WEBVTT

00:00:00.430 --> 00:00:03.430
بسم الله الرحمن الرحيم

00:00:03.430 --> 00:00:08.429
خير القرون مواقفاً ومثالاً

00:00:08.429 --> 00:00:13.429
تبع الرسول إذا سعى أو قالاً

00:00:13.429 --> 00:00:15.429
جمعية مودة

00:00:15.429 --> 00:00:17.429
تقدم

00:00:17.429 --> 00:00:21.500
صور من حياة التابعين

00:00:21.500 --> 00:00:25.910
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا

00:00:25.910 --> 00:00:27.910
رحمه الله

00:00:27.910 --> 00:00:32.570
زين العابدين

00:00:32.570 --> 00:00:34.659
رحمه الله

00:00:42.719 --> 00:00:45.719
لقد طويت في ذلك العام الأغر

00:00:45.719 --> 00:00:48.719
آخر صفحة من صفحات الأكاسرة

00:00:48.719 --> 00:00:50.719
فلقد مات يزدجرد

00:00:50.719 --> 00:00:54.719
آخر ملوك الفرس شريداً طريداً

00:00:54.719 --> 00:01:00.719
وسقط أساورته وحرسه وأهل بيته أسارا في أيدي المسلمين

00:01:00.719 --> 00:01:04.719
وسيقة الغنائم إلى المدينة المنورة

00:01:04.719 --> 00:01:07.719
وقد كان سبيو ذلك النصر الكبير

00:01:07.719 --> 00:01:10.719
كثيراً وفيراً ثمينا

00:01:10.719 --> 00:01:15.719
لم تشهد المدينة أكثر منه عدداً ولا أعظم خطرا

00:01:15.719 --> 00:01:17.719
وكان بين السبايا

00:01:17.719 --> 00:01:19.719
بنات يزدجرد الثلاث

00:01:19.719 --> 00:01:24.030
أقبل الناس على السبي

00:01:24.030 --> 00:01:27.030
فشروه في ساعات معدودات

00:01:27.030 --> 00:01:30.030
وردوا ثمنه إلى بيت مال المسلمين

00:01:30.030 --> 00:01:34.030
ولم يبق منه إلا بنات كسرا يزدجرد

00:01:34.030 --> 00:01:37.030
وكن من أجمل النساء جمالا

00:01:37.030 --> 00:01:41.030
وأبهى هن طلعة وأنظرهن شبابا

00:01:41.030 --> 00:01:43.030
ولما عرضنا للبيع

00:01:43.030 --> 00:01:46.030
أطرقنا إلى الأرض ذلةاً ومهانة

00:01:46.030 --> 00:01:50.030
وفاضت عيونهن حسرةاً وانكسارا

00:01:50.030 --> 00:01:54.030
فرق لهن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

00:01:54.030 --> 00:01:59.030
وتمنى لو شراهن من يحسن القيام عليهن

00:01:59.030 --> 00:02:01.060
ولا غروا

00:02:01.060 --> 00:02:05.060
فالرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول

00:02:05.060 --> 00:02:08.289
إرحموا عزيز قوم ذل

00:02:08.289 --> 00:02:11.289
فمال على عمر بن الخطاب وقال

00:02:11.289 --> 00:02:13.289
يا أمير المؤمنين

00:02:13.289 --> 00:02:17.289
إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن

00:02:17.289 --> 00:02:20.289
فقال عمر صدقت

00:02:20.289 --> 00:02:22.449
ولكن كيف

00:02:22.449 --> 00:02:23.449
فقال علي

00:02:23.449 --> 00:02:26.449
يقومن ويغالى بأثمانهن

00:02:26.449 --> 00:02:32.479
ثم تترك لهن الحرية في اختيار من يشأن ممن يدفع الثمن

