بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالاً جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله زين العابدين رحمه الله لقد طويت في ذلك العام الأغر آخر صفحة من صفحات الأكاسرة فلقد مات يزدجرد آخر ملوك الفرس شريداً طريداً وسقط أساورته وحرسه وأهل بيته أسارا في أيدي المسلمين وسيقة الغنائم إلى المدينة المنورة وقد كان سبيو ذلك النصر الكبير كثيراً وفيراً ثمينا لم تشهد المدينة أكثر منه عدداً ولا أعظم خطرا وكان بين السبايا بنات يزدجرد الثلاث أقبل الناس على السبي فشروه في ساعات معدودات وردوا ثمنه إلى بيت مال المسلمين ولم يبق منه إلا بنات كسرا يزدجرد وكن من أجمل النساء جمالا وأبهى هن طلعة وأنظرهن شبابا ولما عرضنا للبيع أطرقنا إلى الأرض ذلةاً ومهانة وفاضت عيونهن حسرةاً وانكسارا فرق لهن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وتمنى لو شراهن من يحسن القيام عليهن ولا غروا فالرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول إرحموا عزيز قوم ذل فمال على عمر بن الخطاب وقال يا أمير المؤمنين إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن فقال عمر صدقت ولكن كيف فقال علي يقومن ويغالى بأثمانهن ثم تترك لهن الحرية في اختيار من يشأن ممن يدفع الثمن فارتاح عمر لذلك ورضي به وأنفذه فاختارت إحداهن عبدالله بن عمر بن الخطاب واختارت الثانية محمد بن أبي بكر الصديق أما الثارثة وكانت تدعى شاه زنان فاختارت الحسين بن علي تبطى الرسول صلوات الله وسلامه عليه أسلمت شاه زنان وحسن إسلامها ففازت بدين القيمة وأعتقت من الرق فصارت زوجة بعد أن كانت أمة وظفرت بالحرية ثم إنها رأت أن تقطع كل صلة لها بماضيها الوثني فتخلت عن اسمها شاه زنان ومعناه ملكة النساء وأصبحت تدعى غزالة وقد سعدت غزالة بخير الأزواج وأليقهم ببنات الملوك ولم يبق من أمانيها إلا أن تنعم بالولد فأكرمها الله فولدت للحسين غلاما وسيم المحيى بهي الطلعة فسمته علي تيمنا باسم جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لكن فرحة غزالة لم تدم سوى لحظات ذلك لأنها لبت نداء ربها إذ رحما نفاس عاجلتها فلم تترك لها فرصة للتمتع بمولودها تولت رعاية الصبي صغير مولاة له فأحبته فوق ما تحب أم ولدها ورعته أكثر مما ترعى والدة وحيدها فنشأ وهو لا يعرف له أما غيرها ما كاد علي بن الحسين يبلغ سن التمييز حتى أقبل على طلب العلم بشغاف وشوق وكانت مدرسته الأولى بيته أكرم به من بيت وكان معلمه الأول والده الحسين بن علي أعظم به من معلم أما مدرسته الثانية فمسجد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وكان المسجد النبوي الشريف يوم إذ يموج بالبقية الباقية من صحابة الرسول الكريم ويزخر بالطبقة الأولى من كبار التابعين وكان هؤلاء وهؤلاء يفتحون قلوبهم لهذه الأكمام المزدهرة من أبناء الصحابة الكرام فيقرئونهم كتاب الله عز وجل ويفقهونهم فيه ويروون لهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقفونهم على مرامي ويقصون عليهم سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ومغازيه وينشدونهم شعر العرب ويبصرونهم بمواطن جماله ويملؤون قلوبهم الغضة بحب الله عز وجل وخشيته وتقواه فإذا هم علماء عاملون وهدات مهديون لكن علي بن الحسين لم يتعلق قلبه بشيء كما تعلق بكتاب الله عز وجل ولم تهتز مشاعره لأمر كما كانت تهتز لوعده ووعيده فإذا قرأ آية فيها ذكر الجنة طار فآده شوقا إليها وإذا سمع آية فيها ذكر النار زفر زفرة كأن لهيب جهنم في أحشائه وما إن اكتمل علي بن الحسين شبابا وعلما حتى ظفر المجتمع المدني الأمثل بفتا من أعمق فتيان بني هاشم عبادة وتقا وأعظمهم فضلا وخلقا وأكثرهم إحسانا وبرا وأوسعهم معرفة وعلما فلقد بلغ من عبادته وتقواه أنه كانت تأخذه رعدة بين وضوءه وصلاته فتنفض جسده نفضا