بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه في ذات مساء من أماسي مكة الهادئة الهانئة الوادعة خرج سعيد بن العاص بن أمية المكنى بأبي أحيحة من دارته في أعلى الحجون يريد الحرم وقد اعتم بعمامته الحمراء الثمينة الزاهية وخلع على منكبيه بردا من حلل ملوك اليمن موشى بخيوط الذهب ومشى بين يديه طائفة من غلمانه المقلدين بالسيوف وكان عن يمينه بعض أولاده وعلى رأسهم ابنه خالد وكان عن شماله طائفة من رجال قومه بني عبد شمس وهم يخطرون في حلل الديباج والسندس فلما أطل أبو أحيحة على الحرم قال الناس لقد أقبل ذتاج وكانوا يلقبونه بذلك لأنه كان إذا توج رأسه بعمامة فلا يعتم أحد من قريش بعمامة من لونها حتى ينزعها فأوسع الناس الطريق له ولمن معه حتى أخذ مجلسه تحت الكعبة وهنا أقبل عليه أبو سفيان بن حرب وعطبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وغيرهم من سادة قريش يحيونه فقال لهم ما خبر سمعته أن سعد بن أبي وقاص تبع محمد وأنه اجترأ على رجل من قريش فشجر أسه وأسال دمه لأنه نهاه عن الصلاة لغير آلهتنا ثم قال واللات والعزة إن ظللتم على تهاونكم هذا مع محمد بن عبد الله مداراة لبني هاشم لأن هضن له وحدي والأمن عن إله بن أبي كبشة أن يعبد في مكة ثم عاد في مثل الموكب الذي جاء به فلم يتخلف عنه أحد غير ابنه خالد لقد ظل خالد بن سعيد بن العاص في الحرم يتنقل بين مجالس القوم ليتنسم أخبار محمد ويتسمع لما يقال عن دعوته فلم يجد في كل ما سمعه عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما يبرر ذلك الحقد الذي رآه من أبيه على محمد وأصحابه أو ما يسوغ تلك الضغينة التي كانت تتنزى في نفسه ونفوس سادة قريش ولما أقبل الليل عاد خالد بن سعيد إلى دارتهم ومضى إلى مخدعه دون أن يمر بحجرة أبيه ليلقي عليه تحية المساء كما كان يفعل كل يوم ثم استلقى على فراشه الوثير يريد النوم لكن النوم لم يواتي خالدا ولم تكتحل به عيناه فقد استبد به أرق أطار الرقاد من عينيه وكان الذي يشغل باله أمر محمد وما يدعو إليه وخوفه من أن يبطش أبوه به بطشة الجبارين وفي الهزيع الأخير من الليل نهاكه النعاس فأسلم جفنيه للكرى وما هو إلا قليل حتى هب مذعورا ممتقع الوجه يرتجف من هول ما رأى ويهتز من فرط ما عانى وهو يقول أحلف بالله إن هذه الرؤيا لرؤيا حق وإني ما رأيت كذبا لقد رأى خالد النفسه واقفا على شفير واد سحيق من أودية جهنم لا يدرك الطرف مداه ولا يعرف المرء قراره وكانت تتلضى في هذا الوادي نار لها شهيق وزفير يخلعان القلوب خلعا ويهصران النفوس هصرا فلما هم بالابتعاد عن شفير الوادي برز له أبوه وأخذ يشده إلى النار بعنف فجعل يقاوم أباه أشد المقاومة ويصارعه أقسى المصارعة حتى إذا فل عزمه وأوشك أنه يألى شفير جهنم فإذا محمد بن عبد الله يقبل عليه ويأخذ بحزامه بكلتى يديه ويجذبه إليه جذبا وينقذه من السقوط في شفير وادي جهنم ما كاد ينبرج الصبح حتى مضى خالد بن سعيد إلى منزل أبي بكر الصديق رضوان الله عليه ذلك لأنه كان يأنس به ويطمئن له فقص عليه رؤيا فقال له أبو بكر لقد أراد الله بك خيرا يا خالد فالله سبحانه قد بعث محمد بن عبد الله بدين الهدى والحق وسيظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون فاتبعه يا خالد فإن اتبعته فتحت لك أبواب الجنة وحيل دونك ودون النار أما أبوك فواقع في جهنم التي أراد أن يوقعك فيها انطلق خالد بن سعيد إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ يتعبد الله سرا في أجياد فحياه وقال إلى أي شيء تدعونا يا محمد فقال أدعوكم إلى أن تؤمنوا بالله وحده لا شريك له وأني عبده ورسوله وأن تخلعوا ما أنتم عليه من عبادة حجر لا يرى ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ولا يفرق بين من عبده وبين من أعرض عنه فانبسطت أسارير خالد وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله فكان خالد بن سعيد بن العاص خامس خمسة أو سادس ستة أسلموا على ظهر الأرض إذ لم يسبقه إلى هذا الفضل العظيم غير خديجة بنتي قويلد وزيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين ترك خالد بن سعيد قصر أبيه المنيفة في أعلى الحجون وأعرض عن حياته الغضة المترفة وعيشه الرغيد الناعم ولحق بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وجعل يتنقل معه ومع أصحابه بين شعاب مكة فيتملا من مشاعر الإيمان ويحفظ ما ينزل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من آي القرآن ويعبد الله سرا خوفا من أذى قريش فلما طالت غيبة خالد عن البيت افتقده أبوه فلم يجد فبعث العيون وراءه فجاءته الأخبار تقول إنه أسلم وتبع محمدا جن جنون سيد مكة فما كان يظن ظنا أن أحد أولاده تبلغ به الجرأ من يخرج على سلطانه ويكفر بالله والعزا ويلحق بمحمد وأرسل إليه مولاه رافع وأخويه أبان وعمر فوجدوه يصلي في بعض الشعاب صلاة هزت قلوبهم هزا وأترعت أفئدتهم راحة وطمئنانا وملأت نفوسهم سلاما وأمانا فقالوا له إن أباك يدعوك للقائه وقد استشاط غضبا لتركك المنزل دون إذن منه فمضى خالد معهم حتى إذا صار عند أبيه حياه بتحية الإسلام فقال له أبوه تبلك أصبأت عن دينك ودين آبائك وأجدادك وتبعت محمدا فقال خالد لم أصبأ وإنما آمنت بالله وحده لا شريك له وصدقت بنبوة رسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه ونبذت هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله فقال أبوه ويحك أتقول إنك صدقت هذا المدعي فقال خالد ما هو بمدع وإنما هو صادق يبلغ رسالات ربه وينصح لي ولك ولي الناس أجمعين فقال أبوه لا بد من أن تعرض عنه وتكذبه فقال خالد لا أفعل ما دام فيه عرق ينبض فقال أبوه إذن أحرمك من رزقي فقال خالد ذلك أهون منتظرته منك وأقل ما توقعته فالله الذي رزقك يرزقني فتميز سيد بن عبد شمس غيظا منه وانهال عليه بعصا غليظة أعدها له فشج رأسه وأسال دمه وما زال يضربه حتى جعل الدم ينبثق من رأسه وجسدهم بثاقا ثم أمر به فشد عليه وثاقه وحبس في غرفة مظلمة ومنع عنه الطعام والشراب ثلاثة أيام ثم جاءه في اليوم الرابع نفر من أهله وقال كيف أنت يا خالد فقال إني أتقلب في نعم الله عز وجل فقال أما أنا لك أن تثوب إلى رشدك وتطيع آباك فقال أما رشدي فما فارقني وما فارقته وأما أبي فلا أطيعه فيما يعصى به الله عز وجل فقال قل لأبيك كلمة ترضيه في اللات والعزة يفرج عنك فقال إن اللات والعزة حجران آصمان أبكمان وإني لا أقول فيهما إلا ما يرضي الله ورسوله وليفعل بي ما يشاء شد أبو أحيحة وثاق خالد وأمر أتباعه أن يخرجوا به كل يوم عند الهاجرة إلى بطحاء مكة وأن يلقوه بين الحجارة حتى تصهره الشمس فكان كلما أخرجوه وألقوه في الهاجرة يقول الحمد لله الذي أكرمني بالإيمان وأعزني بالإسلام إن ذلك كله أهون علي من لحظة عذاب في جهنم التي أراد أن يلقيني فيها أبو أحيحة وجزى الله نبيه وصفيه عني وعن المسلمين أكرم الجزاء ثم حانت لخالد فرصة فتفلت من سجن أبيه ومضى إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه ثم ما لبث أن لحق به أخواه عمر وأبان وانضمى معه إلى موكب الخير والنور عند ذلك أسقط في يدي أبي أحيحة وقال واللات والعزاء لأعزلن بمالي بعيدا عن مكة فذلك خير لي والأهجرن أولئك الصباة الذين يعيبون آلهتي وأربابي ثم انتقل إلى قرية قريبة من الطائف وظل فيها حتى مات كمدا وهو على الشرك ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة نزح إليها خارد بن سعيد بن العاص ومعه زوجته أمينة بنت خلفن الخزاعية وقد أقام فيها بضع عشرة سنة داعية إلى الله ولم يغادرها إلى المدينة إلا بعد أن فتح الله على المسلمين خيبر فسر الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمه أبلغ السرور وقسم له من غنائم خيبر كما قسم للمحاربين ثم ولاه اليمن فظل واليا عليها إلى أن لحق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بجوار ربه وفي عهد الصديق رضي الله عنه ان ضوى خارد بن سعيد بن العاص تحت لواء الجيش المتجه إلى بلاد الشام لحرب الروم فأبلى في ميادين القتال بلا أن يليق بفارس كمي مثله وقبيل معركة مرج الصفر التي وقعت بالقرب من دمشق خطب خالد أم حكيم بنت الحارث وعقد عليها فلما أراد أن يعرس بها قالت يا خالد حبذا لو أخرت إلى أن ينفض الناس من تلك المعركة التي أرانا مقدمين عليها فقال لها إن نفسي تحدثني بأني سأصاب فيها ثم أعرس بها وفي صباح اليوم الذي تلا زفافة أولم لأصحابه فما كادوا يفرغون من طعامهم حتى صفت الروم جنودها صفا وراء صف وخرج واحد من فرسانهم يطلب مبارزا فبرز له حبيب بن سلمة وقتله فخرج فارس آخر وطلب مبارزا فبرز له خالد بن سعيد وتصاول الفارسان وتجاولا ثم سدد كل منهما لصاحبه ضربة قاتلة فأصاب سيف الرومي وأخطأ سيف خالد فخر صريعا شهيدا ثم التحم الجيشان ودارت بينهما رحى معركة طحون كان لا يسمع فيها إلا وقع السيوف علىها من رجال عند ذلك هبت أم حكيم كاللبؤة التي أخذ منها أشبالها فشدت عليها ثياب عرسها واقتلعت عمود الفستاط الذي شهد ليلة زفافها وخاضت المعركة مع الخائضين فأردت سبعة من فرسان الروم ثم ظلت تقاتل حتى انجلت المعركة عن نصر مؤزر للإسلام والمسلمين لقد كان ثمن هذا النصر أرواح طاهرة زكية مضت إلى ربها راضية مرضية وكانت روح خالد بن سعيد بن العاص ترفرف بينها في حبور ولقد رأى قاتله بأم عينيه نورا يصطع في كبيد السماء ثم يتلأل أو فوق خالد وبين يديه فندم على قتله أشد ندم وكان ذلك سببا في دخوله في دين الله مع الداخلين كان أبي خامسا وهو أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم انت خالد وهم هل هم هزين