بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر وفات الإمام الزهري الزمان ليلة الثلثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة للهجرة إن موت العلماء الراسخين العاملين المخلصين يعد في الأمة مصيبة كبيرة ورزية عظيمة لأن هؤلاء الأخيار هم نجوم المهتدين وأنوار السائرين وهم كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن قال عبدالله ابن أحمد قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له قال يا بني كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس فهل لها ذين من خلف أو منهما عوض وكيف لا يكون مصيبة وفي الحياة إشكالات علمية كثيرة ومسائل وأحكام عديدة وشبهات ومعضلات متنوعة أحتاج إلى علماء راسخين وهم في الناس قليل فكيف إذا ذهب من هذا القليل بعضه إن الناس بخير إذا بقي فيهم العلماء الصادقون فإذا تولوا عنهم كثر الجهل والجهال فكثر الشر وقل الخير وساد الناس جهالها فضلوا وأضلوا عن عبدالله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماء اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا قال علي رضي الله عنه إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كف لم تعد وقال أيضا إن مات العالم ثلمت ثلمة في الإسلام ولا يسدها إلا خلف منه وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء مختلف الليل والنهار وقال أيضا عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله اسمه ونسبه ومولده رحمه الله هو التابعي الجليل محمد بن عبد الله ابن شهاب ابن عبد الله ابن الحارث ابن زهرة ابن كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لؤي بن غالب الإمام العلم حافظ زمانه أبو بكر القرشي الحافظ الفقيه الزهري المدني نزيل الشام أحد الأئمة الأعلام كان ثقة كثير والعلم والرواية فقيها جامعا ورد في المدينة النبوية سنة 58 للهجرة تتلمذه وطلبه للعلم رحمه الله لقد ورد الإمام الزهري في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشأ والعلماء فيها متوافرون من من بقي من الصحابة في عين الكبار فكانت تلك البيئة محفزا مهما لترغيبه في قلب العلم فراح ينهل من منابعه ويستقي من موارده وساعده على حمل العلم ما وهبه الله تعالى من قوة حافظة وذهن متقد فقد ذكر عنه أنه حفظ القرآن في نحو من يوما وكان من توفيق الله له أن التقى ببعض الصحابة وسمع منهم على قلة ومنهم ابن عمر وجابر ابن عبد الله والمسور ابن مخرمة وعبد الله ابن جعفر رضي الله عنهم غير أن طول طلبه كان بين يدي كبار التابعين كسعيد ابن المسيب فقد جالسه ثمان سنين تمس ركبته ركبته ولقد كابد ابن شهاب المشقة من أجل نيله العلم وصبر حتى بلغ ما يرجو وكان على أدب جم مع شيوخه صابرا على شدة بعضهم فقد قال الليث ابن سعد للزهري لو وضعت من علمك عند من ترجو قال والله ما نشر أحد للعلم نشري ولا صبر عليه صبري ولقد كنا نجلس إلى ابن المسيب فما يستطيع أحد منا أن يسأله عن شيء إلا أن يبتدئ الحديث أو يأتي رجل يسأله عن شيء قد نزل به حفظه رحمه الله كان الإمام الزهري رحمه الله آية من آيات الله في الحفظ وموهبة نادرة في استظهار المعلومات ولقد كان نعمة من نعم الله على هذه الأمة في حفظ حديث رسولها صلى الله عليه وسلم فإنه قد عرف بالحفظ والإتقان وحسن سوق النصوص فلذلك كثر طلابه والآخذون عنه ومن قرأ ترجمته في كتوب الرجال رأى العدد الكبير من الروات الذين أخذوا عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الزهري حافظا للحديث ومسائل العلم حفظا مجردا وإنما كان يجمع بين الحفظ والفهم وجودة الاستماع ومن باب التحدث بنعمة الله كان يحكي عن نفسه ما وهبه الله من قوة الحفظ فيقول ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته ويقول أيضا ما استعدت حديثا قط وما شككت في حديث إلا حديثا واحدا فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت ويبدو أن قوة حفظ الزهري قد شهرت عنه حتى أثنى عليه معاصروه من الأئمة بذلك قال عمر بن عبد العزيز ما ساق الحديث أحد مثل الزهري وقال عمر بن دينار ما رأيت أحدا أنص للحديث من الزهري وحين ساورت الشكوك بعضهم في إتقانه وحفظه أجرى له اختبارا حتى يتأكد قوة حفظه التي شهر بها بين الناس كما جرى للإمام البخاري مع أهل بغداد فيذكر أن حشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يكتب لبنيه شيئا من حديثه فأملى على كاتبه أربعمائة حديث ثم خرج على أهل الحديث فحدثهم بها ثم إن حشاما قال للزهري إن ذلك الكتاب ضاع فقال لا عليك فأملى عليهم تلك الأحاديث فأخرجه شامن الكتاب الأول فإذا هو لم يغادر حرفا واحدا وإنما أراد ه شامن امتحان حفظه ولما كان الإمام الزهري بهذه الرتبة العالية من الحفظ كلفه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله بتدوين الحديث قال الزهري أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا قال العراقي وأول من دون الحديث ابن شهابن الزهري على رأس المئة الثانية عمر بن عبد العزيز وبعث به إلى كل أرض له عليها سلطان ولذلك يقول السيوطي في ألفيته أول جامع الحديث والأثر ابن شهابن آمرا له عمر علمه رحمه الله نال ابن شهابن رحمه الله علما كثيرا لما وهبه الله من حافظة وفهم وقاد وحرص كبير على سماع الشيوخ ومجالستهم والأخذ عنهم فصار بذلك واسع للطلاع غزير المادة متعدد المعارف وقد عرف ذلك عنه من سأله أو جالسه أو طلب العلم لديه ولم يكن علمه مقصورا على جانب واحد من جوانب المعرفة كان متنوع العلوم قال الليث ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب ولو سمعته يحدث في الترغيب والترهيب لقلت ما يحسن غير هذا وإن حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب قلت لا يحسن إلا هذا وإن حدث عن الأعراب والأنساب قلت لا يحسن إلا هذا وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه بديعا جامعا ومع هذا العلم الواسع إلا أنه كان متواضعا يعرف لغيره قدرة فلذلك قال كنت أحسب أني قد أصبت من العلم حتى جلست عبيد الله ابن عبد الله ابن عتبة فكأنما كنت في شعب من الشعاب وقد كان الزهري رحمه الله خبيرا بالعلوم يعلم متى تصل إلى النفس فتبقى ومتى تنفر عنها فلهذا أوصى أهل العلم بوصية فعن حماد ابن زيد قال كان الزهري يحدث ثم يقول هاتوا من أشعاركم وأحاديثكم إن الأذن مججاجة وإن للنفس حمضة وعن معمر عن الزهري قال إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب ولهذا التبحر المعرفي لدى ابن شهاب حث عمر ابن عبد العزيز الناس على الأخذ منه فقال عليكم بابن شهاب هذا فإنكم لا تلقون أحد أعلم بالسنة الماضية منه وفاته رحمه الله توفي الإمام الزهري ليلة الثلثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة للهجرة وكانت له أرض في شغب وهي آخر حد الحجاز وأول حد فلسطين ذهب إليها فمرض بها فمات فيها وفيها قبره وقد أوصى أن يدفن هناك على قارعة الطريق ليدعو له المارة وقد وقف الأوزاعي يوما على قبره فقال يا قبر كم فيك من علم ومن حلم يا قبر كم فيك من علم ومن كرم آيات وأحكام رمضان أحداث وعبر