00:02:32.479 --> 00:02:36.479
فارتاح عمر لذلك ورضي به وأنفذه

00:02:36.479 --> 00:02:41.610
فاختارت إحداهن عبدالله بن عمر بن الخطاب

00:02:41.610 --> 00:02:45.610
واختارت الثانية محمد بن أبي بكر الصديق

00:02:45.610 --> 00:02:47.610
أما الثارثة

00:02:47.610 --> 00:02:49.610
وكانت تدعى شاه زنان

00:02:49.610 --> 00:02:52.610
فاختارت الحسين بن علي

00:02:52.610 --> 00:02:57.979
تبطى الرسول صلوات الله وسلامه عليه

00:02:57.979 --> 00:03:01.979
أسلمت شاه زنان وحسن إسلامها

00:03:01.979 --> 00:03:05.979
ففازت بدين القيمة وأعتقت من الرق

00:03:05.979 --> 00:03:11.979
فصارت زوجة بعد أن كانت أمة وظفرت بالحرية

00:03:11.979 --> 00:03:16.979
ثم إنها رأت أن تقطع كل صلة لها بماضيها الوثني

00:03:16.979 --> 00:03:21.979
فتخلت عن اسمها شاه زنان ومعناه ملكة النساء

00:03:21.979 --> 00:03:23.979
وأصبحت تدعى غزالة

00:03:23.979 --> 00:03:27.020
وقد سعدت غزالة بخير الأزواج

00:03:27.020 --> 00:03:30.020
وأليقهم ببنات الملوك

00:03:30.020 --> 00:03:34.020
ولم يبق من أمانيها إلا أن تنعم بالولد

00:03:34.020 --> 00:03:36.020
فأكرمها الله

00:03:36.020 --> 00:03:41.020
فولدت للحسين غلاما وسيم المحيى بهي الطلعة

00:03:41.020 --> 00:03:49.020
فسمته علي تيمنا باسم جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه

00:03:49.020 --> 00:03:53.020
لكن فرحة غزالة لم تدم سوى لحظات

00:03:53.020 --> 00:03:56.020
ذلك لأنها لبت نداء ربها

00:03:56.020 --> 00:03:59.020
إذ رحما نفاس عاجلتها

00:03:59.020 --> 00:04:05.300
فلم تترك لها فرصة للتمتع بمولودها

00:04:05.300 --> 00:04:09.300
تولت رعاية الصبي صغير مولاة له

00:04:09.300 --> 00:04:13.300
فأحبته فوق ما تحب أم ولدها

00:04:13.300 --> 00:04:17.300
ورعته أكثر مما ترعى والدة وحيدها

00:04:17.300 --> 00:04:21.300
فنشأ وهو لا يعرف له أما غيرها

00:04:21.300 --> 00:04:25.360
ما كاد علي بن الحسين يبلغ سن التمييز

00:04:25.360 --> 00:04:29.360
حتى أقبل على طلب العلم بشغاف وشوق

00:04:29.360 --> 00:04:34.360
وكانت مدرسته الأولى بيته أكرم به من بيت

00:04:34.360 --> 00:04:41.360
وكان معلمه الأول والده الحسين بن علي أعظم به من معلم

00:04:41.360 --> 00:04:44.420
أما مدرسته الثانية

00:04:44.420 --> 00:04:48.420
فمسجد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم

00:04:48.420 --> 00:04:52.420
وكان المسجد النبوي الشريف يوم إذ

00:04:52.420 --> 00:04:57.420
يموج بالبقية الباقية من صحابة الرسول الكريم

00:04:57.420 --> 00:05:01.420
ويزخر بالطبقة الأولى من كبار التابعين

00:05:01.420 --> 00:05:04.420
وكان هؤلاء وهؤلاء

00:05:04.420 --> 00:05:10.420
يفتحون قلوبهم لهذه الأكمام المزدهرة من أبناء الصحابة الكرام

00:05:11.420 --> 00:05:14.420
فيقرئونهم كتاب الله عز وجل

00:05:14.420 --> 00:05:16.420
ويفقهونهم فيه

00:05:16.420 --> 00:05:21.420
ويروون لهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:05:21.420 --> 00:05:24.420
ويقفونهم على مرامي

00:05:24.420 --> 00:05:30.420
ويقصون عليهم سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ومغازيه

00:05:30.420 --> 00:05:32.420
وينشدونهم شعر العرب

00:05:32.420 --> 00:05:35.420
ويبصرونهم بمواطن جماله

00:05:35.420 --> 00:05:39.420
ويملؤون قلوبهم الغضة بحب الله عز وجل

00:05:39.420 --> 00:05:41.420
وخشيته وتقواه

00:05:41.420 --> 00:05:44.420
فإذا هم علماء عاملون

00:05:44.420 --> 00:05:47.420
وهدات مهديون

00:05:47.420 --> 00:05:50.639
لكن علي بن الحسين

00:05:50.639 --> 00:05:53.639
لم يتعلق قلبه بشيء

00:05:53.639 --> 00:05:56.639
كما تعلق بكتاب الله عز وجل

00:05:56.639 --> 00:05:59.639
ولم تهتز مشاعره لأمر

00:05:59.639 --> 00:06:02.639
كما كانت تهتز لوعده ووعيده

00:06:03.639 --> 00:06:06.639
فإذا قرأ آية فيها ذكر الجنة

00:06:06.639 --> 00:06:09.639
طار فآده شوقا إليها

00:06:09.639 --> 00:06:13.639
وإذا سمع آية فيها ذكر النار

00:06:13.639 --> 00:06:18.639
زفر زفرة كأن لهيب جهنم في أحشائه

00:06:18.639 --> 00:06:22.800
وما إن اكتمل علي بن الحسين شبابا وعلما

00:06:22.800 --> 00:06:26.800
حتى ظفر المجتمع المدني الأمثل

00:06:26.800 --> 00:06:31.800
بفتا من أعمق فتيان بني هاشم عبادة وتقا

00:06:31.800 --> 00:06:34.800
وأعظمهم فضلا وخلقا

00:06:34.800 --> 00:06:37.800
وأكثرهم إحسانا وبرا

00:06:37.800 --> 00:06:40.829
وأوسعهم معرفة وعلما

00:06:40.829 --> 00:06:43.829
فلقد بلغ من عبادته وتقواه

00:06:43.829 --> 00:06:48.829
أنه كانت تأخذه رعدة بين وضوءه وصلاته

00:06:48.829 --> 00:06:51.829
فتنفض جسده نفضا

00:06:51.829 --> 00:06:54.829
فلما كلما في ذلك قال

00:06:54.829 --> 00:06:58.829
ويحكم كأنكم لا تدرون إلى من أقوم

00:06:58.829 --> 00:07:01.829
لا تعلمون من أريد أن أناجي

00:07:01.829 --> 00:07:05.790
وقد بلغ من إحسان الفتى الهاشمي

00:07:05.790 --> 00:07:08.790
لعبادته وإتقانه لشعائره

00:07:08.790 --> 00:07:11.790
أن دعاه الناس زين العابدين

00:07:11.790 --> 00:07:15.790
حتى نسي قومه اسمه أو كادو

00:07:15.790 --> 00:07:18.819
وأثر لقبه هذا على اسمه

00:07:18.819 --> 00:07:21.819
وقد بلغ من إطالته لسجوده

00:07:21.819 --> 00:07:23.819
واستغراقه فيه

00:07:23.819 --> 00:07:26.819
أن ناداه أهل المدينة بالسجاد

00:07:26.819 --> 00:07:30.819
وقد بلغ من صفاء نفسه ونقاء قلبه

00:07:30.819 --> 00:07:32.819
أن نعتوه بالزكي

00:07:32.819 --> 00:07:36.889
وكان زين العابدين رضوان الله عليه

00:07:36.889 --> 00:07:39.889
