خلاصة مفاهيم أهل السنة صفة الإخلاص لله عز وجل الدعية بصدق لا بد أن يتصف بصفات تؤهله للدعوة المقبولة عند الله عز وجل فلذلك يلزم معرفة هذه الصفات والعمل بها فمن ذلك صفة الإخلاص لله عز وجل والإخلاص يراد به معنيام الأول إخلاص التوحيد لله عز وجل لا شريك له وهو بهذا المعنى يضاده ويقابله الشرك قال تعالى مخلصين له الدين حنفاء الثاني إخلاص القول والعمل له سبحانه وإرادة وجهه عز وجل والدار الآخرة والزهد في الدنيا وزخرفها ويقابله بهذا المعنى الرياء والسمعة والإخلاص بالمعنى الأول إن لم يحققه العبد فإن جميع أعماله محبطة ومردودة وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم لأنه مشرك قال تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين والإخلاص بالمعنى الثاني إن لم يحققه العبد فعمله الذي راء فيه أو سمع مردود والأعمال التي أخلص فيها لله مقبولة فلا يحبط هذا النوع مما يضاد الإخلاص جميع الأعمال وإنما يحبط من تفا عنه الإخلاص فقط ويجب على الداعية أن يراجع نيته دوما حتى لا تتحول دعوته للحق والانتصار له إلى دعوة للنفس وحمية لها فمن انتصر لله ينصره الله ولو بعد حين ومن ينتصر لنفسه أو حز به خذ له الله وأذل له ولو بعد حين الصدق هو شامل للقلب واللسان والأعمال الصدق في القلب هو الإخلاص والصدق في اللسان هو ضد الكذب وفي الأعمال إتقانها وأخذها بقوة وعزيمة صادقة وأن توافق سليرته على نيته وإذا دعى إلى شيء يكون هو أول من يعمل به وأن يكون صادقا فيما يدعو إليه فلا يقبل التنازل عن شيء منه إتقاء مع الأعداء في منتصف الطريق اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والعلم والبصيرة وهو التزام الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضي الله عنهم ويضاده التقصير والتفريط في الاتباع كما يضاده الغلو والإفراط فالاتباع وسط بين الغالي المفرط والجافي المقصر قال سبحانه قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم وقال عز وجل فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغو وصفة الاتباع ضرورية أيضا في دعوة الناس وذلك بأن تكون الدعوة على بصيرة وعلم قال سبحانه قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ومن البصيرة فقه الدعية للواقع الذي يعيشه ووعيه بسبيل المجرمين وكيدهم ووسائلهم الاهتداء فالداعية الصادق يسعى في أسباب الهداية ومعرفة الحق بدليله ومجاهدة النفس على قبوله ولنقياد له بعد معرفته والهداية نوعان أولا هداية إرشاد وبيان وهي المعنية في قوله تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحب العما على الهدا وحصول هذا النوع من الهداية يكون بالعلم بالكتاب والسنة والبصيرة في الدين بفهم السلف الصالح ثانيا هداية توفيق وانقياد وهي المرادة في قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهذه تحصل بتوفيق الله لعبده المستحق لها والعبد الصادق في إرادة هذه الهداية يلجأ إلى الله عز وجل في طلبها كما أن من مفهوم الاهتداء ألا يكون مهتديا فحسب بل يكون إماما في هذه الهداية دالا عليها وهاديا إليها كما وصف الله تعالى عباد الرحمن بقوله واجعلنا للمتقين إماما التؤدة وعدم العجلة والتثبت والرفق في الأمور الدعية الصادق تراه متأنيا رحيما لا يستخف ولا يعجل في الحكم على الأمور إلا بعد التثبت منها ومن ملابساتها ولا يتحدث إلا بعلم وعدل قال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقال وإذا قلتم فعدلوا ومن لوازم ذلك الرفق والحكمة وعدم الفضاضة والغلضة قال سبحانه ولو كنت فضا غليض القلب لن فضوا من حولك سلامة القلب الدعية الصادق سليم القلب مع ربه ومع الخلق فقلبه سليم من كل شبهة خبر الله أو خبر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن كل شهوة تعارض أمر الله عز وجل أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن كل إرادة تعارض الإخلاص وسليم من كل اعتراض على القدر فلا تراه إلا مطمئنا راضيا لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله يحب لهم الخير ويكره لهم الشر الصبر الصبر الممدوح الذي ينتفع منه صاحبه هو ما قام على الأركان الآتية أولا أن يكون الصبر لله عز وجلا وابتغاء مرضاته وليس ليقال ما أصبره وما أجلده قال سبحانه ولربك فاصبر ثانيا أن يكون بالله عز وجل أي مستعينا به سبحانه متبرئا من الحول والقوة قال سبحانه واصبر وما صبرك إلا بالله ثالثا أن يكون مع الله أي دائرا مع أوامره ونواهيه حيث دارت أي أن يكون صبره في أمر يحبه الله ويرضاه والصبر كغيره من الأخلاق يكتنفه طرفان مذمومان والممدوح وسط بينهما فهو وسط بين طرف التفريط فيه بحيث يؤدي إلى الضعف والذلة والمهانة والتنازلات عن الحق وطرف الإفراط المؤدي إلى القسوة والتهور والعجلة في الأمور قبل آوانها وهو يظن أنه من أقوى الناس صبرا والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة لأن طريق الدعوة شاق وطويل تكتنفه الابتلاءات والأذاء والشهوات والشبهات المصابرة وهي مفاعلة من الصبر فتكون من طرفين الأول الداعية وهو المقصود هنا والثاني يشمل أعداء الدعوة من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والأعداء الذين يتربصون بالمؤمنين ويحاولون جاهدين أن يضعفوا صبرهم فينبغي أن لا ينفد صبر المؤمنين بل يظلون مجاهدين أصبر من أعدائهم وأقوى فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم يدعون فيه إلى مقابلة صبر الأعداء بصبر أقوى منه ومقابلة الدفع بالدفع والإصرار بالإصرار والعاقبة للمتقين قال سبحانه يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون وقال تعالى إن تكونوا تعلمون فإنهم يعلمون كما تعلمون وترجون من الله ما لا يرجون وضوح الهدف في نفس الداعية من صفات الداعية إلى الحق أن تكون غايته من الدعوة واضحة حاسمة وذلك فيما يلي أولا الغاية الكبرى تكون تعبده لله تعالى بالدعوة إليه فالدعوة عبادة يحبها الله ويحث عليها قال تعالى ومن أحسن قولا من من دعى إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ثانيا السعي بهذه العبادة للفوز برضى الله عز وجل وجنته ثالثا النصح للخلق والشفقة عليهم من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة وانقاذهم بإذن الله تعالى من الظلمات إلى النور ودعوتهم إلى الحياة الطيبة بكل معاني الحياة إنها دعوة للخلق إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول وتحررها من أوهام الجهل والخرافة ومن الخضوع للذل وعبادة غير الله تعالى المذلة للعبد أو للشهوات كما تدعوهم إلى شريعة تحرر الإنسان وتكرمه مصدرها منه سبحانه ويقف البشر جميعهم أمامها متساوين لا يتفاضلون إلا بالتقوى كما تدعو المسلمين إلى العزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم والثقة بدينهم وربهم وإلى الاستخلاف في الأرض لتحرير الإنسان وإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده وتدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل لتقرير ألوهية الله سبحانه في الأرض وفي حياة الناس وتحطيم ألوهية العبيد المدعى حتى يكون الدين كله لله والحكم والشريعة كلها له سبحانه حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كانت الشهادة لهم حياة هذا هو ما يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه فهي دعوة إلى الحياة الحقيقية بكل معانيها التميز عند الداعية إن من أهم صفات الداعية التميز والتمسك بهذا الدين عقيدة وعبادة وأحكام وسلوك باطن وظاهرة والعض على ذلك ولا سيما في أوقات الغربة حيث المتمسك بدينه كالقابض على الجمر ولا يتقلب مع المتقلبين تحت ضغط الواقع ومسايرة المجتمع ووطأة الفساد نعم إن المسلم الصادق يُعرف بالآتي بتميزه وثباته على دينه وصحة معتقده وفهمه عند فساد المعتقدات والفهوم وبالتزامه بالسنة عند فشو المبتدعات وزهد الناس في السنة وبصدق إيمانه في قلبه ولسانه وجوارحه إذا فشى الكذب والنفاق وبعبادته لربه إذا الناس يلهون ويلعبون وبأخلاقه إذا فسدت أخلاق الناس وبصدقه في المعاملات إذا فشى الغش والخيانة والغدر وبصمته إذا كثر الخوض في الباطل والقيل والقال ومحاسبته لنفسه إذا انشغل الناس بعضهم ببعض وبدعوته وزهده وجهاده إذا أقبلت الدنيا على أهلها فمالوا إليها وغرقوا في ملذاتها وبالجملة فالدعاة المتميزون هم من قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم طوبا للغرباء فقيل ومن الغرباء يا رسول الله قال أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم رواه أحمد وصححه الألباني إن الداعي بتميزه هذا يشهد لهذا الدين بالخيرية للبشرية ويشهد له بالأحقية في هذا الوجود والأفضلية على سائر ما في الأرض من نظم وأوضاع وتشكيلات البيعة مع الله عز وجل قال تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي باعتم به وذلك هو الفوز العظيم ثم ذكر صفات أهل هذه البيعة من الدعاة والمجاهدين فقال التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين وأركان البيعة هنا أربعة البائع وهو المجاهد والمشتري وهو الله سبحانه وتعالى والثمن وهو النفس والمال والمثمن وهو الجنة أدب الدعية في أدائه لرسالة الله عز وجل الدعية متأدب مع ربه لا يتكلف السؤال عما ليس من شأنه بل يسير متوكلا على ربه محسن نظن به يؤدي رسالة ربه غير متعجل لنصره يسير وفق ما يحبه الله عز وجل ويريده منه مطيع يضع قدميه حيث ما يرضى منه ربه سبحانه ويكر الغيب إلى ربه لا يتطلع إلى معرفة ما حجب عنه لأن قلبه مطمئن لربه ولأن أدبه مع ربه ينهاه عن التطلع لغير ما فتح له قال سبحانه قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو وقال سبحانه قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي ضعف التأصير وتأصير الضعف عند الداعية من صفات الداعية وضوح التأصير الشرعي لدي وهو أن ينطلق في دعوته ومنهجها من الأصول الشرعية وما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام وبدون هذا يكون الضعف في التأصير الذي يؤدي إلى الاضطراب والاكتفاء بآراء الرجال أو أذواقهم أو سياساتهم الجائرة ومن صفات الداعية اللازمة أن يحذر أن يؤصر لضعفه أو أخطائه ويبرر لها بشبهات بزعم أنها شرعية ليغطي بها ضعفه ومواقفه إنشراح صدر الداعية لدعوته وتبليغها بلسان مبين لما أمر الله تعالى موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون ودعوته إلى الحق كان طلب موسى عليه السلام ما قصه الله عز وجل علينا في كتابه بقوله قال رب شرح لي صدري ويسر لي أمري وحلو العقدة من لساني يفقه قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري ومما يستنبط من هذه الآيات لزوم دعاء الله عز وجل والاستعانة به في شرح الصدر وتثبيته وتيسير أمره وتوفيقه مكانة العلماء في الدعوة يقف العلماء في مقدمة الدعاء إلى الله عز وجل فهم المبلغون للحق المبين وهم الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وعليهم مقاومة الموالات لأعداء الله وهم القدوة لباقي الدعاء فالواجب عليهم أعظم من غيرهم فعليهم واجب بيان حقيقة التوحيد وما يضاده من ألوان الشرك المختلفة شرك التعظيم وشرك التسوية وشرك الطاعة وشرك التشريع وشرك الولاء وشرك الشفاعة إلى آخر ذلك وعليهم أن يصدعوا بالحق في وجه من كان ظالم من حكام وولاه فإن لم يستجيبوا لهم فلا أقل من أن يعتزلوهم ويرفضوا مناسبهم وأعطياتهم وينفضوا عن مجالسهم وأن تكون لهم المهن الحرة التي يرتزقون بها بعيدا عن مرتبات السلاطين