بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر فتح مكة الزمان لعشر مقين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة إن بلوغ الأمال وعلو الحق على الباطل ليس من الأمور التي تنال بالأحلام ويوصل إليها بالوقت القصير وعلى طريق من الراحة والدعا بل إن ذلك المطلب السامي يحتاج إلى جهود صادقة وأعمال سليمة متواصلة وزمن ممتد وبذل سخي من الجهد الذي يرافقه العناء وقلة الهناء وذلك هو المعراج الصحيح الذي يبلغ مرتقيه آفاق الأمل السعيد أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون من مكة وهي أحب بقاع الله إلى قلوبهم فصبروا على مضض الفراق ولقوا بعد ذلك أنواعا من المشاق من قتال الكفار مشركيهم وأهل الكتاب منهم ورمتهم بقية العرب عن قوس واحدة وحيل بينهم وبين زيارة البيت الحرام وهم في ذلك لا يسلمون من غطرسة قريش وكبريائها حتى جاء يوم الحديبية فجرى الصلح على بنود كان منها ما كره حصوله المسلمون ولكن الله تعالى جعل ذلك الأمر الذي كرهوه سبيلا إلى ما يحبون فكان في ذلك درس تربوي عظيم أن المكروهات قد تأتي بالمحبوبات لمن صبر واحتسب فقد صبر المسلمون على القبول بتلك البنود كلها طاعة لله تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولم يعلموا أن بعض تلك البنود سيكون نافذة أمر عظيم يبلغهم من الأمان فوق ما كانوا يؤملون وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون بزوغ شمس الفتح كان من ضمن بنود معاهدة الحديبية أن من أحب أن يدخل في عقد المسلمين دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش دخل فيه ويعد ذلك الداخل جزءا من ذلك الفريق فأي اعتداء عليه يعد عدوانا على ذلك الفريق فدخلت خزاعة في عقد المسلمين ودخل بنوبكر في عقد المشركين وكان بين القبيلتين ثارات قديمة وفي يوم من الأيام أغار بعض بني بكر بمساعدة من قريش على خزاعة فقتلوا منهم مقتله فأسرع عمر بن سالم الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستصرخا فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبى نداءه فلبى علمت قريش عواقب فعلتها بعثت أبى سفيان إلى المدينة للاعتذار وتجديد العقد ولكنه لم يفلح في زيارته السياسية تلك فالأمر قد جاوز قبول الاعتذار السياسي والسعي الدبلوماسي فكان لا بد من حل عسكري يقترع المشكلة من جذورها فبهذا يعلم أن صلح الحديبية كان بوابة الفتوح فتح خيبر وفتح بكة قال تعالى والفتح القريب على القول الراجح هو صلح الحديبية لحديث سهل بن حنيف رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا رسول الله ألسنا على الحق وهب على الباطل فقال بلى فقال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال فعلى ما نعطي الدنية في ديننا أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال يبن الخطاب إني رسول الله ولن يضي عن الله أبدا فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها فقال عمر يا رسول الله أوفتحنه قال نعم الطريق إلى بكة في يوم الأربع لعشر خلون بالرمضان في سنة الثامنة للهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بجيش قوامه عشرة آلاف مقاتل وهنا بدأت آمال المسلمين تلوح في الأفق وطفقت قلوب المهاجرين خاصة تطرح عنها كمدها الثقيل الذي بثته قريش فيها طوال السنوات الخالية كان لها أن تعيش الفرحة في جو عزة الإيمان بعد أن عاشت زمن تحت سطوة القهر والأحزان خرج المؤمنون يحدوهم شوق كبير إلى دخول البلدة المحرمة ورفع راية التوحيد عليها بعد أن رفعت فيها رايات الشرك ردحا من الزمن ساروا وهم يتوقدون غيظا على الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلده الأمين وأذوه واعتدوا على المسلمين في العهد المككي وصدوا عن سبيل الله قرابة عشرين سنة انطلقوا إليها بجمع لم يجتمع للمسلمين قبله بثله ولا قبل لقريش به مهما جمعت إن المسلمين في هذه المرة لم يشكوا في الفتح ودخول مكة وطمس بعالم الوثنية فيها فمضوا على يقين بعون الله تعالى على تحقيق ذلك الحلم الجميل الذي ظل يراودهم سنين عددا وكان لا بد من رسالة نفسية تصل مكة قبل دخولها حتى ترعوي هذه المرة عن غيها وتسلم قيادة بكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لينشر عبرها أدوار الهداية شرقا وغربا فلذلك عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم استعراضات عسكرية للجيش الإسلامي وأبو سفيان حاضر يرى ذلك وكان قد أعلن إسلامه في ذلك الوقت فراعه ما رأى من القوة الإسلامية فعاد إلى مكة يحذرهم من اعتراض رسول الله ومن معه فوقع كلامه ذلك من العقلاء موقع التصديق غير أن هناك فئة قرشية تملكها الطيش فوقفت على بعض طرق مكة فناوشت جد الإسلام قليلا فقتل منها من قتل وفر باقيها لتفتح مكة صدورها الرحمة بعد ذلك لدخول الزحف المقدس الذي سيطهر مكة من دنس الشرك وسلطان أهله دخول مكة ولعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة دخل الطلائع جبع الإيمان مكة من جهات متعددة وظل التلجها أرسالا أرسالا حتى احتضنت مكة ذلك الجيش الطاهر كلها فما أعظم تلك اللحظات وأحسنها في نفوس المؤمنين وأحسنها في نفوس المشركين يوم يرون محمد بن عبد الله يدخل المسجد الحرام وحوله المهاجرون والأنصار فيستلم الحجر الأسود ويطوف بالميت ويطعن بقوسه الأصنام القائمة حتى يسقطها فقد جاء بهذا الفتح الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ويصعد عليه الصلاة والسلام إلى جوف الكعبة فيصلي هناك ويذكر الله ويوحده ويكبره معلن انتهاء سلطان الوثنية في هذه البقعة المباركة وابتداء رفع راية التوحيد فيها وبينما المسلمون تحيط بهم السعادة من كل جانب إذ بالمشركين ينتظرون حكم رسول الله فيهم ماذا سيصنع بمن صد عن سبيله وعذب أصحابه وقتل منهم من قتل وفعل بهم ما فعل من ألوان المحاربة والإذا لا شك أنهم كانوا يعيشون حالة نفسية مرعبة وهم تحت حكمه وبين يديه فيطل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم آخذا بعضاد تيبا بالكعبة فيعلن شهادة التوحيد ويطمر معالب الجاهلية وأعرافها الضالة تحت قدبي ويبين أن نخوة الجاهلية قد ذهبت وأن الميزان ميزان التقوى ثم يعلن حكمه النهائي في قريش وهي اللحظة التي كان ينتظرها الجميع فيرسل عبر صوته الصادق كلمات العفو والصفح فتتقشع عن قريش سحائب الخوف ويعترفون مجددا بسمو محمد بن عبد الله وكر بأخلاقه ويعودون على نفسهم باللائمة على معاداته وما هي إلا لحظات حتى يصدح بلال بن رباح بصوت الأذان عاليا معلن ابتداء عهد الجديد في بيت الله الحرام فينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فيصلي الناس بصلاته وفي هذا الحدث من العبر أولا أن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختيار المؤمن لنفسه فليسلم له الأمر فيما أحب وكره ثانيا لا مانع من إقامة الهدن مع الكافرين المحاربين إذا لم يكن فيها تنازل عن ثوابت الدين ثالثا العفو عند المقدرة إذا ترتبت عليه مصالح تعود بالخير على الإسلام والمسلمين يكون خيرا من إعمال يد الانتقام رابعا الناس يخضعون لحكم القوة ولكن ما أجمل الأمر إن كانت تلك القوة عادلة خامسا دعوة الحق تحتاج إلى قوة تنصرها وتدفع عنها أعداءها وبذلك تنتشر ويثبت عليها أهلها رمضان أحداث وعبر