بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عليه السَّلام مريم تهزُّ النخلةَ وهي نُفسَى عادةً ما تكون المرأة بعد الولادة مباشرةً في أضعف أحوالها وقوَّتها حتى وليدها قد يصعب عليها حمله وهي بحاجة إلى رعاية في هذه الفترة حتى تسترد أنفاسها وأكثر من يقف مع المرأة في هذه الفترة الحرجة لها أمها وأخواتها ولذلك كان من عادة بعض المجتمعات أن المرأة بعد الولادة مباشرة تجلس فترة النفاس عند والدتها لتعينها على ما هي فيه ولتعلمها من قبرتها في الحياة كيفية التعامل مع المولود الجديد أما في حالة مريم عليه السلام فإنها تفتقد لكل ما ذكرنا بل الأمر أصعب من ذلك جدا فهي تعاني نفسياً من قضية مواجهة قومها بوليدها فهي لا تفكر الآن في من يخدمها أو يعينها على آلام الولادة والنفاس وإنما تفكر كيف تواجه قومها وماذا تقول لهم فكان العلاج الأول لنفسية مريم عليه السلام إبعاد الحزن عن نفسها بالنظر إلى النعم من حولها كما قال الله تعالى في كتابه فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ووجود الماء حولها نعمة عظيمة ثم قال لها وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا طلب منها أن تهز النخلة التي كانت قبل قليل تستند إليها في ولادتها لقوة جذعها وصلابتها وثباتها في الأرض يطلب منها أن تهزها كيف تهز مريم عليه السلام جذع النخلة والنخلة لا يحرك جذعها الرجل القوي الشديد ثم هي مع ذلك نفساء يعني في أشد حالات الضعف التي تمر بها المرأة أضيف إلى ذلك أن الرطب لا يسقط في العادة من هز النخلة بل لا بد أن يصعد إليه المزارع ويلتقطه من النخلة مباشرة ومع ذلك كله يقول لها وهز إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا قال الشنقيطي رحمه الله أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة وهز إليك بجذع النخلة الآية أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعا وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعا لا ينافي التوكل على الله بحال لأن المكلف يتعاط السبب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه فهو متوكل على الله عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف ومن أصرح الأدلة في ذلك قوله تعالى قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمِ الآية فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزء إلى معان مختلفة ومع هذا أحرقت الحطب فصار رماداً من حرها في الوقت الذي هي كائنة بردًا وسلامًا على إبراهيم فدلَّ ذلك دلالةً قاطعةً على أن التأثير حقيقةً إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا ومن أوضح الأدلة في ذلك أنه ربما جعل الشيء سببًا لشيء آخر مع أنه منافل له كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعضٍ من بقرةٍ مذبوحةٍ سببًا لحياته وضربه بقطعةٍ ميتةٍ من بقرةٍ ميتةٍ منافل لحياته إذ لا تكسب الحياة من ضربٍ بميت وذلك يوضح أنه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب ولا يقع تأثيرٌ البتة إلا بمشيئته جل وعلا ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله قوله تعالى عن يعقوب وقال يا بني لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ودخلوا من أبوابٍ متفرقة أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب وتسبب في ذلك بالأمر به لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجلٍ واحد وهم أهل جمالٍ وكمالٍ وبسطةٍ في الأجسام فدخولهم من بابٍ واحد مظنةٌ لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من أبوابٍ متفرقة تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين كما قال غير واحدٍ من علماء السرف ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه وقال يا بني لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ودخلوا من أبوابٍ متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله لا تدخلوا من بابٍ واحد وبين التوكل على الله في قوله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون وهذا أمرٌ معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع وقد قال بعضهم في ذلك ألم تر أن الله قال لمر يما وهز إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن كل شيء له سبب وهذا يعني أختي الكريمة أن الجلوس والندب على حالنا ووضعنا من غير الأخذ بالأسباب مخالف للشرع فلا يكفي أن نجلس ونتحدث عن انحراف الفتيات اليوم وجهود أهل الفساد في ذلك بل لا بد من العمل بالأسباب الشرعية التي تقاوم مثل هذه الانحرافات وعلى رأسها الدعوة إلى الله ونشر الحق الذي يجمغ الله به الباطل كذلك الظلم الواقع على المرأة في بعض المجتمعات بسبب العادات والتقاليد الجاهلية لا يمكن تغييره بالبكاء والصمت أما يغير بإنكاره وبيان الحق الذي شرعه الله عز وجل للمرأة في مثل هذه القضايا التي تظلم فيها كمنعها من الميراث في بعض المجتمعات وتسلق الرجال من محارمها على أموالها وأكل بعض الأولياء لمهرها وإلزامها بزوج لا تريده وغيرها من صوار الظلم النابعة من عادات جاهلية مخالفة للشرع وأيضا أختي الكريمة المشاكل الزوجية لا تحل بدون الأخذ بأسباب الحل المشروعة والتي من أهمها تغيير النفس لقوله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم ثم استشارة أهل الاختصاص مبكرا قبل استفحال المشكلة والفتاة التي لم تتزوج بعد وتتمنى الزواج هي بحاجة كذلك إلى الأخذ بالأسباب المشروعة لنيل ما تتمنى والتي منها الدعاء وهو على رأسها وليس من الأسباب المشروعة التبرج أو التعرف على الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولا العمل المختلط فإنما عند الله لا ينال بمعصية الله وعلمي أختي الكريمة أن من أعظم الأسباب التي تعينك على مرادك في الحياة هو قوة ارتباطك وعلاقتك بالله عز وجل في حال الرخاء والشدة هذه العلاقة التي بينك وبين الله عز وجل تتجلى في طاعتك لله وتقربك إليه بأنواع العبادات وتأملي حال مريم عليه السلام كيف كانت قبل حملها كانت قد أعدت لنفسها مكانا خاصا لعبادتها وتقربها إلى الله وكانت كثيرة الصلاة والمناجات لله عز وجل فلما ابتلاها ربها بالحمل لم يتركها وحدها في هذا الابتلاء وإنما أعانها عليه من كل النواحي كما مر بك في حلقة سابقة وكما سنذكره في حلقة قادمة إن شاء الله هذه العلاقة بالله تتجلى لك آثارها في مواقفة قطع فيها الأسباب المادية المتعلقة بالأمر الذي يمر بك مثل ما حصل لأصحاب الغار الذين أطبق عليهم الغار ولم يستطيعوا أن يزحزحوا الصخرة من مكانها مع أنهم ثلاثة رجال فلجأوا إلى التوسل إلى الله بأرجى عمل لهم يظنون أنهم أخلصوا فيه فلما فعلوا ذلك فرج الله عنهم إن ثباتك أخت الكريمة على الحق في زمن الفتن التي تحيط بالناس اليوم من كل جانب يحتاج إلى الأخذ بالأسباب المشروعة مثل كثرة الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقليب القلوب فعن أنس رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قال فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال فقال نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها رواه أحمد فهذا سبب من الأسباب ومنها كذلك الرفقة الصالحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل رواه أبو داود ومنها البعد عن مواطن الفتن وعدم لوجها فإنك لا تدرينا كيف تؤثر على قلبك ومن أخطر مواطن الفتن ميادين الاختلاط بالرجال كالجامعات المختلطة والوظائف المختلطة ولا يغرنك من يزين لك الاختلاط بحجة الدعوة إلى الله وتعلم العلم الشرعي فإن هذا من مداخل إبليس على الصالحين ومن مواطن الفتن التعرض للشبهات بحجة الرد عليها قبل ثبات القدم بالعلم الراسق والعقيدة الصحيحة فهذه أسباب لا تتغافل عنها أخيتي فإنك مأمورة بالأخذ بها كما أمرت مريم بهز النخلة لتأكل ولا يتصور في ديننا أن الأخذ بالأسباب مطلوب في طلب الرزق ومهمل في طلب الهداية والثبات عليها أسأل الله أن يثبتنا على الحق إلى يوم لقياه نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين