رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب بر الوالدين وصلة الأرحام قال الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذ القرب واليتاما والمساكين والجار ذ القرب والجار الجنب والصاحب بالجنب وبن السبيل وما ملكت أيمنكم وقال تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام وقال تعالى الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل الآية وقال تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وقال تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا وقال تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن شكر لي ولوالديك عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله متفق عليه من فوائد الحديث أفضل حقوق الله تعالى الواجبة بعد التوحيد الصلاة المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي لأنه شرط فيها حتى تكون أحب الأعمال إلى الله أن تكون لوقتها وذلك أوله أفضل حقوق العباد حق الوالدين فهو يلي حق الله كما تقدم في الآيات الآن فتذكر الجهاد في سبيل الله أفضل أنواع التضحية أعمال البر يفضل بعضها بعضا وليست في مرتبة سوى جواز السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد الرفق بالعالم والتوقف عن الإكثار عليه خشية الملال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه رواه مسلم يجزي أي كافئ من فوائد الحديث عظم حق الوالدين في الإسلام لا يجوز للولد أن يسترق أبويه أو أحدهما فإذا حدث ذلك فهو من أمارات الساعة ودلائل تغير الزمان كما مضى في حديث جبريل عتق الوالد بمجرد شراء الولد له فالشراء سبب للعتق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفة ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمة ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيع قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إقرأوا إن شئتم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم متفق عليه وفي رواية للبخاري فقال الله تعالى من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته فرغ منهم أي أكمل خلقهم العائذ الملتجئ إليك والمستعين بك من فوائد الحديث كل ما سوى الله سبحانه وتعالى مخلوق كائن بعد أن لم يكن التأكيد على حرمة قطيعة الرحم والإعراض عنهم الاستعاذة تكون بالله وحده لا شريك له صلة الأرحام سبب في رحمة الله لعباده وسبب في ظهور الخير بين الناس قطيعة الرحم سبب في التولي والإعراض عن الذكر وسبب في الفساد والإفساد أحسن ما يفسر به القرآن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير ما يستشهد به لبيان معنى الحديث كلام الله عز وجل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك متفق عليه وفي رواية يا رسول الله من أحق بحسن الصحبة قال أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك أدناك والصحابة بمعنى الصحبة وقوله ثم أباك هكذا منصوب بفعل محدوف أي ثم بر أباك وفي رواية ثم أبوك وهذا واضح أدناك أدناك أي الأقرب فالأقرب من فوائد الحديث الوصية بالأم لضعفها وحاجتها ذكرام ذوي القرب ليس على درجة واحدة ترتيب الحقوق ووضعها في مواضعها هو الأصل والعدل إذا وجبت نفقة الأم والأبي على الرجل ولم يجد إلا نفقة أحدهما قدمت الأم وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة رواه مسلم رغم أي لصق بالتراب هوانا من فوائد الحديث بر الوالدين والإحسان إليهما واجب في كل الحالات في شبابهما وكبارهما الوالدان عند الكبر يكونان بحاجة إلى مزيد من البر لضعفهما وعوزهما الجسمي ينبغي على المسلم أن يراعي الضعفاء وكبار السن ويرفق بهم ويرحمهم عقوق الوالدين موجب للنار والطرد من رحمة الله وبرهما طريق ممهد إلى الجنة وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال لإن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك رواه مسلم وتسفهم المل أي كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ولا شيء على هذا المحسن إليهم لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه وإدخالهم الأذى عليه والله أعلم من فوائد الحديث الأصل في التعامل بين ذوي الأرحام الإحسان والتواصل والصبر وطلب المعاذير ولا يكون الأمر بالمقابلة ولكن ينبغي تحمل الأذى من أجل وصلها مقابلة الإساءة بالإحسان مظنة رجوع المسيء إلى الحق كما قال تعالى إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه إمتثال أمر الله سبب عون الله للعبد المؤمن قطيعة الرحم ألم وعذاب في الدنيا وإثم وشدة حساب في الآخرة ينبغي على المسلم أن يحتسب في عمله الصالح ولا يقطعه أذى الناس عن عادته الطيبة نتذكر في هذا المقام عتاب رب العالمين لأبي بكر رضي الله عنه عندما عزم على قطع مصطح ابن أثاثة الذي آذاه في عرضه في حادثة الإفك فقال الله تعالى ولا يأتل أول الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القرب والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه متفق عليه ومعنى ينسأ له في أثره أن يؤخر له في أجله وعمره من فوائد الحديث صلة الأرحام سبب في بسط الرزق وسعته والبركة في العمر المقصود من بسط الرزق في الحديث هو زيادة في مقدار رزقه المكتوب أو في زيادة البركة فيه وكذلك المقصود من زيادة العمر إما الزيادة الحقيقية أو حصول البركة في هذا العمر وعن أنس رضي الله عنه قال كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحى وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت هذه الآية لن تنال البر حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول لن تنال البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب مالي إليه بيرحى وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخن ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه متفق عليه وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى قال فهل لك من والديك أحد حي قال نعم بل كلاهما قال فتبتغي الأجر من الله تعالى قال نعم قال فرجع إلى والديك فأحسن صحبته متفق عليه وهذا لفظ مسلم وفي رواية لهما جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد من فوائد الحديث المسلم يبتغي فيما يأتي ويدع الأجر من الله بر الوالدين من أوجب الواجبات إذا كان المسلم يستطيع المحافظة على دينه وتقواه مع بر أبويه فهذا حسن ومن لم يستطع إلا بالفرار بدينه قدم دينه كما صنع السابقون الأولون من المهاجرين تقديم بر الوالدين على فروض الكفاية والتطوع قوله ففيهما فجاهد المراد به إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد وهو تعب البدن وانفاق المال عليهما كل ما يشق على النفس يسمى جهادا المستشار مؤتما فينبغي أن يشير بالنصيحة المحظة يجوز للمكلف أن يستفصل عن الأفضل من أعمال الطاقة ليعمل به رياض الصالحين