رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة قال الله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقال تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا وقال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وقال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يقعمون وأما الأحاديث فتقدم معظمها في البابين السابقين ومما لم يتقدم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس الغنا عن كثرة العرب ولكن الغنى غنى النفس متفق عليه العرب هو المال من فوائد الحديث الغنى النافع الممدوح هو غنى النفس لأنها إذا استغنت عما في أيدي الناس وقنعت بما قسمه الله لها كفت عن المطامع وحفزت صاحبها إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق فحصل لها بذلك أكثر من غنى المال الذي يورث على الغالب الحرص والشح والهلع والطمع فيكبكب صاحبه في رذائل الأمور وسفساف الأخلاق لدناءة همته غنى النفس يتولد من القناعة وعدم الحرص على الإزدياد لغير حاجة وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه رواه مسلم وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال يا حكيم إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكانك الذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلا قال حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما ليعطيه العطا فيأبى أن يقبل منه شيئا ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله فقال يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له في هذا الفي فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي متفق عليه يرزأ أي لم يأخذ من أحد شيئا وأصل الرزء النقصان أي لم ينقص أحدا شيئا بالأخذ منه وأشراف النفس تطلعها وطمعها بالشي وسخاوة النفس هي عدم الإشراف إلى الشي والطمع فيه والمبالات به والشره سألت أي طلبت منه مالا خضر حلو أي يشبه الفاكهة الخضرة الحلوة لميل النفس إليه وحبها له ورغبتها فيه بورك فيه أي أغناه القليل منه عن الكثير العليا أي المعطية السفلاء أي السائلة من فوائد الحديث بيان عظيم كرم النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر أبدا بذل النصيحة والحرص على نفع الإخوان عند تقديم العون لأن النفس تكون مهيئة للانتفاع بالكرم الطيب المعطي خير من الآخذ جمع المال من غير حاجة يضر ولا ينفع التعفف عن سؤال الناس ولا سي مال غير حاجة وفاء حكيم بن حزام بوعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتزامه بعهده ينبغي على الحاكم المسلم أن يوصل الحقوق لأصحابها استحباب الاستشهاد على من أبا أخذ حقه وعن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاه ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ونقبت أقدامنا ونقبت قدمي وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق قال أبو بردة فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك وقال ما كنت أصنع بأن أذكره قال كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه متفق عليه غزاه اسم مرة من الغزو نعتقبه أي نتعاقبه في الركوب واحدا بعد واحد فنقبت أي رقت جلود أقدامنا نعصب أي نربط ما كنت أصنع بأن أذكره أي ما أصنع بذكره من فوائد الحديث بيان ما كان عليه الصحابة من التقشف وخشونة العيش وصبرهم على ذلك مع الرضا جواز التعاقب على البعير الواحد جواز ذكر العمل الصالح والتحدث بنعمة الله إذا لم يكن فيه رياء ولا سمعة وكان في ذكره تذكير ونفع للناس كراهة أن يذكر الإنسان ما فعله من عمل صالح خشية الوقوع في الرياء والعجب وعن عمر بن تغلب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بمال أو سبي فقسمه فأعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا فحمد الله ثم أثنى عليه ثم قال أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل وأدعو الرجل والذي أدعو أحب إلي من الذي أعطي ولكني إنما أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمر بن تغلب قال عمر بن تغلب فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم رواه البخاري الهلع هو أشد الجزع وقيل الضجر سبي أي ما يؤخذ نهبا من نساء وأولاد الأعداء عتب أي من العتاب وهو مخاطبة الإدلال ومذاكرة المؤاخذة أدعو أي أترك إعطاها الجزع هو الحزن والخوف وعدم التحمل والصبر الغنى والخير أي الرضا والقناعة حمر النعم أي كرائمها وهو مثل يضرب في كل نفيس من فوائد الحديث السنة في الخطبة البدء بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأليف القلوب وإنقاذها من الهلاك الحث على الرضا بما يأتي المسلم من رزق دون سؤال أو إلحاح سرور المؤمن وثرحه بما يبدو منه من خير فضيلة عمر بن تغلب رضي الله عنه وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اليد العليا خير من اليد السفلا وأبدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى ومن يستعفف يُعفَّه الله ومن يستغني يُغنِه الله متفق عليه وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم أخصر بمن تعول أي من زوجة أو ولد أو والد أو خادم ظهر غنى أي غير محتاج إليه يستعفف أي يكفَّ عن سؤال الناس يستغني أي يظهر الغنى من فوائد الحديث بيان لأنواع الأيدي وأن أعلاها المعطية المنفقة في سبيل الله من دون من ولا أذى ثم المتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بغير سؤال وأدناها السائلة والمانعة أولى الناس بالنفقة عليهم من كان في رعاية المسلم وكنفه تفضيل الغنى مع القيام بحقوقه على الفقر لأن العطاء إنما يكون عن ظهر غنى كراهة التصدق بما يحتاجه الإنسان أو بكل ما يملك حتى لا يضطر إلى سؤال الناس العفة عن السؤال والاستغناء بالله مجلبة للرزق الحسن وطريق للكرامة وعن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته رواه مسلم تلحفوا أي تكثروا في الطلب كاره أي لا أريد دفعه له فيبارك أي لا يبارك له فيه من فوائد الحديث أنهي عن إحراج الآخرين بكثرة الإلحاح وحملهم على العطاء بالحياة لأن ما يعطى عن غير رضا أو حياء لا يبارك فيه بل هو حرام بيان كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا يرد سائلا ينبغي على الإمام أن يوصي رعيته وأن يسدي النصح لهم إذا وقعوا في محذور شرعي أو خشي عليهم ذلك وعن أبي عبد الرحمن عوف بن مالكن الأشجعي رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا حديثي عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله ثم قال ألا تبايعون رسول الله فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلى من بايعك قال على أن تعبد الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا وأسر كريمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه رواه مسلم حديث عهد ببيعة أي قد بايعناه من قريب فعلى أي شيء من فوائد الحديث استحباب تجديد العهد مع الله عز وجل على صدق الإيمان به والإخلاص في عبادته والتزام شريعته البيعة ينبغي أن تكون واضحة غير عمية استجابة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم لأمر أو ندبهم لحاجة وجوب الوفاء بالبيعة وعدم نكثها الحث على مكارم الأخلاق ومنها الترفع عن تحمل منة الخلق بعزة النفس والاستغناء عنه اعتماد المسلم على نفسه وتوليه كل شؤونه وعدم اتكاله على غيره التنزه عن كل ما يسمى سؤالا ولو في أمر تافه رياض الصالح