فلما كلما في ذلك قال ويحكم كأنكم لا تدرون إلى من أقوم لا تعلمون من أريد أن أناجي وقد بلغ من إحسان الفتى الهاشمي لعبادته وإتقانه لشعائره أن دعاه الناس زين العابدين حتى نسي قومه اسمه أو كادو وأثر لقبه هذا على اسمه وقد بلغ من إطالته لسجوده واستغراقه فيه أن ناداه أهل المدينة بالسجاد وقد بلغ من صفاء نفسه ونقاء قلبه أن نعتوه بالزكي وكان زين العابدين رضوان الله عليه يوقن أن مخ العبادة الدعاء وكان يطيب له الدعاء أكثر ما يطيب وهو متعلق بأستار الكعبة فلكم التزم البيت العتيق وجعل يقول رب لقد أذقتني من رحمتك ما أذقتني وأوليتني من إنعامك ما أوليتني فصرت أدعوك آمنا من غير وجل وأسألك مستأنسا من غير خوف رب إني أتوسل إليك توسل من اشتدت فاقته إلى رحمتك وضعفت قوته عن أداء حقوقك فقبل مني دعاء الغريق الغريب الذي لا يجد لإنقاذه إلا أنت يا أكرم الأكرمين ولقد رآه طاووس بن كيسان ذات مرة يقف في ظلال البيت العتيق وهو يتململ تململ السليم ويبكي بكاء السقيم ويدعو دعاء المضطر فوقف ينتظره حتى إذا كف عن بكائه وفرغ من دعائه تقدم نحوه وقال له يا ابن رسول الله رأيتك على حالتك هذه ولك فضائل ثلاث أرجو أن تؤمنك من الخوف فقال زين العابدين وما هن يا طاووس فقال إحداهن أنك ابن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه والثانية شفاعة جدك لك والثالثة رحمة الله فقال له يا طاووس إن انتسابي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لا يؤمنني بعد أن سمعت قول الله عز وجل فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ وأما شفاعة جدي لي فإن الله علت كلمته يقول ولا يشفعون إلا لمن يرتضى وأما رحمة الله تعالى فهو يقول إن رحمة الله قريب من المحسنين ولقد أفاضت التقوى على زين العابدين ما شاء الله أن تفيض من شمائل الفضل والنبل والحلم حتى زدانت كتب السير بروائع أخباره وزهت صفحاتها بنبيل مواقفه من ذلك ما رواه الحسن بن الحسن قال وقعت بيني وبين ابن عمي زين العابدين جفوة فذهبت إليه وأنا أتميز غيظا منه وكان مع أصحابه في المسجد فما تركت شيئا إلا قلته له وهو ساكت لا يتكلم ثم انصرفت فلما كان الليل إذا طارق على الباب يقرعه فقمت إليه لأرى من هو فأيذا زين العابدين فما شككت أنه جاء يرد إلي الأذى ولكنه قال يا أخي إن كنت صادقا فيما قلت لي فغفر الله لي وإن كنت غير صادق فغفر الله لك ثم ألقى علي السلام ومضى فلحقت به وقلت له لا جرم لا أعدت إلى أمر تكره فرق لي وقال وأنت في حل مما قلت لي وروا أحد أبناء المدينة قال كان زين العابدين خارجا من المسجد فتبعته وجعلت ألوح له بالشتم ولست أدري سببا لذلك فهجم علي الناس يريدون أخذي ولو أخذوني لم يفلتوني حتى أحطم فالتفت إلى الناس وقال كفوا عني الرجل فكفوا عني ولما رأى ما أصابني من الذعر أقبل علي بوجهه الطلق وجعل يؤمنني ويهدئ من روعي ثم قال لي لقد سببتنا بما علمت وما ستر عنك من أمرنا أكبر ثم قال لي ألك حاجة نعينك عليها فاستحييت منه ولم أقل شيئا فلما رأى حيائي ألقى عليك ساءا كان عليه وأمر لي بألف درهم فجعلت أقول كل ما رأيته بعد ذلك أشهد أنك من أبناء الرسول عليه الصلاة والسلام وروا أحد مواليه قال كنت غلاما لعلي بن الحسين فأرسلني في حاجة فأبطأت عليه فلما جئته خفقني بالسوط فبكيت واشتد غيظي منه لأنه ما خفق أحدا قبلي قط وقلت له الله الله يا علي بن الحسين أتستخدمني في حاجة فأقضيها لك ثم تضربني فبكى وقال إذهب إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وصل ركعتين ثم قل اللهم اغفر لعلي بن الحسين فإذا ذهبت وفعلت فأنت حر لوجه الله تعالى فذهبت وصليت ودعوت ولم أعد إلى داره إلا وأنا حر ولقد وسع الله عز وجل على زين العابدين وأفاض عليه الرزق فيضا فكانت له تجارة رابحة وزراعة نامية وكان ينهض بها غلمانه وكانت زراعته وتجارته تدران عليه الخير الوفير والمال الكثير لكن زين العابدين لم يزهه الغنى ولم تبطره النعمة وإنما جعل مال الدنيا مطية للفوز في الآخرة فكان ثراؤه نعم الثراء صالح للعبد الصالح وكان أكثر ما حبب إليه من أعمال البر صدقة السر فكان إذا جن الليل يحمل أكياس الدقيق على ظهره الناحل ويخرج بها في عتمات الليل والناس نيام وكان يجوب بها أحياء المدينة ليتصدق على ذو الحاجات ممن لا يسألون الناس الحافى فكانت جماعات كثيرة من أهل المدينة تعيش وهي لا تدري من أين يأتيها رزقها رغدا فلما مات علي بن الحسين فقد هؤلاء ما كان يأتيهم من رزق فعرفوا مصدره ولما وضع زين العابدين على المغتسل نظر غاسلوه فوجدوا في ظهره آثار سواد فقالوا ما هذا فقيل لهم إنه من آثار حمل أكياس الدقيق إلى مائة بيت في المدينة فقدت عائلها بفقده أما أخبار عتق علي بن الحسين للأرقاء فقد شرقت بها الركبان وغربت لأن صنيعه هذا فاق خيال المتخيلين وجاوز تطلع المتطلعين فكان يعتق العبد إذا أحسن مكافاتا له على إحسانه وكان يعتق العبد إذا أساء وتاب جزاء له على توبته حتى روى الراوون أنه أعتق ألف عبد وأنه لم يستخدم أحدا من غلمانه وأيمائه أكثر من عام واحد وكان عتقه لعبيده يقع أكثر ما يقع ليلة عيد الفطر حيث كان يحرر في تلك الليلة المباركة ما يقدره الله على تحريره من رقاب الأرقاء ويسألهم أن يتوجهوا إلى القبلة وأن يقولوا اللهم اغفر لعلي بن الحسين ثم يزودهم بما يجعل عيدهم عيدين وفرحتهم فرحتين ولقد حل علي بن الحسين من قلوب الناس منزلة لم يزد عليها إنسان في عصره فلقد أحبه الناس أصدق ما يكون الحب وأجلوه أعظم ما يكون الإجلال وتعلقو به أشد ما يكون التعلق واشتاقوا إلى رؤيته أعمق ما يكون الشوق فكانوا يترقبونه لينعموا برؤياه خارجا من البيت أو داخلا إليه أو غاديا إلى المسجد أو رائحا منه روي أن هشام بن عبد الملك وفد على مكة حاجة وكان يومئذ وليا للعهد فأقبل يريد الطواف ويبتغ استلام الحجر الأسود وأخذ الجند الحافون به ينبهون الناس إليه ويوسعون الطريق له لكن أحدا من الناس لم يلتفت إليهم ولم يوسع لهم فالبيت بيت الله والناس جميعا عبيده وفيما هم كذلك سمعت أصوات التهليل والتكبير آتية من بعيد فاشرأبت نحوها الأعناق فإذا رجل في كوكبة من الناس قسيم وسيم ضامر الجسم وضيء الوجه عليه سكينة ووقار قد مشى في إزار وردى وبدا بين عينيه أثر السجود فجعلت كتل الناس تنفرج له وتغدو صفوفا صفوفا وهي تستقبله بنظرات الشوق والحب حتى بلغ الحجر الأسود واستلمه وهن التفت أحد رجال الحاشية إله شام بن عبد الملك وقال له من هذا الذي أكرمه الناس كل هذا الإكرام وأجلوه كل هذا الإجلال فقال هشام لا أعرفه وكان الفرزدق حاضرا فقال إن كان هشام لا يعرفه فأنا أعرفه والدنيا كلها تعرفه هذا علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعن جده ثم أنشد هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا فليس قولك من هذا بظائره العرب تعرف من أنكرت والعجم كلت يديه غياث عم نفعهما يستو كفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم ما قال لا قط إلا في تشهده لو لا التشهد كانت لا أهو نعم عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يغضي حياء ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم بكفه خيزران ريحه عبق من كف أروع في عرنينه شمم مشتقة من رسول الله نبعته طابت مغارسه والخيم والشيم رضي الله عن سبط رسول الله وارضاه فقد كان صورة فذة للذي يخشى الله في السر والعلن ويضن النفس خوفا من عقاب الله ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين الزهري خيرون مواقفا ومثالا تبعوا الرسول إذا سعى أو قالا كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فموا فينا ذكرهم يتعالى ألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأناة