WEBVTT

00:00:00.430 --> 00:00:03.430
بسم الله الرحمن الرحيم

00:00:03.430 --> 00:00:08.529
خير القرون مواقفاً ومثالاً

00:00:08.529 --> 00:00:13.529
تبع الرسول إذا سعى أو قالاً

00:00:13.529 --> 00:00:15.529
جمعية مودة

00:00:15.529 --> 00:00:17.530
تقدم

00:00:17.530 --> 00:00:21.589
صور من حياة التابعين

00:00:21.589 --> 00:00:26.010
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا

00:00:26.010 --> 00:00:28.010
رحمه الله

00:00:28.010 --> 00:00:32.659
رفيع بن مهران

00:00:32.659 --> 00:00:34.759
رحمه الله

00:00:43.240 --> 00:00:45.240
رفيع بن مهران

00:00:45.240 --> 00:00:47.240
المكناب أبي العالية

00:00:47.240 --> 00:00:50.240
علم من أعلام المسلمين

00:00:50.240 --> 00:00:54.240
ورائعة من روائع القراء والمحدثين

00:00:54.240 --> 00:00:58.240
كان من أعلم التابعين بكتاب الله

00:00:58.240 --> 00:01:02.240
وأدراهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:01:02.240 --> 00:01:05.239
وأقدرهم على فهم القرآن العزيز

00:01:05.239 --> 00:01:07.239
والنفوذ إلى أغواره

00:01:07.239 --> 00:01:11.239
وأعمقهم في إدراك مراميه وأسراره

00:01:11.239 --> 00:01:15.269
فتعالوا نبدأ حياته من أولها

00:01:15.269 --> 00:01:19.269
فحياته غنية بروائع المواقف والصور

00:01:19.269 --> 00:01:23.269
حافلة بثمين العظاة والعبر

00:01:23.269 --> 00:01:28.189
ولد رفيع بن مهران في بلاد فارس

00:01:28.189 --> 00:01:31.189
وعلى أرضها نشأ وترعرع

00:01:32.189 --> 00:01:36.189
ولما شرع المسلمون بغزو بلاد فارس

00:01:36.189 --> 00:01:39.189
ليخرجوا أهلها من الظلمات إلى النور

00:01:39.189 --> 00:01:43.189
كان رفيع هذا أحد الشبان الأرقاء

00:01:43.189 --> 00:01:47.189
الذين وقعوا في أيدي المسلمين الحانية

00:01:47.189 --> 00:01:51.189
وآلوا إلى رحابهم الخيرة البانية

00:01:51.189 --> 00:01:56.379
ثم ما لبث أن وقف هو ومن معه على سمو الإسلام

00:01:56.379 --> 00:02:01.379
ووازنوا بينه وبين ما كانوا عليه من عبادة الأوثان

00:02:01.379 --> 00:02:05.379
فطفقوا يدخلون في دين الله أفواجا

00:02:05.379 --> 00:02:08.379
ثم أقبلوا على كتاب الله

00:02:08.379 --> 00:02:14.379
وجعلوا يتملون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:02:14.379 --> 00:02:18.639
حدث رفيع عما كان عليه وما آل إليه

00:02:18.639 --> 00:02:20.639
قال

00:02:20.639 --> 00:02:25.639
وقعت أنا ونفر من بني قومي أسارا في أيدي المجاهدين

00:02:25.639 --> 00:02:31.639
ثم ما لبثنا أن غدونا مملوكين لطائفة من المسلمين في البصرة

00:02:31.639 --> 00:02:36.639
فلم يمضي علينا طويل وقت حتى آمنا بالله

00:02:36.639 --> 00:02:39.639
وتعلقنا بحفظ كتاب الله

00:02:39.639 --> 00:02:43.639
وكان منا من يؤدي الضرائب لمالكيه

00:02:43.639 --> 00:02:46.639
ومنا من يقوم على خدمتهم

00:02:46.639 --> 00:02:49.639
وكنت واحدا من هؤلاء

00:02:49.639 --> 00:02:53.740
فكنا نختم القرآن الكريم كل ليلة مرة

00:02:54.740 --> 00:02:56.740
فشق علينا ذلك

00:02:56.740 --> 00:03:00.740
فجعلنا نختمه مرة كل ليلتين

00:03:00.740 --> 00:03:02.740
فشق علينا أيضا

00:03:02.740 --> 00:03:05.740
فجعلنا نختمه كل ثلاث

00:03:05.740 --> 00:03:12.740
فشق علينا لما كنا نعانيه من جهد في النهار وسهر في الليل

00:03:12.740 --> 00:03:16.800
فلقينا بعض أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام

00:03:16.800 --> 00:03:22.800
وشكونا لهم مما نكابده من السهر في قراءة كتاب الله

00:03:22.800 --> 00:03:26.800
فقالوا اختموه كل جمعة مرة

00:03:26.800 --> 00:03:29.800
فأخذنا بما أرشدونا إليه

00:03:29.800 --> 00:03:33.800
وجعلنا نقرأ القرآن طرفا من الليل

00:03:33.800 --> 00:03:36.800
وننام طرفا آخر منه

00:03:36.800 --> 00:03:39.800
فلم يشق علينا بعد ذلك

00:03:39.800 --> 00:03:45.849
ولقد آل رفيع بن مهران إلى امرأة من بني تميم

00:03:45.849 --> 00:03:50.849
وكانت هذه المرأة سيدة رصانا رزانا

00:03:50.849 --> 00:03:53.849
مفعمة تقا وإيمانا

00:03:53.849 --> 00:03:58.849
فكان يخدمها بعض النهار ويرتاح في بعضه الآخر

00:03:58.849 --> 00:04:02.909
فأتقن القراءة والكتابة في أوقات فراغه

00:04:02.909 --> 00:04:06.909
وتلقى خلالها طرفا من علوم الدين

00:04:06.909 --> 00:04:11.909
دون أن ينال ذلك شيئا من حقوقها عليه

00:04:11.909 --> 00:04:15.009
وفي ذات يوم من أيام الجمع

00:04:15.009 --> 00:04:18.009
توضأ رفيع فأحسن الوضو

00:04:18.009 --> 00:04:21.009
ثم استأذن سيدته بالانصراف

00:04:21.009 --> 00:04:24.009
فقالت إلى أين يا رفيع

00:04:24.009 --> 00:04:27.009
فقال أبتغي المسجد

00:04:27.009 --> 00:04:31.009
فقالت أي المساجد تريد

00:04:31.009 --> 00:04:34.009
فقال المسجد الجامع

00:04:34.009 --> 00:04:37.009
فقالت هيا بنا

00:04:37.009 --> 00:04:39.009
ثم مضيا معا

00:04:39.009 --> 00:04:42.009
ودخل المسجد مع الداخلين

00:04:42.009 --> 00:04:45.009
وهو لا يعلم ما تريد

00:04:45.009 --> 00:04:47.069
فما إن امتلأ الجامع

00:04:47.069 --> 00:04:49.069
وارتق الإمام المنبر

00:04:49.069 --> 00:04:53.069
حتى أمسكت بيد رفيع وقالت

00:04:53.069 --> 00:04:56.069
اشهدوا يا معشر المسلمين

00:04:56.069 --> 00:05:01.069
أني أعتقت غلامي هذا رغبة في ثواب الله

00:05:01.069 --> 00:05:04.069
وطمعا بعفوه ورضاه

00:05:04.069 --> 00:05:07.069
وأنه ليس لأحد عليه من سبيل

00:05:07.069 --> 00:05:09.069
إلا سبيل المعروف

00:05:09.069 --> 00:05:12.069
ثم نظرت إليه وقالت

00:05:12.069 --> 00:05:16.100
اللهم إني أدخره عندك ليوم

00:05:16.100 --> 00:05:18.100
لا ينفع فيه مال

00:05:18.100 --> 00:05:20.259
ولا بنون

00:05:20.259 --> 00:05:22.259
ولما قضيت الصلاة

00:05:22.259 --> 00:05:25.259
انطلق رفيع إلى سبيله

00:05:25.259 --> 00:05:29.259
وانطلقت هي الأخرى إلى سبيلها أيضا

00:05:29.259 --> 00:05:34.379
دابر رفيع بن مهران منذ ذلك اليوم

00:05:34.379 --> 00:05:38.379
على التردد إلى المدينة المنورة

00:05:38.379 --> 00:05:41.379
فحضي بلقاء الصديق رضوان الله عليه

00:05:41.379 --> 00:05:45.379
وذلك قبيل وفاته بقليل

00:05:45.379 --> 00:05:48.379
كما سعد بالاجتماع إلى أمير المؤمنين

00:05:48.379 --> 00:05:50.379
عمر بن الخطاب

00:05:50.379 --> 00:05:53.379
وقرأ عليه القرآن وصلى خلفه

00:05:53.379 --> 00:05:57.379
وكما أكبر فيع المكناب أبي العالية

00:05:57.379 --> 00:05:59.379
على كتاب الله

00:05:59.379 --> 00:06:04.379
فقد تعلق بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:06:04.379 --> 00:06:07.379
فجعل يسمع روايته من التابعين

00:06:07.379 --> 00:06:10.379
الذين كان يلقاهم في البصرة

00:06:10.379 --> 00:06:13.379
لكنه ما لبث أن طمحت نفسه

00:06:13.379 --> 00:06:15.379
لما هو أثبت من ذلك

00:06:16.379 --> 00:06:20.379
فأخذ يمضي إلى المدينة حينا بعد حين

00:06:20.379 --> 00:06:23.379
ليسمعه من أفواه صحابة الرسول

00:06:23.379 --> 00:06:26.379
صلى الله عليه وسلم أنفسهم

00:06:26.379 --> 00:06:29.379
حتى لا يكون بينه وبين النبي

00:06:29.379 --> 00:06:31.379
عليه الصلاة والسلام

00:06:31.379 --> 00:06:34.379
إلا شخص واحد هو الصحابي

00:06:34.379 --> 00:06:37.500
فأخذ عن عبد الله بن مسعود

00:06:37.500 --> 00:06:39.500
وأوبي بن كعب

00:06:39.500 --> 00:06:41.500
وأبي أيوب الأنصاري

00:06:41.500 --> 00:06:43.500
وأبي هريرة

00:06:43.500 --> 00:06:45.500
وعبد الله بن عباس

00:06:45.500 --> 00:06:47.500
وغيرهم وغيرهم

00:06:47.500 --> 00:06:50.699
رضي الله عنهم أجمعين

00:06:50.699 --> 00:06:52.699
ولم يقتصر أبو العالية

00:06:52.699 --> 00:06:55.699
على رواة الحديث في المدينة المنورة

00:06:55.699 --> 00:06:58.699
وإنما كان ينشد حديث

00:06:58.699 --> 00:07:00.699
الرسول عليه الصلاة والسلام

00:07:00.699 --> 00:07:02.699
في كل مكان

00:07:02.699 --> 00:07:05.699
فإذا وصف له رجل بالعلم

00:07:05.699 --> 00:07:07.699
ضرب إليه أكباد الإبل

00:07:07.699 --> 00:07:09.699
مهما كان بعيد الدار

00:07:09.699 --> 00:07:11.699
نائي المزار

00:07:11.699 --> 00:07:13.699
فإذا وصل إليه

00:07:13.699 --> 00:07:15.699
بادر فصلى خلفه

00:07:15.699 --> 00:07:18.699
فإذا وجده لا يتقن صلاته

00:07:18.699 --> 00:07:20.699
أحسن الإتقان

00:07:20.699 --> 00:07:23.699
ولا يوفيها حقها أكمل التوفية

00:07:23.699 --> 00:07:26.699
أعرض عنه وقال في نفسه

00:07:26.699 --> 00:07:29.699
إن الذي يتهاون في صلاته

00:07:29.699 --> 00:07:32.699
يكون أشد تهاونا في غيرها

00:07:32.699 --> 00:07:34.699
ثم يحمل عصاه

00:07:34.699 --> 00:07:36.699
ويعود من حيث جاء

00:07:36.699 --> 00:07:40.579
ولقد بلغ أبو العالية

00:07:40.579 --> 00:07:42.579
منزلة في العلم

00:07:42.579 --> 00:07:45.620
فاق بها جميع أقرانه

00:07:45.620 --> 00:07:48.620
من ذلك أن أحد أصحابه قال

00:07:48.620 --> 00:07:51.620
رأيت أبو العالية يتوضى

00:07:51.620 --> 00:07:54.620
والماء يقطر من وجهه ويديه

00:07:54.620 --> 00:07:56.620
والطهارة تتألق

00:07:56.620 --> 00:07:59.620
على كل عض من أعضائه

00:07:59.620 --> 00:08:01.620
فحييته وقلت

00:08:01.620 --> 00:08:04.620
إن الله يحب التوابين

00:08:04.620 --> 00:08:06.620
ويحب المتطهرين

00:08:06.620 --> 00:08:08.620
فقال يا أخي

00:08:08.620 --> 00:08:10.620
ليس المتطهرون

00:08:10.620 --> 00:08:13.620
الذين يتطهرون بالماء من الدرن

00:08:13.620 --> 00:08:16.620
وإنما هم الذين يتطهرون

00:08:16.620 --> 00:08:19.620
بالتقوى من الذنوب

00:08:19.620 --> 00:08:21.620
فتأملت ما قاله

00:08:21.620 --> 00:08:24.620
وأدركت أنه أصاب وأخطأت

00:08:24.620 --> 00:08:27.620
وقلت جزاك الله خيرا

00:08:27.620 --> 00:08:30.620
وزادك علما وفهما

00:08:30.620 --> 00:08:33.870
ولقد أبأب العالية على حض

00:08:33.870 --> 00:08:35.870
الناس على طلب العلم

00:08:35.870 --> 00:08:37.870
وجعل يرسم لهم سبل

00:08:37.870 --> 00:08:39.870
الوصول إليه

00:08:39.870 --> 00:08:41.870
وقال

00:08:41.870 --> 00:08:44.870
روضوا أنفسكم على تلق العلم

00:08:44.870 --> 00:08:47.870
وأكثروا من السؤال عنه

00:08:47.870 --> 00:08:50.870
وعلموا أن العلم لا يخفض جناحيه

00:08:50.870 --> 00:08:52.870
لمستح أو متكبر

00:08:52.870 --> 00:08:55.870
فالمستح لا يسأل لحيائه

00:08:55.870 --> 00:09:00.029
والمتكبر لا يسأل لكبريائه

00:09:00.029 --> 00:09:04.029
وكان يحض طلابه على تعلم القرآن ورعايته

00:09:04.029 --> 00:09:07.029
والاستمساك بما جاء فيه

00:09:07.029 --> 00:09:10.029
عما يتقوله المتقولون

00:09:10.029 --> 00:09:11.029
فيقول

00:09:11.029 --> 00:09:13.029
تعلم القرآن

00:09:13.029 --> 00:09:15.029
فإذا تعلمتموه

00:09:15.029 --> 00:09:17.029
فلا تربوا عنه

00:09:17.029 --> 00:09:20.059
وعليكم بالصراط المستقيم

00:09:20.059 --> 00:09:22.059
فإنه الإسلام

00:09:22.059 --> 00:09:25.059
وأياكم وهذه الأهواء

00:09:25.059 --> 00:09:29.059
فإنها توقع بينكم العداوة والبغضاء

00:09:29.059 --> 00:09:32.059
ولا تحيدوا عن الأمر الذي كان عليه

00:09:32.059 --> 00:09:36.059
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:09:36.059 --> 00:09:38.059
قبل أن يتفرقوا

00:09:38.059 --> 00:09:41.100
فنقلوا ذلك إلى الحسن البصري

00:09:41.100 --> 00:09:43.100
فقال

00:09:43.100 --> 00:09:47.100
لقد نصحكم أبو العالية والله وصدقكم

00:09:47.100 --> 00:09:50.419
كما كان يرسم لطلاب العلم

00:09:50.419 --> 00:09:53.419
الطريق الأمثل لحفظ القرآن

00:09:53.419 --> 00:09:54.419
فيقول

00:09:54.419 --> 00:09:57.419
تعلموا القرآن خمس آيات

00:09:57.419 --> 00:09:58.419
خمس آيات

00:09:58.419 --> 00:10:01.419
فإنه أيسر على أذهانكم

00:10:01.419 --> 00:10:04.419
وأقوى على أفهامكم

00:10:04.419 --> 00:10:07.419
فإن جبريل عليه السلام

00:10:07.419 --> 00:10:11.419
كان ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم

00:10:11.419 --> 00:10:14.450
خمس آيات خمس آيات

00:10:14.450 --> 00:10:18.450
ولم يكن أبو العالية معلما فحسب

00:10:18.450 --> 00:10:21.450
وإنما كان موجها أيضا

00:10:21.450 --> 00:10:24.450
ذلك أنه كان يملأ عقول طلابه

00:10:24.450 --> 00:10:26.450
بالمعرفة النافعة

00:10:26.450 --> 00:10:30.450
ويغذي أفئدتهم بالموعظة الحسنة

00:10:30.450 --> 00:10:34.450
ويجمع بين الأمرين في كثير من الأحيان

00:10:34.450 --> 00:10:37.480
من ذلك قوله لهم

00:10:37.480 --> 00:10:40.480
إن الله قضى على نفسه

00:10:40.480 --> 00:10:43.480
أن من آمن به هداه

00:10:43.480 --> 00:10:46.480
ومصداق ذلك قوله عز وجل

00:10:46.480 --> 00:10:50.480
ومن يؤمن بالله يهدي قلبه

00:10:50.480 --> 00:10:53.480
وأن من توكل عليه كفاه

00:10:53.480 --> 00:10:57.480
ومصداق ذلك قوله تبارك وتعالى

00:10:57.480 --> 00:11:01.480
ومن يتوكل على الله فهو حسبه

00:11:01.480 --> 00:11:04.480
وأن من أقرضه جازاه

00:11:04.480 --> 00:11:08.480
ومصداق ذلك قوله عز من قائل

00:11:08.480 --> 00:11:11.480
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا

00:11:11.480 --> 00:11:15.480
فيضاعفه له أضعافا كثيرا

00:11:15.480 --> 00:11:18.539
وأن من دعاه أجابه

00:11:18.539 --> 00:11:22.539
ومصداق ذلك قوله علت كلمته

00:11:22.539 --> 00:11:25.539
وأيذا سألك عبادي عني

00:11:25.539 --> 00:11:30.539
فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان

00:11:30.539 --> 00:11:33.539
وكان يقول لتلاميذه

00:11:33.539 --> 00:11:38.539
اعملوا بالطاعة وأقبلوا على المطيعين لطاعتهم

00:11:38.539 --> 00:11:43.539
واجتنبوا المعصية وعادوا العصاة لمعصيتهم

00:11:43.539 --> 00:11:46.539
ثم كلوا أمر العصاة إلى الله

00:11:46.539 --> 00:11:51.539
فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم

00:11:51.539 --> 00:11:56.539
وإذا سمعتم الرجل يرفع من شأن نفسه فيقول

00:11:56.539 --> 00:12:00.539
إنني أحب في الله وأكره في الله

00:12:00.539 --> 00:12:03.539
وأفضل كذا مرضاة لله

00:12:03.539 --> 00:12:06.539
وأعرض عن كذا خوفا من الله

00:12:06.539 --> 00:12:09.539
فلا تعتدوا به

00:12:09.539 --> 00:12:15.299
ولم يكن أبو العالية عالما عاملا فحسب

00:12:15.299 --> 00:12:18.299
ولا واعظا مرشدا فقط

00:12:18.299 --> 00:12:21.299
وإنما كان مجاهدا أيضا

00:12:21.299 --> 00:12:27.299
فكان يقضي قدرا من وقته في ميادين الجهاد مع المجاهدين

00:12:27.299 --> 00:12:31.299
أو مرابطا على ثغور الأعداء مع المرابطين

00:12:31.299 --> 00:12:36.529
ولقد آثر أن يشرق في جهاده وأن يغرب

00:12:36.529 --> 00:12:39.529
فحارب الروم في بلاد الشام

00:12:39.529 --> 00:12:43.529
كما حارب الفرس في بلاد ما وراء النهر

00:12:43.529 --> 00:12:47.529
وكان أول من رفع الأذان في تلك الديار

00:12:48.750 --> 00:12:53.750
ولما نشب القتال بين علي ومعاوية رضي الله عنهما

00:12:53.750 --> 00:12:58.750
كان لأبي العالية منه موقف حدثنا عنه فقال

00:12:58.750 --> 00:13:02.750
لما وقع ما وقع بين علي ومعاوية

00:13:02.750 --> 00:13:06.750
كنت ممتلئا حيوية ونشاطا

00:13:06.750 --> 00:13:11.750
وكان القتال أحب إلي من الماء البارد في اليوم القائظ

00:13:11.750 --> 00:13:15.750
فتجهزت بجهاز ثم آتيتهم

00:13:15.750 --> 00:13:20.750
فإذا بي أمام صفين ما يدرى طرفاهما

00:13:20.750 --> 00:13:24.750
إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء

00:13:24.750 --> 00:13:28.779
وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء

00:13:28.779 --> 00:13:31.779
فرجعت إلى نفسي وقلت

00:13:31.779 --> 00:13:35.779
أي الفريقين أعده كافرا وأحمل عليه

00:13:35.779 --> 00:13:39.779
وأيهما أعده مؤمنا وأوجاهد معه

00:13:39.779 --> 00:13:42.779
ثم تركتهما وانصرفت

00:13:42.779 --> 00:13:50.250
ولقد ظل أبي العالية طوال حياته أسوان أسفا

00:13:50.250 --> 00:13:56.250
لأنه لم يحظى بلقاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه

00:13:56.250 --> 00:14:02.250
وكان يحاول أن يعوض عن ذلك بالتقرب من كرام الصحابة

00:14:02.250 --> 00:14:08.250
الذين توثقت صلتهم بمحمد الرسول الله صلى الله عليه وسلم

00:14:08.250 --> 00:14:11.250
فكان يؤثرهم ويحبهم

00:14:11.250 --> 00:14:14.250
وكانوا يؤثرونه ويفضلونه

00:14:14.250 --> 00:14:21.250
ومن آيات ذلك أن أنسا خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:14:21.250 --> 00:14:24.250
أهدا له تفاحة كانت في يده

00:14:24.250 --> 00:14:29.250
فأخذها منه وجعل يقبلها ويقول

00:14:29.250 --> 00:14:35.250
تفاحة مستها يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:14:35.250 --> 00:14:43.250
تفاحة مستها يد حضيت بمس يد رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:14:43.250 --> 00:14:56.500
ومن ذلك أيضًا أنه دخل ذات مرة على عبد الله بن عباس وكان يومئذ يتولى إمارة البصرة من قبل علي بن أبي طالب

00:14:56.500 --> 00:15:04.500
فرحب به عبد الله بن عباس أجمل الترحيب ورفعه على سريره وأجلسه عن يمينه

00:15:05.500 --> 00:15:12.500
وكان في المجلس طائفة من سادة قريش فتغامزوا به وتهامسوا بينهم

