بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سلمة بن دينار رحمه الله في السنة السابعة والتسعين للهجرة شد خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك الرحال إلى الديار المقدسة ملبياً نداء أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ومضت ركائبه تحث الخطى دمشق عاصمة الأمويين إلى المدينة المنورة فقد كان في نفسه شوق إلى الصلاة في الروضة المطهرة وتوق إلى السلام على محمد الرسول الله صلوات الله وسلامه عليه وقد حفل موكب الخليفة بالقراء والمحدثين والفقهاء والعلماء والأمراء والقادة فلما بلغ المدينة المنورة وحط رحاله فيها أقبل وجوه الناس وذو الأقدار للسلام عليه والترحيب به لكن سلمة ابن دينار قاضي المدينة وعالمها الحجة وإمامها الثقة لم يكن في عداد منزار الخليفة مرحبين مسلمين ولما فرغ سليمان بن عبد الملك من استقبال المرحبين به قال لبعض جلسائه إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة ويجلو عنها صدأها فقالوا نعم يا أمير المؤمنين فقال أما في المدينة رجل أدرك طائفة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا فقالوا بلى يا أمير المؤمنين ها هنا أبو حازم من الأعرج فقال ومن أبو حازم من الأعرج فقالوا سلمة بن دينار عالم المدينة وإمامها وأحد التابعين الذين أدركوا عدد من الصحابة الكرام فقال أدعوه لنا وتلطفوا في دعوته فذهبوا إليه ودعوه فلما أتاه رحب به وأدنى مجلسه وقال له معاتبا ما هذا الجفاء يا أبو حازم فقال وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين فقال زارني وجوه الناس ولم تزرني فقال إنما يكون الجفاء بعد المعرفة وأنت ما عرفتني قبل اليوم ولا أنا رأيتك فأي جفاء وقع مني فقال الخليفة لجلسائه أصاب الشيخ في اعتذاره وأخطأ الخليفة في عت به عليه ثم التفت إلى أبي حازم وقال إن في النفس شؤونا أحببت أن أفضي بها إليك يا أبا حازم فقال هاتها يا أمير المؤمنين والله المستعان فقال الخليفة يا أبا حازم ما لنا نكره الموت فقال لأننا عمرنا دنيانا وخربنا آخرتنا فنكره الخروج من العمار إلى الخراب فقال الخليفة صدقت ثم أردف قائلا يا أبا حازم ليت شعري ما لنا عند الله غدا فقال اعرض عملك على كتاب الله جل وعز تجد ذلك فقال وأين أجده في كتاب الله تعالى قال تجده في قوله علت كلمته فقال الخليفة إذن فأين رحمة الله فقال أبو حازم إن رحمة الله قريب من المحسنين فقال الخليفة ليت شعري كيف القدوم على الله جل وعز غدا فقال أبو حازم أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسي فكالعبد الآبق يساق إلى مولاه سوقا فبك الخليفة حتى على نحيبه واشتد بكاءه ثم قال يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح فقال تدعون عنكم الصلف أي التكبر فقال الخليفة وهذا المال ما السبيل إلى تقوى الله فيه فقال أبو حازم إذا أخذتموه بحقه ووضعتموه في أهله وقسمتموه بالسوية وعدلتم فيه بين الرعية فقال الخليفة يا أبا حازم أخبرني من أفضل الناس فقال فقال الخليفة وما أعدل القول يا أبا حازم فقال كلمة حق يقولها المرء عند من يخافه وعند من يرجوه فقال الخليفة فما أسرع الدعاء إجابة يا أبا حازم فقال دعاء المحسن للمحسنين فقال الخليفة وما أفضل الصدقة فقال جهد المقل أي ما يستطيعه قليل المال يضعه في يد البائس الفقير من غير أن يتبعه من ولا أذى فقال الخليفة من أكيس الناس يا أبا حازم فقال رجل ضفر بطاعة الله تعالى فعمل بها ثم دل الناس عليها فقال الخليفة فقال رجل ساق مع هوا صاحبه وصاحبه ظالم فباع آخرته بدنيا غيره فقال الخليفة هل لك أن تصحبنا يا أبا حازم فتصيب منا ونصيب منك فقال كلا يا أمير المؤمنين فقال الخليفة ولما فقال أخشى أن أركن إليكم قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات فقال الخليفة ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم فسكت ولم يجب فأعاد عليه قولا ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم نقضها لك مهما كانت فقال حاجتي أن تنقذني من النار وتدخلني الجنة فقال الخليفة ذلك ليس من شأني يا أبا حازم فقال أبو حازم ما لي من حاجة سواها يا أمير المؤمنين فقال الخليفة ادعلي يا أبا حازم فقال اللهم إن كان عبدك سليمان من أوليائك فيسره إلى خيري الدنيا والآخرة وإن كان من أعدائك فأصلحه واهده إلى ما تحب وترضى فقال رجل من الحاضرين بئس ما قلت منذ دخلت على أمير المؤمنين فلقد جعلت خليفة المسلمين من أعداء الله وآذيته فقال أبو حازم بل بئس ما قلت أنت فلقد أخذ الله على العلماء الميثاق بأن يقولوا كلمة الحق فقال لتبيننه للناس ولا تكتمونه ثم التفت إلى الخليفة وقال يا أمير المؤمنين إن الذين مضوا قبلنا من الأمم الخالية ظلوا في خير وعافية مادام أمراؤهم يأتون علماءهم رغبة فيما عندهم ثم وجد قوم من أراذ للناس يريدون أن ينالوا به شيئا من عرض الدنيا فاستغنت الأمراء عن العلماء فتعسوا ونكسوا وسقطوا من عين الله عز وجل ولو أن العلماء زهدوا فيما عند الأمراء لرغب الأمراء في علمهم ولكنهم رغبوا فيما عند الأمراء فزهدوا فيهم وهانوا عليهم فقال الخليفة صدقت زدني من موعظتك يا أبا حازم فما رأيت أحدا الحكمة أقرب إلى فمه منك فقال إن كنت من أهل الاستجابة فقد قلت لك ما فيه الكفاية وإن لم تكن من أهلها فما ينبغي لي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر فقال الخليفة عزمت عليك أن توصيني يا أبا حازم فقال نعم سوف أوصيك وأوجز عظم ربك عز وجل ونزه أن يراك حيث نهاك وأن يفقدك حيث أمرك ثم سلم وانصرف فقال له الخليفة جزاك الله خيرا من عالم ناصح ما كاد أبو حازم يبلغ بيته حتى وجد أن أمير المؤمنين قد بعث إليه بصرة ملئة دنانير وكتب إليه يقول أنفقها ولك مثلها كثير عندي فردها وكتب إليه يقول يا أمير المؤمنين أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا وردي عليك باطلا فوالله ما أرضى ذلك يا أمير المؤمنين لك لنفسي يا أمير المؤمنين إن كانت هذه الدنانير لقاء حديث الذي حدثتك به فالميتة والحم الخنزير في حال للضطرار أحل منها وإن كانت حقا لي في بيت مال المسلمين فهل سويت بيني وبين الناس جميعا في هذا الحق ولقد كان منزل سلمة بن دينار موردا عذبا لقلاب غاب الصلاح لا فرق في ذلك بين إخوانه وطلابه فقد دخل عليه ذات مرة عبد الرحمن بن جرير ومعه ابنه وأخذ مجلسهما عنده وسلما عليه ودعوا له بخيري الدنيا والآخرة فردت تحية بأحسن منها ورحب بهما ثم دار بينهم الحديث فقال له عبد الرحمن بن جرير كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم فقال عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر وإذا عزم العبد على ترك الآثام أمه الفتوح أي فتح عليه ولا تنسى يا عبد الرحمن أن يسير الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة وكل نعمة لا تقربك من الله عز وجل فهي نقمة فقال له ابنه إن أشياخنا كثيرون فبمن نقتدي منهم فقال يا بني اقتدي بمن يخاف الله في ظهر الغيب ويعف عن التلبس بالعيب ويصلح نفسه في أوان الصبا ولا يرجئ ذلك إلى عهد الشيب وعلم يا بني أنه ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا ويقبل على طالب العلم هواه وعلمه ثم يتغالبان في صدره تغالب المتخاصمين فإذا غلب علمه هواه كان يومه يوم غنم له وإذا غلب هواه علمه كان يومه يوم خسران عليه فقال له عبد الرحمن بن جرير كثيرا ما حضضتنا على الشكر يا أبا حازم فما حقيقة الشكر فقال لكل عضو من أعضائنا حق علينا من الشكر فقال عبد الرحمن ما شكر العينين فقال إن رأيت به ما خيرا أعلنته وإن رأيت به ما شرا سترته فقال عبد الرحمن فما شكر الأذنين فقال إن سمعت به ما خيرا وعيته وإن سمعت به ما شرا دفنته. فقال عبد الرحمن فما شكر اليدين. فقال ان لا تأخذ بهما ما ليس لك وان لا تمنع بهما حقا من حقوق الله. ولا يفتك يا عبد الرحمن ان من يقصر شكره على لسانه ولا يشرك معه جميع اعضائه وجنانه. فمثله كمثل رجل له كساء غير انه اخذ بطرفه ولم يلبسه. فان ذلك لا يقيه من الحر ولا يصونه من البرد. وفي ذات سنة نفر سلمة ابن دينار مع جيوش المسلمين المتجهة الى بلاد الروم. يبتغي الجهاد في سبيل الله مع المجاهدين. فلما بلغ الجيش اخر مرحلة من مراحل السفر آثر الراحة والاستجمام قبل لقاء العدو وخوض المعارك. وقد كان في الجيش امير من امراء بني اميه. فارسل رسولا الى ابي حازم يقول له ان الامير يدعوك اليه لتحدثه وتفقهه. فكتب الى الامير يقول ايها الامير لقد ادركت اهل العلم وهم لا يحملون الدين الى اهل الدنيا. ولا احسبك تريد ان اكون اول من يفعل ذلك. فان كانت لك بنا حاجة فأتنا. والسلام عليك وعلى من معك. فلما قرأ الامير رسالته مضى اليه وحياه وبياه. وقال يا ابا حازم لقد وقفنا على ما كتبته لنا فازددت به كرامة عندنا وعزة لدينا. فذكرنا وعظنا جزيت عنا خير الجزاء. فطفق ابو حازم يعظه ويذكره. وكان في جملة ما قاله له انظر ما تحب ان يكون معك في الاخرة فحرص عليه في الدنيا وانظر ما تكره ان يكون معك هناك فازهد فيه هنا. واعلم ايها الامير انه ان نفق الباطل عندك وراج. اقبل عليك المبطلون المنافقون والتفوا حولك. وان نفق عندك الحق وراج. التف حولك اهل الخير واعانوك عليه. فاختر لنفسك ما يحلو. ولما اقبل الموت على ابي حازم الاعرج. قال له اصحابه كيف تجدك يا ابا حازم. فقال لان نجونا من شر ما اصبناه من الدنيا. فما يضرنا ما زوى عنا منها. ثم قرأ الآية الكريمة. لا يكررها حتى اتاه اليقين. ما رأيت احدا. الحكمة اقرب الى فمه من ابي حازم. عبد الرحمن ابن زيد. ملأ الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا