بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله مصعب بن عمين رضي الله عنه لما صدع الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه بدعوة الحق أقبل عليه من شرح الله صدورهم للإيمان وصد عنه من طبع الله على قلوبهم الكفر والعصيان وكان في جملة الذين شرح الله صدورهم لدينه القويم وهداهم إلى صراطه المستقيم فتا موفور الشباب مسدود الإهاب وسيم الطلعة رقيق الحاشية وافر النعمة مترف العيش يدعى مصعب بن عمير فلقد مضى الفتا نظير ذات يوم إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم وقد فاح الطيب من أردانه وبدت النعمة على وجهه ونمت حلته الثمينة على الثراء العريض الذي كان يتقلب في أكنافه طرق الفتا الوادع الناعم الباب طرقا خفيفا ففتح له فدخل إلى الدار على استحياء وحي القوم بأنس ووداعه ثم جلس حيث انتهى به المجلس فتعلقت به أبصار القوم وهم لا يصدقون عيونهم فلكم تمنوا أن يهدي الله هذا الفتا وأمثاله إلى ما هداهم إليه وأن يجنب هذا الشاب النظير عذاب القبر وأن يقيه فيح جهنم انطلق الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ينذر ويبشر فإذا أنذر إن خلعت قلوب أصحابه من هول النار وسعيرها وإذا بشر طارت أفئدتهم فرحا بالجنة ونعيمها وكان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يتلو بين الحين والحين على أصحابه شيئا من آيات الله البينات فتسعد بها قلوبهم وتطمئن لها نفوسهم ويسألون الله الفوز بنعيم الجنة والنجاة من عذاب النار وما انفرغ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من موعظته حتى نهض إليه الفتى القرشي في أناه ودنا منه في رفق وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ثم بسط يده إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وبايعه على السمع والطاعة في المنشط والمكره كتم الفتى خبر إسلامه عن الناس فما كان يريد أن يفجع أمه المشغوفة به بنبأ تركه لدينها لما كان يعلم من شدة عنادها ومدى إصرارها على الكفر وما كان يريد أن تقف قريش على أمر إسلامه لما كان يعلم من عزمها على البطش بكل من تحدثه نفسه بنبذ آلهتها وخاصة حين يكون فتا مثله يقع في الذروة منها وينتمي إلى أكابر مترفيها وقد ظل الفتى يختلف إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه سرا فيسعد بلقائه ويتملا من مواعظه حتى رآه عثمال بن طلحة يصلي ذات يوم فأذاع خبره بين الناس منذ ذلك اليوم بدأت محنة مصعب بن عمير فلقد تنكر له أبواه بعد أن عجزا عن رده إلى دين آبائه وأجداده فقطع رفدهما عنه حتى غدا أشد فقرا من الفقراء وأعنف بؤسا من البؤساء وقريش تصدت له فسجنته وأطالت سجنه وقهرته ولجت في قهره وكانت تظن أنها تستطيع بذلك أن تصده عن دينه ولكن أن يتم لها ذلك والفتى قد ذاق حلاوة الإيمان ولما هاجر المسلمون إلى الحبشة تخلصا من أذاق ريش كان الفتى القرشي في زمرة المهاجرين فلقد فر مصعب بدينه إلى الحبشة وخلف وراءه مراتع الطفولة ومغاني الشباب وعزة النسب واستبدل بذلك كله بعد الدار ووحشة الغربة وضنك الفقر ولكن ذلك كله كان قليلا هينا عنده في جنب مرضات الله ومرضات رسوله صلى الله عليه وسلم ولما عاد مصعب من هجرته الأولى أنكره الناس حتى كادوا لا يعرفونه فالفتى الطرير النظير قد مسه الضر فرثت ثيابه بعد أن كانت زاهية وخشن جلده بعد أن كان غضا بضا وتخدد وجهه بعد أن كان أسيلا مشرقا لقد رآه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مقبلا وعليه جلد كبش ممزق قد تمنطق به فقال لأصحابه انظروا إلى هذا الفتى الذي قد نور الله قلبه لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطياب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون ثم ضاقت الأرض على المسلمين مرة أخرى ونالهم من أذاى قريش ما لا قبل لهم به فهاجروا إلى الحبشة هجرتهم الثانية وكان مصعب بن عمير في جملة المهاجرين أيضا لكن مصعبا لم يطق صبرا على فراق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فآثر العودة إلى مكة وتحمل أذاى قريش على فراق النبي عليه الصلاة والسلام ولزم مصعب النبيه صلى الله عليه وسلم لزوم الضل لصاحبه ونهل ما شاء الله أن ينهل من هديه فإذا هو من أحفظ الصحابة الكرام لكتاب الله وأفقههم بشرع الله وأجمعهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تمت بيعة العقبة الأولى وعاد المبايعون المبرورون إلى قومهم في المدينة يدعونهم إلى دين الهدى والحق لكنهم ما لبثوا أن شعروا أنهم بحاجة إلى مبشر أعلم منهم بالكتاب والسنة وأدرى منهم بتعاليم الإسلام فبعثوا يسألون الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم رجلا يعلمهم دينهم فأرسل إليهم مصعب رضي الله عنه فكان أول مبشر بالإسلام على وجه الأرض حل مصعب بن عمير في المدينة وشرع يدعو الناس إلى الإسلام ويفقههم بأحكامه كان مصعب بن عمير دائبا لا يهدى نشطا لا يفتر فأسلم على يديه خلق كثير حتى لم تبقى دار في يثرب إلا وفيها مسلم أو مسلمة وحتى كتب له بأن يجمع أول جمعة في المدينة قبل أن يفد عليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولما أقبل موسم الحج شخص مصعب إلى مكة ومعه سبعون رجلا من المسلمين فوافوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه في العقبة وبايعوه بيعتهم المشهورة وعاد المبايعون الأبرار إلى ديارهم وبقي مصعب مع نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أن أذن الله للمسلمين بالهجرة إلى المدينة فكان هو وعبد الله بن أم مكتوم أول المهاجرين ولما عزم الرسول صلوات الله وسلامه عليه على غزو قريش في بدر كتب كتائبه وجند جنوده فجعل على كتيبة المهاجرين علي بن أبي طالب وعلى كتيبة الأنصار سعد بن معاد وعلى ميمنة الجيش الزبير بن العوام وعلى ميسرته المقداد الكندي أما راية الرسول صلى الله عليه وسلم البيضاء فعقدها لمصعب بن عمير وسلمها له بيده الشريفتين فتلقاها مصعب حفيا بها وسار بها في مقدمة الجيش مرفوع الرأس ناصع الجبين ونافح عنها منافحة الأبطال الميامين وفيما كان مصعب عائدا من بدر رأى أخاه أبا عزيز أسيرا في يد أحد الأنصار وهو يهم أن يضع القيد في يديه فقال مصعب للأنصاري شد يديك عليه فإن أمه ذات ثروة وهي حرية بأن تفتديه بمال كثير فقال أبو عزيز لأخيه مصعب أهذه وساتك بأخيك فقال له مصعب بل إنه هو أخي من دونك إنه مسلم وأنت مشرك وفي يوم أحد دفع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم برايته إلى مصعب بن عمير كما فعل يوم بدر فحملها مصعب ومشابها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتدت وطأة قريش على المسلمين حتى انكشفوا وتفرقوا عن لوائهم ولكن مصعب أثبت قدميه إلى جنب نبيه صلى الله عليه وسلم لا يميل عنه ولا يحيد وهنا أقبل عليه ابن قميأ أحد فرسان المشركين فضربه بالسيف ضربة فسقطت يده وسقط معها اللواء فأخذه باليد الأخرى وعاد الفارس الشقي إلى المجاهد التقي وعاجله بضربة أخرى فسقطت يده الثانية وسقط معها اللواء فأخذه بعضديه وضمهما عليه ليبق اللواء مرفوعا وكر ابن قميأ مرة ثالثة على مصعب فأنفذ الرمح في صدره فسقط على الأرض فتلق اللواء آخوه أبو الروم ورفعه وما زال يحمله حتى بلغ به المدينة وخرجت قريش من ميدان القتال منتصرة وثاب المسلمون إلى شهدائهم يوارونهم التراب فإذا مصعب قد خر على وجهه من غير يدين وهما المسلمون بدفن الشهيد فما وجدوا له كفن إلا ثوبا صغير إن ستر وجهه كشف عن قدميه وإن غطى قدميه كشف عن وجهه فأمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه بأن يغطى وجهه بالثوب وأن تسترى رجله برطب الكلأ ثم وقف فوقه وتلا قوله عز وجل وعاهد الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا مصعب بن عميل أول مبشر بالإسلام على وجه الأرض بمحمد وبصحبه قد غوصس الصرح المشيد يا شعر أسعفني أفض في مدعهم هل من مزيد