يوقن أن مخ العبادة الدعاء

00:07:39.889 --> 00:07:43.889
وكان يطيب له الدعاء أكثر ما يطيب

00:07:43.889 --> 00:07:46.889
وهو متعلق بأستار الكعبة

00:07:46.889 --> 00:07:49.889
فلكم التزم البيت العتيق

00:07:49.889 --> 00:07:51.889
وجعل يقول

00:07:51.889 --> 00:07:55.889
رب لقد أذقتني من رحمتك ما أذقتني

00:07:55.889 --> 00:07:59.889
وأوليتني من إنعامك ما أوليتني

00:07:59.889 --> 00:08:03.889
فصرت أدعوك آمنا من غير وجل

00:08:03.889 --> 00:08:07.889
وأسألك مستأنسا من غير خوف

00:08:07.889 --> 00:08:13.949
رب إني أتوسل إليك توسل من اشتدت فاقته إلى رحمتك

00:08:13.949 --> 00:08:17.949
وضعفت قوته عن أداء حقوقك

00:08:17.949 --> 00:08:22.050
فقبل مني دعاء الغريق الغريب

00:08:22.050 --> 00:08:26.050
الذي لا يجد لإنقاذه إلا أنت

00:08:26.050 --> 00:08:29.050
يا أكرم الأكرمين

00:08:29.050 --> 00:08:33.230
ولقد رآه طاووس بن كيسان ذات مرة

00:08:33.230 --> 00:08:36.230
يقف في ظلال البيت العتيق

00:08:36.230 --> 00:08:39.230
وهو يتململ تململ السليم

00:08:39.230 --> 00:08:41.230
ويبكي بكاء السقيم

00:08:41.230 --> 00:08:44.230
ويدعو دعاء المضطر

00:08:44.230 --> 00:08:46.259
فوقف ينتظره

00:08:46.259 --> 00:08:50.259
حتى إذا كف عن بكائه وفرغ من دعائه

00:08:50.259 --> 00:08:53.259
تقدم نحوه وقال له

00:08:53.259 --> 00:08:55.259
يا ابن رسول الله

00:08:55.259 --> 00:08:58.259
رأيتك على حالتك هذه

00:08:58.259 --> 00:09:00.259
ولك فضائل ثلاث

00:09:00.259 --> 00:09:03.259
أرجو أن تؤمنك من الخوف

00:09:03.259 --> 00:09:05.330
فقال زين العابدين

00:09:05.330 --> 00:09:07.330
وما هن يا طاووس

00:09:07.330 --> 00:09:09.330
فقال

00:09:09.330 --> 00:09:14.330
إحداهن أنك ابن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه

00:09:14.330 --> 00:09:16.330
والثانية

00:09:16.330 --> 00:09:18.330
شفاعة جدك لك

00:09:18.330 --> 00:09:20.330
والثالثة

00:09:20.330 --> 00:09:22.360
رحمة الله

00:09:22.360 --> 00:09:23.360
فقال له

00:09:23.360 --> 00:09:25.360
يا طاووس

00:09:25.360 --> 00:09:30.360
إن انتسابي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لا يؤمنني

00:09:30.360 --> 00:09:33.360
بعد أن سمعت قول الله عز وجل

00:09:33.360 --> 00:09:38.360
فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ

00:09:38.360 --> 00:09:41.360
وأما شفاعة جدي لي

00:09:41.360 --> 00:09:44.360
فإن الله علت كلمته يقول

00:09:44.360 --> 00:09:48.360
ولا يشفعون إلا لمن يرتضى

00:09:48.360 --> 00:09:50.360
وأما رحمة الله تعالى

00:09:50.360 --> 00:09:52.360
فهو يقول

00:09:52.360 --> 00:09:56.360
إن رحمة الله قريب من المحسنين

00:09:56.360 --> 00:10:01.830
ولقد أفاضت التقوى على زين العابدين

00:10:01.830 --> 00:10:06.830
ما شاء الله أن تفيض من شمائل الفضل والنبل والحلم

00:10:06.830 --> 00:10:10.830
حتى زدانت كتب السير بروائع أخباره

00:10:10.830 --> 00:10:13.830
وزهت صفحاتها بنبيل مواقفه

00:10:13.830 --> 00:10:17.830
من ذلك ما رواه الحسن بن الحسن قال

00:10:17.830 --> 00:10:21.830
وقعت بيني وبين ابن عمي زين العابدين جفوة

00:10:21.830 --> 00:10:25.830
فذهبت إليه وأنا أتميز غيظا منه

00:10:25.830 --> 00:10:28.830
وكان مع أصحابه في المسجد

00:10:28.830 --> 00:10:32.830
فما تركت شيئا إلا قلته له

00:10:32.830 --> 00:10:35.830
وهو ساكت لا يتكلم

00:10:35.830 --> 00:10:37.830
ثم انصرفت

00:10:37.830 --> 00:10:39.830
فلما كان الليل

00:10:39.830 --> 00:10:42.830
إذا طارق على الباب يقرعه

00:10:42.830 --> 00:10:45.830
فقمت إليه لأرى من هو

00:10:45.830 --> 00:10:47.830
فأيذا زين العابدين

00:10:47.830 --> 00:10:51.830
فما شككت أنه جاء يرد إلي الأذى

00:10:51.830 --> 00:10:53.830
ولكنه قال

00:10:53.830 --> 00:10:55.830
يا أخي

00:10:55.830 --> 00:10:58.830
إن كنت صادقا فيما قلت لي

00:10:58.830 --> 00:11:00.830
فغفر الله لي

00:11:00.830 --> 00:11:02.830
وإن كنت غير صادق

00:11:02.830 --> 00:11:04.860
فغفر الله لك

00:11:04.860 --> 00:11:08.860
ثم ألقى علي السلام ومضى

00:11:08.860 --> 00:11:10.860
فلحقت به وقلت له

00:11:10.860 --> 00:11:11.860
لا جرم

00:11:11.860 --> 00:11:14.860
لا أعدت إلى أمر تكره

00:11:14.860 --> 00:11:16.860
فرق لي وقال

00:11:16.860 --> 00:11:22.080
وأنت في حل مما قلت لي

00:11:22.080 --> 00:11:25.080
وروا أحد أبناء المدينة قال

00:11:25.080 --> 00:11:27.080
كان زين العابدين

00:11:27.080 --> 00:11:30.080
خارجا من المسجد فتبعته

00:11:30.080 --> 00:11:33.080
وجعلت ألوح له بالشتم

00:11:33.080 --> 00:11:35.080
ولست أدري سببا لذلك

00:11:35.080 --> 00:11:38.080
فهجم علي الناس يريدون أخذي

00:11:38.080 --> 00:11:40.080
ولو أخذوني

00:11:40.080 --> 00:11:43.080
لم يفلتوني حتى أحطم

00:11:43.080 --> 00:11:45.080
فالتفت إلى الناس وقال

00:11:45.080 --> 00:11:47.080
كفوا عني الرجل

00:11:47.080 --> 00:11:49.080
فكفوا عني

00:11:49.080 --> 00:11:52.080
ولما رأى ما أصابني من الذعر

00:11:52.080 --> 00:11:55.080
أقبل علي بوجهه الطلق

00:11:55.080 --> 00:11:58.080
وجعل يؤمنني ويهدئ من روعي

00:11:58.080 --> 00:12:00.080
ثم قال لي

00:12:00.080 --> 00:12:03.080
لقد سببتنا بما علمت

00:12:03.080 --> 00:12:06.080
وما ستر عنك من أمرنا أكبر

00:12:06.080 --> 00:12:08.080
ثم قال لي

00:12:08.080 --> 00:12:11.080
ألك حاجة نعينك عليها

00:12:11.080 --> 00:12:13.080
فاستحييت منه

00:12:13.080 --> 00:12:15.080
ولم أقل شيئا

00:12:15.080 --> 00:12:17.080
فلما رأى حيائي

00:12:17.080 --> 00:12:20.080
ألقى عليك ساءا كان عليه

00:12:20.080 --> 00:12:22.080
وأمر لي بألف درهم

00:12:22.080 --> 00:12:26.080
فجعلت أقول كل ما رأيته بعد ذلك

00:12:26.080 --> 00:12:29.080
أشهد أنك من أبناء الرسول

00:12:29.080 --> 00:12:31.080
عليه الصلاة والسلام

00:12:31.080 --> 00:12:34.429
وروا أحد مواليه قال

00:12:34.429 --> 00:12:37.429
كنت غلاما لعلي بن الحسين

00:12:37.429 --> 00:12:39.429
فأرسلني في حاجة

00:12:39.429 --> 00:12:41.429
فأبطأت عليه

00:12:41.429 --> 00:12:44.429
فلما جئته خفقني بالسوط

00:12:44.429 --> 00:12:47.460
فبكيت واشتد غيظي منه

00:12:47.460 --> 00:12:50.460
لأنه ما خفق أحدا قبلي قط

00:12:50.460 --> 00:12:52.500
وقلت له

00:12:52.500 --> 00:12:55.500
الله الله يا علي بن الحسين

00:12:55.500 --> 00:12:58.500
أتستخدمني في حاجة

00:12:58.500 --> 00:13:01.500
فأقضيها لك ثم تضربني

00:13:01.500 --> 00:13:03.500
فبكى وقال

00:13:03.500 --> 00:13:07.500
إذهب إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام

00:13:07.500 --> 00:13:09.500
وصل ركعتين

00:13:09.500 --> 00:13:10.500
ثم قل

00:13:10.500 --> 00:13:13.500
اللهم اغفر لعلي بن الحسين

00:13:13.500 --> 00:13:16.500
فإذا ذهبت وفعلت

00:13:16.500 --> 00:13:19.500
فأنت حر لوجه الله تعالى

00:13:19.500 --> 00:13:22.500
فذهبت وصليت ودعوت

00:13:22.500 --> 00:13:26.500
ولم أعد إلى داره إلا وأنا حر

00:13:26.500 --> 00:13:31.649
ولقد وسع الله عز وجل على زين العابدين

00:13:31.649 --> 00:13:34.649
وأفاض عليه الرزق فيضا

00:13:34.649 --> 00:13:37.649
فكانت له تجارة رابحة

00:13:37.649 --> 00:13:39.649
وزراعة نامية

00:13:39.649 --> 00:13:42.649
وكان ينهض بها غلمانه

00:13:42.649 --> 00:13:47.649
وكانت زراعته وتجارته تدران عليه الخير الوفير

00:13:47.649 --> 00:13:49.649
والمال الكثير

00:13:49.649 --> 00:13:53.679
لكن زين العابدين لم يزهه الغنى

00:13:53.679 --> 00:13:55.679
ولم تبطره النعمة

00:13:55.679 --> 00:14:00.679
وإنما جعل مال الدنيا مطية للفوز في الآخرة

00:14:00.679 --> 00:14:05.679
فكان ثراؤه نعم الثراء صالح للعبد الصالح

00:14:05.679 --> 00:14:10.679
وكان أكثر ما حبب إليه من أعمال البر صدقة السر

00:14:10.679 --> 00:14:13.740
فكان إذا جن الليل

00:14:13.740 --> 00:14:17.740
يحمل أكياس الدقيق على ظهره الناحل

00:14:17.740 --> 00:14:21.740
ويخرج بها في عتمات الليل والناس نيام

00:14:21.740 --> 00:14:27.809
وكان يجوب بها أحياء المدينة ليتصدق على ذو الحاجات

00:14:27.809 --> 00:14:30.809
ممن لا يسألون الناس الحافى

00:14:30.809 --> 00:14:34.899
فكانت جماعات كثيرة من أهل المدينة

00:14:34.899 --> 00:14:39.899
تعيش وهي لا تدري من أين يأتيها رزقها رغدا

00:14:39.899 --> 00:14:42.899
فلما مات علي بن الحسين

00:14:42.899 --> 00:14:46.899
فقد هؤلاء ما كان يأتيهم من رزق

00:14:46.899 --> 00:14:48.899
فعرفوا مصدره

00:14:48.899 --> 00:14:51.899
ولما وضع زين العابدين على المغتسل

00:14:51.899 --> 00:14:53.899
نظر غاسلوه

00:14:53.899 --> 00:14:56.899
فوجدوا في ظهره آثار سواد

00:14:56.899 --> 00:14:58.899
فقالوا ما هذا

00:14:58.899 --> 00:15:03.899
فقيل لهم إنه من آثار حمل أكياس الدقيق

00:15:03.899 --> 00:15:05.899
إلى مائة بيت في المدينة

00:15:05.899 --> 00:15:08.899
فقدت عائلها بفقده

00:15:08.899 --> 00:15:14.220
أما أخبار عتق علي بن الحسين للأرقاء

00:15:14.220 --> 00:15:17.220
فقد شرقت بها الركبان وغربت

00:15:17.220 --> 00:15:22.220
لأن صنيعه هذا فاق خيال المتخيلين

00:15:22.220 --> 00:15:25.220
وجاوز تطلع المتطلعين

00:15:25.220 --> 00:15:28.379
فكان يعتق العبد إذا أحسن

00:15:28.379 --> 00:15:31.379
مكافاتا له على إحسانه

00:15:31.379 --> 00:15:34.379
وكان يعتق العبد إذا أساء وتاب

00:15:34.379 --> 00:15:37.379
جزاء له على توبته

00:15:37.379 --> 00:15:39.379
حتى روى الراوون

00:15:39.379 --> 00:15:41.379
أنه أعتق ألف عبد

00:15:41.379 --> 00:15:48.379
وأنه لم يستخدم أحدا من غلمانه وأيمائه أكثر من عام واحد

00:15:48.379 --> 00:15:51.379
وكان عتقه لعبيده

00:15:51.379 --> 00:15:54.379
يقع أكثر ما يقع ليلة عيد الفطر

00:15:54.379 --> 00:15:58.379
حيث كان يحرر في تلك الليلة المباركة

00:15:58.379 --> 00:16:03.379
ما يقدره الله على تحريره من رقاب الأرقاء

00:16:03.379 --> 00:16:07.379
ويسألهم أن يتوجهوا إلى القبلة وأن يقولوا

00:16:07.379 --> 00:16:11.379
اللهم اغفر لعلي بن الحسين

00:16:11.379 --> 00:16:15.379
ثم يزودهم بما يجعل عيدهم عيدين

00:16:15.379 --> 00:16:17.379
وفرحتهم فرحتين

00:16:17.379 --> 00:16:23.820
ولقد حل علي بن الحسين من قلوب الناس منزلة

00:16:23.820 --> 00:16:26.820
لم يزد عليها إنسان في عصره

00:16:26.820 --> 00:16:30.850
فلقد أحبه الناس أصدق ما يكون الحب

00:16:30.850 --> 00:16:34.850
وأجلوه أعظم ما يكون الإجلال

00:16:34.850 --> 00:16:38.850
وتعلقو به أشد ما يكون التعلق

00:16:38.850 --> 00:16:42.850
واشتاقوا إلى رؤيته أعمق ما يكون الشوق

00:16:42.850 --> 00:16:44.850
فكانوا يترقبونه

00:16:44.850 --> 00:16:49.850
لينعموا برؤياه خارجا من البيت أو داخلا إليه

00:16:49.850 --> 00:16:53.850
أو غاديا إلى المسجد أو رائحا منه

00:16:53.850 --> 00:16:59.070
روي أن هشام بن عبد الملك وفد على مكة حاجة

00:16:59.070 --> 00:17:02.070
وكان يومئذ وليا للعهد

00:17:02.070 --> 00:17:07.069
فأقبل يريد الطواف ويبتغ استلام الحجر الأسود

00:17:07.069 --> 00:17:11.069
وأخذ الجند الحافون به ينبهون الناس إليه

00:17:11.069 --> 00:17:14.069
ويوسعون الطريق له

00:17:14.069 --> 00:17:19.069
لكن أحدا من الناس لم يلتفت إليهم ولم يوسع لهم

00:17:19.069 --> 00:17:21.069
فالبيت بيت الله

00:17:21.069 --> 00:17:24.069
والناس جميعا عبيده

00:17:24.069 --> 00:17:26.069
وفيما هم كذلك

00:17:26.069 --> 00:17:31.069
سمعت أصوات التهليل والتكبير آتية من بعيد

00:17:31.069 --> 00:17:34.200
فاشرأبت نحوها الأعناق

00:17:34.200 --> 00:17:37.200
فإذا رجل في كوكبة من الناس

00:17:37.200 --> 00:17:39.200
قسيم وسيم

00:17:39.200 --> 00:17:42.200
ضامر الجسم وضيء الوجه

00:17:42.200 --> 00:17:45.200
عليه سكينة ووقار

00:17:45.200 --> 00:17:47.200
قد مشى في إزار وردى

00:17:47.200 --> 00:17:50.200
وبدا بين عينيه أثر السجود

00:17:50.200 --> 00:17:53.200
فجعلت كتل الناس تنفرج له

00:17:53.200 --> 00:17:56.200
وتغدو صفوفا صفوفا

00:17:56.200 --> 00:18:00.200
وهي تستقبله بنظرات الشوق والحب

00:18:00.200 --> 00:18:04.200
حتى بلغ الحجر الأسود واستلمه

00:18:04.200 --> 00:18:08.200
وهن التفت أحد رجال الحاشية إله شام بن عبد الملك

00:18:08.200 --> 00:18:10.200
وقال له

00:18:10.200 --> 00:18:14.200
من هذا الذي أكرمه الناس كل هذا الإكرام

00:18:14.200 --> 00:18:17.200
وأجلوه كل هذا الإجلال

00:18:17.200 --> 00:18:20.200
فقال هشام لا أعرفه

00:18:20.200 --> 00:18:23.200
وكان الفرزدق حاضرا

00:18:23.200 --> 00:18:27.200
فقال إن كان هشام لا يعرفه

00:18:27.200 --> 00:18:31.200
فأنا أعرفه والدنيا كلها تعرفه

00:18:31.200 --> 00:18:34.230
هذا علي بن الحسين

00:18:34.230 --> 00:18:39.230
رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعن جده

00:18:39.230 --> 00:18:41.230
ثم أنشد

00:18:41.230 --> 00:18:45.359
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

00:18:45.359 --> 00:18:49.359
والبيت يعرفه والحل والحرم

00:18:49.359 --> 00:18:53.359
هذا ابن خير عباد الله كلهم

00:18:53.359 --> 00:18:57.359
هذا التقي النقي الطاهر العلم

00:18:57.359 --> 00:19:01.359
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

00:19:01.359 --> 00:19:05.359
بجده أنبياء الله قد ختموا

00:19:05.359 --> 00:19:09.359
فليس قولك من هذا بظائره

00:19:09.359 --> 00:19:13.359
العرب تعرف من أنكرت والعجم

00:19:13.359 --> 00:19:17.359
كلت يديه غياث عم نفعهما

00:19:17.359 --> 00:19:21.359
يستو كفان ولا يعروهما عدم

00:19:21.359 --> 00:19:25.359
سهل الخليقة لا تخشى بوادره

00:19:25.359 --> 00:19:29.359
يزينه اثنان حسن الخلق والشيم

00:19:29.359 --> 00:19:33.359
ما قال لا قط إلا في تشهده

00:19:33.359 --> 00:19:37.359
لو لا التشهد كانت لا أهو نعم

00:19:37.359 --> 00:19:41.359
عم البرية بالإحسان فانقشعت

00:19:41.359 --> 00:19:45.359
عنها الغياهب والإملاق والعدم

00:19:45.359 --> 00:19:49.359
إذا رأته قريش قال قائلها

00:19:49.359 --> 00:19:53.359
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

00:19:53.359 --> 00:19:57.359
يغضي حياء ويغضى من مهابته

00:19:57.359 --> 00:20:01.359
فما يكلم إلا حين يبتسم

00:20:01.359 --> 00:20:05.359
بكفه خيزران ريحه عبق

00:20:05.359 --> 00:20:09.359
من كف أروع في عرنينه شمم

00:20:09.359 --> 00:20:13.359
مشتقة من رسول الله نبعته

00:20:13.359 --> 00:20:17.359
طابت مغارسه والخيم والشيم

00:20:17.359 --> 00:20:22.609
رضي الله عن سبط رسول الله

00:20:22.609 --> 00:20:26.609
وارضاه فقد كان صورة فذة

00:20:26.609 --> 00:20:30.609
للذي يخشى الله في السر والعلن

00:20:30.609 --> 00:20:34.609
ويضن النفس خوفا من عقاب الله

00:20:34.609 --> 00:20:42.220
ما رأيت قرشيا أفضل من

00:20:42.220 --> 00:20:47.569
علي بن الحسين الزهري

00:20:47.569 --> 00:20:51.569
خيرون مواقفا ومثالا

00:20:51.569 --> 00:20:55.569
تبعوا الرسول إذا سعى أو قالا

00:20:55.569 --> 00:20:59.569
كانوا هنا يسقون غيما

00:20:59.569 --> 00:21:03.569
حياتنا فموا فينا

00:21:03.569 --> 00:21:07.569
ذكرهم يتعالى

00:21:07.569 --> 00:21:11.569
ألقوا في الظمير سؤالا

00:21:11.569 --> 00:21:15.569
هل مثلهم نجم سما وتلالا

00:21:15.569 --> 00:21:19.569
ملأوا الحياة مفاخرا

00:21:19.569 --> 00:21:23.569
بالفعلهم وزهت بهم

00:21:23.569 --> 00:21:25.569
دنيا الأناة
