يدخُلُ شهرُ التقوى والصوم، فتفتحُ أبوابُ الجنة، وتُغلقُ أبوابُ السعير، وتُصفَّدُ الشياطين ومردَةُ الجن، ويُنادي مُنادِ الخير أن أقبِل فينقطِعُ جانبٌ كبيرٌ من وسوسةِ الإثم، وتزدهِرُ النفسُ في رياضِ الخير، وينتعِشُ الإيمانُ في ربوعِ القلب ثمَّ ينقضِي هذا الموسم، والعبدُ في أحسنِ حال، وبعدَ ذلك، يا تُرى ماذا يكون قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الدَّاءُ والدَّواء أقبلَ ملكُ الكثرةِ بجنودِهِ وعساكرِهِ، فوجدَ القلبَ في حِصنِهِ جالِسًا على كُرسيِ مملكتهِ أمرُهُ نافذٌ في أعوانِهِ، وجندُهُ قد أحاطُو بهِ، يُقاتِلونَ عنهُ ويُدافِعونَ عن حوزتهِ فلم يُمكِنهمُ الهُجومُ عليهِ إلا بمُخامرةِ بعضِ أمرائِهِ وجُندِهِ عليهِ فاسألَ عن أخصِّ الجُندِ بهِ وأقربِهِ منهُ منزلَهِ فقيلَ لهُ هي النفسِ فقالَ الأعوانِ ادخُلوا عليها من مُرادِها، وانظُروا مواقعَ محبَّتِها وما هو محبوبُها فعِدُوها بهِ ومنُّوها إياهِ وانقُشوا صورةَ المحبوبِ فيها في يقضَتِها ومنامِها فإذا اطمأنَّت إليهِ وسكنَت عندَهِ فاطرحوا عليها كلاليبَ الشهوةِ وخطاطيفَها ثم جُرُّوها بها إليكم فإذا خامرت على القلبِ وصارت معكم عليه ملكتم ثغرَ العينِ والأذنِ واللسانِ والفمِ واليدِ والرجل فرابطوا على هذه الثُغورِ كلَ المرابطة فمتى دخلتم منها إلى القلبِ فهو قتيلٌ أو أسير أو جريحٌ مُثخنٌ بالجراحات ولا تُخلُّوا هذه الثُغور ولا تُمكنُوا سريَّةً تدخُلُ منها إلى القلبِ فتُخرِجُكم منه وإن غُلِبتم فاجتهِدوا في إضعافِ السريَّةِ ووهنِها حتى لا تصل إلى القلب فإن وصلت إليهِ وصلَت ضعيفةًا لا تُغني عنه شيئًا فإذا استوليتم على هذه الثُّغور فامنَعوا ثغرَ العينِ أن يكون نظرُه اعتبارًا بل اجعلوا نظرَه تفرُّجًا واستحسانًا وتلهيًا فإن استرقَّ في نظرةِ عبرةٍ فأفسِدوها عليهِ بنظرةِ الغفلةِ والاستحسانِ والشهوةِ فإنها أقربُ إليهِ وأعلقُ بنفسِهِ وأخفُّ عليهِ ودونكم ثغرَ العينِ فإن منه تنالون بغيتكم فإني ما أفسدتُ بني آدم بشيءٍ مثل النظر فإني أبذُرُ بهِ في القلبِ بذرَ الشهوة ثم أسقيهِ بماءِ الأمنية ثم لا أزالُ أعدُه وأمنيهِ حتى أقوِّ عزيمته وأقودُه بزمامِ الشهوةِ إلى الانخلاعِ من العصمة فلا تُهمِلُوا أمرَ هذا الثغر وأفسِدوهُ بحسبِ استطاعتِكم وهوِّنوا عليهِ أمرَه وقولُوا له مقدارُ نظرةٍ تدعوك إلى تسبيحِ الخالقِ والرازقِ البديع وحسنُ هذه الصورة إنما خُلِقت ليستدلَّ بها الناظرُ عليه وما خلقَ اللهُ لكَ العينَينِ سُدى وما خلقَ اللهُ هذه الصورةَ ليحجِبَها عن النظر ثمَّ منعُوا ثغرَ الأذنِ أن يدخُلَ عليهِ ما يُفسِدُ عليكمُ الأمر فاجتهِدوا ألا تُدخِلُوا منهُ إلا الباطل فإنهُ خفيفٌ على النفس تستحليهِ وتستملِحُه وتخيَّروا لهُ أعذَبَ الألفاظِ وأسحَرَها للألباب وامزِجوهُ بما تهوى النفسُ مزجا وألقُوا الكلمة فإن رأيتُم منهُ إصغاءً إليها فزيدوهُ بأخواتها فكلما صادفتم منهُ استحسانَ شيءٍ فالهجُوا لهُ بذكره وأياكم أن يدخُلَ من هذا الثغر شيءٌ من كلامِ الله أو كلامِ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم أو كلامٍ نُصحاء فإن غُلبتم على ذلك ودخلَ شيءٌ من ذلك فحُولوا بينه وبين فهمه وتدبُّره والتفكُّر فيه والاتعاضِ به إما بإدخارِ ضدهِ عليه وإما بتهويل ذلك وتعظيمه وإفهامه أن هذا أمرٌ قد حيلَ بين النفوس وبينه فلا سبيل لها إليه وهو حِملٌ ثقيلٌ عليها لا تستقل به ونحو ذلك وإما بإرخاصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس وأعزَّ عليهم وأغربَ عندهم وزبونه أكثر وأما الحق فهو مهجور والقائل به معرضُ النفسه للعدوان والربح بين الناس أولى بالإيثار ونحو ذلك فيدخلون الباطل عليه في كل قالبٍ يقبله ويخفُّ عليه ويخرجون له الحق في كل قالبٍ يكرهه ويثقل عليه وأذا شئتَ أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول وتتبع عثرات الناس والتعرض من البلاء لما لا يطيق وإلقاء الفتن بين الناس ونحو ذلك ثم يقول قوموا على ثغر اللسان فإنه الثغر الأعظم فأجرو عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه وامنعوه أن يجري عليه شيءٌ مما ينفعه من ذكر الله واستغفاره وتلاوة كتابه ونصيحة عباده أو التكلم بالعلم النافع ويكون لكم في هذا الثغر أثران عظيمان لا تبالون بأيهما ضفرتم أحدهما التكلم بالباطل فإنما المتكلم بالباطل أخٌ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم الثاني السكوت عن الحق فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس كما أن الأول أخ لكم ناطق وربما كان الأخ الثاني أنفع إخوانكم لكم أما سمعتم قولا ناصح المتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق والساكت عن الحق شيطانٌ أخرس فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحقٍ أو يمسك عن باطل وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق وعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار فكم لي من قتيلٍ وأسيرٍ وجريح أخذته من هذا الثغر وأوصيكم بوصيةٍ فاحفظوها لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة ويكون الآخر على لسان السامع فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها ويطلب من أخيه إعادتها وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق وادخلوا عليهم من كل باب وقعدوا لهم كل مرصد أما سمعتم قسم الذي أقسمت به لربهم حيث قلت فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين أما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها فلا يفوتني من طريقٍ إلا قعدت له من طريقٍ غيره حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها وقد حذرهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها قعد له بطريق الإسلام فقال له أتسلم وتذر دينك ودينك قال له أتسلم وتذر دينك ودين آبائك فخالفه وأسلم فقعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فخالفه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال أتجاهد فتقتل ويقسم المال وتنكح الزوجة فخالفه وجاهد فهكذا فاقعدوا لهم بكل طرق الخير فإذا أراد أحدهم أن يتصدق فاقعدوا له على طريق الصدقة وقولوا له في نفسه أتخرج المال وتبقى مثل هذا السائل وتصير بمنزلته أنت وهو سواء أو ما سمعتم ما ألقيته على لسان رجل سأله آخر أن يتصدق عليه فقال هي أموالنا إذا أعطيناكموها صرنا مثلكم وقعدوا له بطريق الحج فقولوا له طريقه مخوفة مشقة يتعرض سالكها لتلف النفس والمال وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير منها وذكر صعوباتها وآفاتها ثم اقعدوا لهم على طريق المعاصي فحسنوها في عين بني آدم وفي قلوبهم واجعلوا أكبر أعوانكم على ذلك النساء فمن أبوابهن فادخلوا عليهم وزينوها فنعم العون هن لكم ثم لزموا ثغر الأيدي والأرجل فمنعوها أن تبطش بما يضركم أو تمشي فيه واعلموا أن أكبر أعوانكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة فآعينوها واستعينوا بها وأمدوها واستمدوا منها وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة فاجتهدوا في كسرها وإبطال قواها ولا سبيل إلى ذلك إلا بقطع موادها عنها فإنها إذا انقطعت موادها قويت مواد النفس الأمارة وأطاعت لكم أعوانها فاستنزلوا القلب من حصة النفس فاستنزلوا القلب من حصنه وعزلوه عن مملكته وولوا مكانه النفس الأمارة فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه ولا تحكم بما تكرهونه البتة مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت إلى فعله فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته وأردتم الأمن من ذلك فعقدوا بينه وبين النفس الأمارة عقد النكاح فزينوها وجملوها وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد وقولوا له ذق حلاوة طعم هذا الوصال والتمتع بهذه العروس كما ذقت طعم الحرب وباشرت مرارة الطعن والضرب ثم وازن بين لذة هذه المسالمة ومرارة تلك المحاربة فدعي الحرب تضع أوزارها فليست بيوم وينقضي وإنما هي حرب متصلة بالموت وقواك تضعف عن مداومة الحرب واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما أحدهما جند الغفلة فأغفروا قلوب بني آدم عن الله تعالى والدار الآخرة بكل طريق فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك فإن القلب إذا غفل عن الله تعالى تمكنتم منه ومن أعوانه الثاني جند الشهوات فزينوها في قلوبهم فزينوها في قلوبهم وحسنوها في أعينهم وصولوا عليهم بهاذين العسكرين فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما واستعينوا على الغفلة بالشهوات وعلى الشهوات بالغفلة واقرنوا بين الغافلين وأذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم من ذكر الله ومذاكرة أمره ونهيه ودينه ولم تقدروا على تفريقهم فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من الإنس البطالين فقربوهم منهم وشوشوا عليهم بهم وبالجملة فاعدوا للأمور أقرانها وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته فساعدوه عليها وكونوا له أعوانا على تحصيلها وإذا كان الله قد أمرهم بالصبر أن يصبروا لكم ويصابروكم ويرابطوا عليكم الثغور فاصبروا أنتم وصابروا ورابطوا عليهم بالثغور وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب فلا تصطادون بني آدم في أعظم من هذه الموطنين وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب فبه قطعت أرحامهم وسفكت دماؤهم وبه قتل أحد بني آدم أخاه وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة فحولوا بينهم وبين ذلك وأنسوهم إياهم واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب وأبلغوا أسلحتكم فيهم وأنكاها الغفلة واتباع الهوى وأعظم أسلحتهم فيكم وأمن حصونهم ذكر الله ومخالفة الهوى فإذا رأيتم الرجل مخالفاً لهواه فهربوا من ظله ولا تدنوا منه انتهى كلامه بتصرف يسير والمقصود أن يعرف الإنسان مخطط أعدائه ليكون منهم على حذر ليكون منهم على حذر