00:15:12.500 --> 00:15:19.500
وقال بعضهم لبعض أرأيتم كيف رفع بن عباس هذا العبد على سريره

00:15:19.500 --> 00:15:29.500
وقد أدرك بن عباس ما يتغامزون به فالتفت إليهم وقال إن العلم يزيد الشريف شرفا

00:15:29.500 --> 00:15:36.500
ويرفع قدر أهله بين الناس ويجلس المماليك على الأسرة

00:15:36.500 --> 00:15:50.490
وفي ذات سنة عزم أبو العالية على الجهاد في سبيل الله فأعد للأمر عدته وحزم أمره على المضي مع المجاهدين

00:15:50.490 --> 00:16:01.490
فلما طلع عليه الصبح فوجئ بآلام مبرحة في إحدى قدمي ثم ما زال الألم يشتد ساعة بعد ساعة

00:16:01.490 --> 00:16:14.490
فلما عاده الطبيب قال له إنه مصاب بالأكلة قال وما الأكلة قال داء يأكل العضو الذي يحل به

00:16:14.490 --> 00:16:26.519
ثم ينتقل إلى ما فوقه حتى يأتي على الجسد كله ثم استأذنه بالمبادرة إلى بتر ساقه فأذن له على كره منه

00:16:26.519 --> 00:16:41.970
أحضر الطبيب مباضعه لشق اللحم ومناشيره لنشر العظم ثم قال له أتريد أن نسقيك جرعة من مخدر لكي لا تشعر بآلام الشق والبتر

00:16:41.970 --> 00:17:00.000
فقال بل هناك ما هو خير من ذلك فقال الطبيب وما هو فقال أحضروا لي قارئا يتقن كتاب الله واجعلوه يقرأوا علي ما تيسر من آياته البينات

00:17:00.000 --> 00:17:13.099
فإذا رأيتموني قد احمر وجهي واتسعت حدقتاي وثبت نظري في السماء فافعلوا بي ما شئتم فنفذوا أمره وبتروا عظمه

00:17:13.099 --> 00:17:31.099
فلما أفاق قال له الطبيب كأنك لم تشعر بآلام الشق والبتر فقال لقد شغلني برد حب الله وحلاوة ما سمعته من كتاب الله عن حرارة المناشير

00:17:31.099 --> 00:17:53.220
ثم أخذ رجله بيده ونظر إليها وقال إذا لقيت ربي يوم القيامة وسألني هل مشيت بك منذ أربعين سنة إلى محرم أو مسست بك غير مباح لأقول أن لا وأنا صادق فيما أقول إن شاء الله

00:17:53.220 --> 00:18:15.430
وبعد فقد بلغ من تقاء بالعالية وترق به لليوم الآخر واستعداده للقاء ربه أنه أعد لنفسه كفنا وأنه كان يلبس كفنه كل شهر مرة ثم يرده إلى مكانه

00:18:15.430 --> 00:18:34.430
ولقد أوصى 17 مرة وهو صحيح سليم وكان يحدد لكل وصية أجلا فإذا جاء أجلها نظر فيها فإما أن يعدلها وإما أن يبدلها وإما أن يمضيها

00:18:34.430 --> 00:18:52.690
وفي شهر شوال سنة 93 للهجرة مضى أبو العالية إلى لقاء ربه طاهر الذيل نقي النفس واثقا برحمة ربه متشوقا إلى لقاء نبيه

00:18:52.690 --> 00:19:10.619
لم يكن هناك أحد أعلم بالقرآن بعد الصحابة من أبو العالية ثم يليه سعيد بن جبير أبو بكر بن داو

00:19:28.490 --> 00:19:31.490
ذكرهم يتعالى

00:19:31.490 --> 00:19:36.490
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا

00:19:36.490 --> 00:19:41.490
هل مثلهم نجم سما وتلالا

00:19:41.490 --> 00:19:50.490
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأناه
