيل في جميع الأعمال الصالحة وتميزها لا يكون إلا به كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل مرء ما نوى والإخلاص إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة وتصفيتها من ملاحظة المخلوقين قال ابن القيم في مدارج السالكين أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة وهم أهل إياك نعبد حقيقة فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله وعطاؤهم لله ومنعهم لله وحبهم لله وبغضهم لله فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه الله وحده لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا ولا ابتغاء الجاه عندهم ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هربا من ذمهم بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فالعمل لأجل الناس وبتغاء الجاه والمنزلة عندهم ورجاؤهم للضر والنفع منهم لا يكون من عارف بهم البتة بل من جاهل بشأنهم وجاهل بربه فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه ولا يُعامل أحدٌ الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثر معاملة الله على معاملتهم والمخلصون هم الذين يثبتهم الله ولا سيما في مقامات الابتلاء والمحن كما ثبت الله يوسف عليه السلام وعلل ذلك بأنه كان من المخلصين قال تعالى ولقد همت به وهم بها لولا أرأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين والشيطان الرجيم لا سبيل له عليهم قال تعالى قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وقال قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين