بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفا ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله محمد بن سيرين رحمه الله عزم سيرين على أن يستكمل شطر دينه بعد أن حرر أنس بن مالك رضي الله عنه رقبته وبعد أن غدت حرفته تدر عليه الربح الوفير والخير الكثير فقد كان نحاسا ماهرا يتقن صناعة القدور وقد وقع اختياره على مولاة لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه تدعى صفية لتكون زوجة له كانت صفية جارية في بواكير الشباب وضيأة الوجه ذكية الفؤاد كريمة الشماء لنبيلة الخصائل محببة إلى كل من عرفها من نساء المدينة لا فرق في ذلك بين الشواب اللواتي تربطهن بها وشائج اليفاعة وبين المسنات اللواتي كن يرينها صنوى لهن في رجاحة العقل ورصانة السلوك وكانت أشد النساء حبا لها زوجات الرسول صلوات الله وسلامه عليه ولا سيم السيدة عائشة رضي الله عنها تقدم سيرين إلى أمير المؤمنين فخطب منه مولاته صفية فبادر الصديق رضي الله عنه إلى البحث عن دين الخاطب وخلقه كما يبادر الأب الشفيق الحاني للبحث عن حال خاطب بنته ولا غروا فقد كانت صفية تحتل من نفس أبي بكر منزلة الولد من أبيه ثم إنها بعد ذلك كله أمانة أو دعها الله في عنقه فمضى يستقصي أحوال سيرين أشد الاستقصى ويتتبع سيرته أدق التتبع وكان في طليعة من سألهم عنه أنس بن مالك رضي الله عنه فقال له أنس زوجها منه يا أمير المؤمنين ولا تخشى عليها بأسا فما عرفته إلا صحيح الدين رضي الخلق موفور المروأة ولقد ارتبطت أسبابه بأسبابي منذ سباه خالد بن الوليد في معركة عين التمر مع أربعين غلاما وجاء بهم إلى المدينة فكان سيرين من نصيبي وكنت محظوظا به وافق الصديق رضي الله عنه على تزويج صفية من سيرين وعزم على أن يبرها كما يبر الأب الشفيق ابنته الأثيرة وأقام لإملاكها حفلاً قل ما ظفرت بمثله فتاة من فتيات المدينة فقد شهد إملاكها طائفة كبيرة من كرام الصحابة وكان فيهم ثمانية عشر بدريا ودعا لها كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب وأمن على دعائه الحاضرون وطيبتها وزينتها ثلاث من أمهات المؤمنين رضوان الله عليهم حين زفت إلى زوجها وقد كان من ثمرات هذا الزواج المبارك الرزق الأبوان غلاما غدا بعد عقدين من الزمان علماً من أعلام التابعين ورجلاً من أفذاذ المسلمين هو محمد بن سيرين فتعالوا نبدأ قصة حياة هذا التابعي الجليل من أولها ولد محمد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وربيا في بيت يتضوع الورع والتقى من كل ركن من أركانه ولما أيفع الغلام الأريب اللبيب وجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزخر بالبقية الباقية من كرام الصحابة وكبار التابعين من أمثال زيد بن ثابت وأنس بن مالك وعمران بن الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين فأقبل عليهم إقبال الظامئ على المورد العذ ونهل من علمهم بكتاب الله وفقههم بدين الله وروايتهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أفعم عقله حكمة وعلم وأترع نفسه صلاحا وهديا ثم انتقلت الأسرة مع فتاها الفذ إلى البصرة واتخذتها لها موطنا كانت البصرة يومئذ مدينة شابة بكرا فقد اختطها المسلمون في أواخر خلافة الفاروق رضي الله عنه وكانت تمثل جل خصائص الأمة الإسلامية في ذلك العصر فهي قاعدة عسكرية لجيوش المسلمين الغازية في سبيل الله وهي مركز من مراكز التعليم والتوجيه للداخلين في دين الله من أهل العراق وفارس وهي صورة للمجتمع الإسلامي الجاد الذي يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا ويعمل لأخراه كأنه يموت غدا سلك محمد بن سيرين في حياته الجديدة في البصرة طريقين متوازين متوازنين فجعل شطرا من يومه للعلم والعبادة وشطرا آخر للكسب والتجارة فكان إذاً بلج الفجر وأشرقت الدنيا بنور ربها غدا إلى مسجد البصرة يعلم ويتعلم حتى إذا ارتفع النهار مضى من المسجد إلى السوق يبيع ويشتري فإذا جاء الليل وأرخى على الكون سدولة صف في محراب بيته وانحنى على أجزاء القرآن بصلبه وبكى من خشية الرحمن بدموع عينيه وقلبه حتى يشفق عليه أهله وجيرانه الأدنون لما يسمعونه من نحيبه الذي يقطع نياط القلوب وكان وهو يطوف بالسوق في النهار للبيع والشراء لا يفتأو يذكر الناس بالآخرة ويبصرهم بالدنيا ويرشدهم إلى ما يقربهم إلى الله ويفصل فيما يشجر بينهم من خلاف وكان يطرفهم بين الحين والحين بالملحة التي تمسح الهم عن نفوسهم المكدودة من غير أن ينقص ذلك من هيبته ووقاره عندهم شيئا فقد وهبه الله جل وعز هديا وسمتا ومنحه قبولا وتأثيرا فكان الناس إذا رأوه في السوق وهم غارقون غافلون انتبهوا فذكروا الله عز وجل وهللوا وكبروا وكانت سيرته العملية خير مرشد للناس فما عرض له أمران في تجارته إلا أخذ بأوثقهما في دينه ولو كانت فيه خسارة تصيب دنيا وكانت دقة فهمه لأسرار الدين وصحة نظرته إلى ما يحل وما لا يحل تدفعه أحيانا إلى بعض المواقف التي تبدو غريبة لعيون الناس من ذلك أن رجلا ادعى عليه كذبا أن له في ذمته درهمين فأبا أن يعطيه إياهما فقال له الرجل أتحلف وهو يظن أنه لا يحلف من أجل درهمين فقال نعم وحلف له فقال له الناس يا أبا بكر أتحلف من أجل درهمين وأنت الذي تركت أمس أربعين ألف درهم في شيء رابك مما لا يرتاب فيه أحد غيرك فقال نعم أحلف فإني لا أريد أن أطعمه حراما وأنا أعلم أنه حرام وكان مجلس بن سيرين مجلس خير وبر وموعظة فإذا ذكر عنده رجل بسيئة بادر فذكره بأحسن ما يعلم من أمره بل إنه سمع أحدهم يسب الحجاج بعد وفاته فأقبل عليه وقال صه يا ابن أخي فإن الحجاج مضى إلى ربه وإنك حين تقدم على الله جل وعز ستجد أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشد على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه وعلم يا ابن أخي أن الله جل وعز سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم كما سيقتص للحجاج ممن يظلمونه فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسب أحد وكان إذا جاءه رجل مودعا في سفر لتجارة قال له يا ابن أخي اتق الله عز وجل وطلب ما قدر لك من طريق حلال وعلم أنك إن تطلبه من غير حله لم تصب أكثر مما قدر لك ولقد كانت لمحمد بن سيرين معولات بني أمية مواقف مشهودة صدع فيها بكلمة الحق وأخلص النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين من ذلك أن عمر بن هبيرة الفزاري رجل بني أمية الكبير وواليهم على العراقين بعث إليه يدعوه إلى زيارته فمضى إليه ومعه ابن أخي فلما قدم عليه رحب به الوالي وأكرم وفادته ورفع مجلسة وسأله عن كثير من شؤون الدين والدنيا ثم قال له كيف تركت أهل مصرك يا أبا بكر فقال تركتهم والظلم فيهم فاش وأنت عنهم لاه فغمزه ابن أخيه بمنك به فالتفت إليه وقال إنك لست الذي تسأل عنهم وإنما أنا الذي أسأل وإنها لشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ولما انفض المجلس وادعه عمر بن هبيرة بمثل ما استقبله به من حفاوة وإجلال وبعث إليه بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار فلم يأخذها فقال له ابن أخيه ما يمنعك أن تقبل هبة الأمير فقال إنما أعطاني لخير ظنه بي فإن كنت من أهل الخير كما ظن فما ينبغي لي أن أقبل وإن لم أكن كما ظن فأحرى بي أن لا أستبيح قبول ذلك ولقد شاء الله جل وعز أن يبلو صدق محمد بن سيرين وصبره فعرضه لما يتعرض له المؤمنون من المحن من ذلك أنه اشترى ذات مرة زيتا بأربعين ألفا مؤجلة فلما فتح أحد زقاق الزيت وجد فيه فأرا ميتا متفسخا فقال في نفسه إن الزيت كله كان في المعصرة في مكان واحد وإن النجاسة ليست خاصة بهذا الزق دون سواه وإني إن ردته للبائع بالعيب فربما باعه للناس ثم أراقه كله وقد وقع ذلك في وقت كان يشكو فيه من خسارة كبيرة حلت به فركبه الدين وطالبه صاحب الزيت بماله فلم يستطع سداده فرفع أمره إلى الوالي فأمر بحبسه حتى يسدد ما علي فلما صار في السجن وطال مكوثه فيه أشفق عليه السجان لما علم من أمر دينه وما رأى من شدة ورعه وطول عبادته فقال له أيها الشيخ إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك وبت معهم فإذا أصبحت فعد إلي واستمر على ذلك حتى يطلق سراحك فقال له لا والله لا أفعل فقال السجان ولما هداك الله فقال له حتى لا أعاونك على خيانة ولي الأمر ولما احتضر أنس بن مالك رضي الله عنه أوصى بأن يغسله محمد بن سيرين ويصلي عليه وكان ما يزال سجينا فلما توفي جاء الناس إلى الوالي وأخبروه بوصية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه واستأذنوه في أن يخلي سبيل محمد بن سيرين لإنفاذ الوصية فأذن له فقال لهم محمد بن سيرين لا أخرج حتى تستأذنوا صاحب الدين فإنما حبست بما له علي من الحق فأذن له الدائن أيضا عند ذلك خرج من سجنه فغسل أنسا وكفنه وصلى عليه ثم رجع إلى السجن كما هو ولم يذهب لرؤية أهله عمر محمد بن سيرين حتى بلغ السابعة والسبعين فلما أتاه اليقين وجده خفيف الحمل من أعباء الدنيا كثير الزاد لما بعد الموت حدثت حفصة بنت راشد وكانت من العابدات فقالت كان مروان المحملي لنا جارا وكان ناصبا في العبادة مجتهدا في الطاعة فلما مات حزنا عليه حزنا شديدا فرأيته في المنام فقلت يا أبا عبد الله ما صنع بك ربك فقال أدخلني الجنة قلت ثم ماذا فقال ثم رفعت إلى أصحاب اليمين قلت ثم ماذا قال ثم رفعت إلى المقربين قلت فمن رأيت هناك قال الحسن البصري و محمد بن سيرين ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ولا أورع في فقه من محمد بن سيرين مورق للعجلي رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالثعلهم وزهت بهم دنيا الأناة