بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نُسطر حُظوفاً أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدية باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيب هو تحول الشعر من لونه الأصلي إلى البيض ويحصل لأسباب مختلفة منها التقدم في السن ودوام الأحزان وغير ذلك والمشيب هو دخول الرجل في حد الشيب عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك رضي الله عنه هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم يبلغ ذلك إنما كان شيباً في صدغي ولكن أبو بكر رضي الله عنه خضب بالحناء والكتم في هذا الحديث قتادة رحمه الله يسأل الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي هل غير بياض شعر رأسه ولحيته والخضاب هو تلوين الشعر بحمرة أو غيرها فأجابه أنس رضي الله عنه لم يبلغ ذلك أي ما وجد من شيبه صلى الله عليه وسلم شيء يسير جدا لا ينفع أن يغيره صاحبه وقوله إنما كان شيباً في صدغي أي إنما كان شيبه صلى الله عليه وسلم شيباً يسيراً في صدغيه والصدغ هو ما بين الأذن والعين ويقال أيضاً للشعر المتدلي من الرأس إلى ما بين الأذن والعين وقوله ولكن أبو بكر رضي الله عنه خضب بالحناء والكتم أفاد أنس رضي الله عنه السائل بأن أبا بكر رضي الله عنه كان يخضب بالحناء والكتم وهما شجرتان معروفتان تستعملان في الصبغ وتغيير اللون فالحناء يغير الشيب إلى الحمر والكتم يغيره إلى السواد فإذا جمع بينهما بأن يضع قدراً من الحناء وقدراً من الكتم تغير لون الشيب إلى لون وسط بين السواد والحمر وعن أنس رضي الله عنه قال ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء في هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أن الشيب الذي وجد في شعر رأسه صلى الله عليه وسلم ولحيته شيء يسير جدا بلغ عدده أربع عشرة شعرة وهذا العدد يعتبر عدد يسير جدا ولهذا قال أنس رضي الله عنه كما تقدم لم يبلغ ذلك أي لم يبلغ عدده الحاجة إلى الخضاب لقلته وعن سماك بن حرب قال سمعت جابر بن سمرة رضي الله عنه وقد سئل عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان إذا دهن رأسه لم يرى منه شيب وإذا لم يدهن رؤيا منه في هذا الحديث يجيب جابر بن سمرة رضي الله عنه بعد أن سئل عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان إذا دهن رأسه لم يرى منه شيب وإذا لم يدهن رؤيا منه أي لا يظهر الشيب لاختلاط بياض الشيب القليل في رأسه صلى الله عليه وسلم ببريق الدهن الذي استعمله ولهذا كان يظهر الشيب إذا لم يدهن وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال إنما كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من عشرين شعرة بيضا وفي هذا الحديث يخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قريبا من عشرين شعرة بيضا وهو قريب من الأحاديث السابقة وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال ابو بكر رضي الله عنه يا رسول الله قد شبت قال شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعن ما يتساءلون وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال قالوا يا رسول الله نراك قد شبت قال قد شيبتني هود وأخواتها الشاهد من هذه الحديثين قوله صلى الله عليه وسلم شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعن ما يتساءلون وإذا الشمس كورت وقوله شيبتني هود وأخواتها أي أخواتها من سور القرآن التي فيها ذكر لأهوال يوم القيامة وشدائده فهذه السور المذكورة فيها وصف لأهوال ذلك اليوم فالشيب اليسير الذي وجد في شعره صلى الله عليه وسلم لم يكن لاهتمام بأمور الدنيا للمصالحها أو تعلق بها ورغبة في المزيد منها أو نحو ذلك مما هو الحال لدى كثير من الناس ممن يحصل له الشيب بهذا السبب بل كان اهتماما لأمر الآخرة وعن أبي رمثة التيمي تيم الرباب قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي قال أريته فقلت لما رأيته هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان أخضران وله شعر قد علاه الشيب وشيبه أحمر في هذا الحديث يقول الصحابي الجليل أبو رمثة رضي الله عنه أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأريته أي أريت النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون هذا المجيء أول مجيء له إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يعرفه فسأل عنه فقال لما رأاه هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يتحقق منه وقوله وعليه ثوبان أخضران مثل إزار ورداء وليس المراد الأخضر الخالص وإنما قد تكون خضرة مع سواد أو مع خطوط سوداء مثل البرود اليمانية وقوله وله شعر قد علاه الشيب هذا موضع الشاهد من الحديث ومعناه أي وجود الشيب في رأسه صلى الله عليه وسلم وقوله وشيبه أحمر أي من آثار الخضاب كما سيأتي معنا فائدة الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة أن الشيب الذي وجد في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يسير جدا ونبذ قليلة في ثلاثة مواضع أشار إليها أنس رضي الله عنه حيث قال لم يختضب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ والعنفقة هي ما بين الذقن والشفة السفلا ووصف الصحابة رضي الله عنهم لشيب النبي صلى الله عليه وسلم الذي في رأسه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يحسر عن رأسه أحيانا كوقت نزول المطر لأنه قد يكون واجبا كمن أراد أن يمسح على رأسه أثناء الوضوع وكذلك في الحج حال الإحرام باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي رمثة رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن لي فقال ابنك هذا قلت نعم أشهد به قال لا يجني عليك ولا تجني عليه قال ورأيت الشيب أحمر في هذا الحديث يخبر أبو رمثة رضي الله عنه أنه أت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن الله وفي هذه الجملة فائدة وهي اصطحاب الآباء أبناءهم إلى مجالس الخير أو لزيارة عالم أو نحو ذلك فينبغي للأبي أن يصطحب أبناءه إن أمكن فإن في ذلك تربية وتنشئة لهم على حب أهل العلم وحب مجالس العلم وقوله فقال ابنك هذا أي سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا رمثة رضي الله عنه هل هذا ابنك فقال أبو رمثة نعم أشهد به أي أقر بأنه ابني وإنما قاله تأكيدا وقوله صلى الله عليه وسلم لا يجني عليك ولا تجني عليه يعني إن حصلت منه جناية فجنايته على نفسه وإن حصلت منك جناية فجنايتك عليك ولا تزر وازرة وزر أخرى في هذا قطع لدابر أمر كان موجودا في الجاهلية وهو الثأر فعندما يقتل لابن شخصا من قبيله فإنهم يقتلون أباه أو أخاه أو مجموعة من أسرته فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقوله ورأيت الشيب أحمر هذا دليل على أن الشيب الذي كان في شعره قليل وأن الحمرة التي كانت فيه هي عن قضاب وعن عثمان بن موهب قال سئل أبو هريرة رضي الله عنه هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم وفي رواية قال دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فأخرجت إلينا شعرا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخدوبا وعن أنس رضي الله عنه قال رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخدوبا وعن عبد الله بن محمد بن عقيل قال رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك مخدوبا في هذه الأحاديث اثبات الخضاب لرسول الله عليه وسلم وملخص الكلام حول هذا كما قال النووي رحمه الله قال القاضي اختلف العلماء هل خضب النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فمنعه الأكثرون بحديث أنس وهو مذهب مالك وقال بعض المحدثين خضب النبي صلى الله عليه وسلم لحديث أم سلمة ولحديث ابن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة قال وجمع بعضهم بين الأحاديث بما أشار إليه في حديث أم سلمة من كلام أنس في قوله ما أدري في هذا الذي يحدثون إلا أن يكون شيء من الطيب الذي كان يطيب به شعرة لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستعمل الطيب كثيرا وهو يزيل سواد الشعر فأشار أنس رضي الله عنه إلى أن تغيير ذلك ليس بصبر وإنما هو لضعف لون سواده بسبب الطيب قال ويحتمل أن تلك الشعرات تغيرت بعده لكثرة تطييب أم سلمة لها إكراما هذا آخر كلام القاضي والمختار أنه صلى الله عليه وسلم صبغ في وقت وتركه في معظم الأوقات فأخبر كل بما رأى وهو صادق وهذا التأويل كالم تعي وقال الحافظ رحمه الله حاصل ما جمع به الطبري أن من جزم أنه خضب كما في ظاهر حديث أم سلمة وكما في حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم خضب بالصفرة حكى ما شاهده وكان ذلك في بعض الأحيان ومن نفى ذلك كأنس فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين