بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صور من حياة الصحابيات للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمة الله حليمة السعدية رضي الله عنها هذه السيدة الرصان الرزان أثيرة لدى كل مسلم عزيزة على كل مؤمن فمن ثديها الطاهرين رضع الغلام السعيد محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى صدرها المفعم بالمحبة غفى وفي حجرها الطافح بالحنان درج ومن فصاحتها وفصاحة قومها بني سعد النهل فكان من أبيا الأبي ناء كلاما وأفصح الفصحاء نطقا إنها السيدة الجليلة حليمة السعدية أم نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه من الرضاع والإرضاع السيدة السعدية للطفل المبارك الذي ملأ الدنيا برا ومرحمة وأترعها خيرا وهديا وزانها خلوقا وفضلا قصة من روائع القصص حكتها حليمة السعدية ببيانها المشرق الأنيق الجذاب وأسلوبها المتألق الرشيق الممتع فتعالوا نستمع إليها فخبرها عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من روائع الأخبار قالت حليمة السعدية خرجت من منازلنا أنا وزوجي وبن لنا صغير نلتمس الرضاعاء في مكة وكان معنا نسوة من قوم بني سعد قد خرجنا لمثل ما خرجت إليه وكان ذلك في سنة قاحلة مجدبة أي بست الزرع وأهلكت الضرع فلم تبق لنا شيئا وكان معنا دابتان عجفاوان مسنتان لا ترشحان بقطرة من لبن فركبت أنا وغلام صغير إحداهما أما زوجي فركب الأخرى وكانت ناقته أكبر سنا وأشده زالا وكنا والله ماننا ملحظة في ليلنا كله لشدة بكاء طفلنا من الجوع إذ لم يكن في ثدي ما يغنيه ولم يكن في ضرعي ناقتنا ما يغذيه ولقد أبطأنا بالركب بسبب هزال أتاننا وضعفها فضجر رفاقنا منا وشق عليه مستفر بسببنا فلما بلغنا مكة وبحثنا عن الرضاع وقعت في أمر لم يكن بالحسبان ذلك أنه لم تبقى مرأة إلا وعرض عليها الغلام الصغير محمد بن عبد الله فكنا نأباه لأنه يتيم وكنا نقول ما عسى أن تنفعنا أم صبي لا أب له وما عسى أن يصنع لنا جده ثم إنه لم يمضي علينا غير يومين اثنين حتى ظفرت كل مرأة معنا بواحد من الرضاع أما أنا فلم أظفر بأحد فلما أزمعنا الرحيل قلت لزوجي إني لأكره أن أرجع إلى منازلنا وألقى بني قومنا خاوية الوفاض دون أن آخذ رضيعا فليس في صويح بات امرأة إلا ومعها رضيع والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم ولآخذنه فقال لها زوجها لا بأس عليك خذيه فعسى الله أن يجعل فيه خيرا فذهبت إلى أمه وأخذته وبالله ما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غلاما سواه فلما رجعت به إلى رحلي وضعته في حجري وألقمته ثدي فدر عليه من اللبن ما شاء الله أن يدر بعد أن كان خاويا خاليا فشرب الغلام حتى روي وشرب أخوه حتى روي أيضا ثم ناما فاضطجعت أنا وزوجي إلى جانبهما لننام بعد أن كنا لا نحظى بالنوم إلا غرارا بسبب صبينا الصغير ثم حانت من زوج التفاتة إلى ناقتنا المسنة العجفى فإذا ضرعاها حافلان ممتلئان فقام إليها دهشا وهو لا يصدق عينيه وحلب منها وشرب ثم حلب لي فشربت معه حتى امتلأنا ريا وشبعا وبتنا في خير ليلة فلما أصبحنا قال لي زوجي أتدرينا يا حليمة أنك قد ضفرت بطفل مبارك فقلت له إنه لك ذلك وإني لأرجو منه خيرا كثيرا ثم خرجنا من مكة فركبت أتاننا المسنة وحملته معي عليها فمضت نشيطة تتقدم دواب القوم جميعا حتى ما يلحق بها أي من دوابهم فجعلت صواحبي يقول لي ويحكي ابنة أبي ذؤيب تمهلي علينا أليست هذه أتانك المسنة التي خرجتم عليها فأقول لهم بلى والله إنها هي فيقول والله إن لها لشأنا ثم قدمنا منازلنا في بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أشد قحطا منها ولا أقسى جدبا لكن غنمنا جعلت تغدو إليها مع كل صباح فترعى فيها ثم تعود مع المساء فنحلب منها ما شاء الله أن نحلب ونشرب من لبنها ما طاب لنا أن نشرب وما يحلب أحد غيرنا من غنمه قطرة فجعل بنو قومي يقولون لرعيانهم ويلكم إسرحوا بغنمكم حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فصاروا يسرحون بأغنامهم وراء غنمنا غير أنهم كانوا يعودون بها وهي جائعة ما ترشح لهم بقطرة ولم نزل نتلقى من الله البركة والخير حتى انقضت سنتا رضاع الصبي وتم فطامه وكان خلال عاميه هذه ينمو نمو لا يشبه نمو وأقرانه فهو ما كاد يتم سنتيه عندنا حتى غدا غلاما قوي مكتملا عند ذلك قدمنا به على أمه ونحن أحرص ما نكون على مكثه عندنا وبقائه فينا لما كنا نرى في بركته فلما لقيت أمه طمأنتها عليه وقلت ليتك تتركين بني عندي حتى يزداد فتوة وقوة فإني أخشى عليه وباء مكة ولم أزل بها أقنعها وأورغبها حتى ردته معنا فرجعنا به فرحين مستبشرين ثم إنه لم يمضي على مقدم الغلام معنا غير أشهر معدودات حتى وقع له أمر أخافنا وأقلقنا وهزنا هزا فلقد خرج ذات صباح مع أخيه في غنيمات لنا يرعيانها خلف بيوتنا فما هو إلا قليل حتى أقبل علينا أخوه يغدو وقال إلحق بأخي القرشي فقد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعه وشق بطنه فانطلقت أنا وزوجي نغدو نحو الغلام فوجدناه منتقع الوجه مرتجفا فالتزمه زوجي وضممته إلى صدري وقلت له ما لك يا بني فقال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشق بطني والتمسى شيئا فيه لا أدري ما هو ثم خلياني ومضي فرجعنا بالغلام مضطر بين خائفين فلما بلغنا خباءنا إلتفت إلي زوجي وعيناه تدمعان ثم قال إني لأخشى أن يكون هذا الغلام المبارك قد أصيب بأمر لا قبل لنا برده فألحقيه بأهله فإنهم أقدروا منا على ذلك فاحتملنا الغلام ومضينا به حتى بلغنا مكة ودخلنا بيت أمه فلما رأتنا حدقت في وجه ولدها ثم بادرتني قائلة أقدمك بمحمد يا حليمة وقد كنت حريصة عليه شديدة الرغبة في مكثه عندك فقلت لقد قوي عوده وكتملت فتوةه وقضيت الذي علي نحوه وتخوفت عليه من الأحداث فأديته إليك فقالت أصدقيني الخبر فما أنت بالتي ترب عن الصبي لهذا الذي ذكرته ثم ما زالت تلح علي ولم تدعني حتى أخبرتها بما وقع له فهدأت ثم قالت وهل تخوفت عليه الشيطان يا حليمة فقلت نعم فقالت كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل وإن لبني لشأنا فهل أخبرك خبره فقلت بلا قالت رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور نور أضاء لي قصور بصرا من أرض الشام ثم إني حين ولدته نزل واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السماء ثم قالت دعيه عنك وانطلقي راشده وجزيتي عنا وعنه خيرا فمضيت أنا وزوجي محزونين أشد الحزن على فراقه ولم يكن غلامنا بأقل منا حزنا عليه وآسا ولوعة على فراقه وبعد فلقد عاشت حليمة السعدية حتى بلغت من الكبر عتيا ثم رأت الطفل اليتيما الذي أرضعت قد غدا للعرب سيدا وللإنسانية مرشدا وللبشرية نبيا ولقد وفدت عليه بعد أن آمنت به وصدقت بالكتاب الذي أنزل عليه فما إن رآها حتى استطار بها سرورا وطفق يقول أمي ثم خل علىها رداءه وبسطه تحتها وأكرم وفادتها أبلغ الإكرام وعيون الصحابة تنظر إليه وإليها في غبطة وإجلال صلوات الله وسلامه على محمد للبر الوفي صاحب الخلق الكريم ورضوان الله على السيدة حليمة السعدية ظئر النبي العظيم صلى الله عليه وسلم حليمة السعدية رضي الله عنها أم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من الرضا