1 00:00:00,430 --> 00:00:03,430 بسم الله الرحمن الرحيم 2 00:00:03,430 --> 00:00:08,429 خير القرون مواقفاً ومثالاً 3 00:00:08,429 --> 00:00:13,429 تبع الرسول إذا سعى أو قالا 4 00:00:13,429 --> 00:00:15,429 جمهية مودة 5 00:00:15,429 --> 00:00:17,429 تقدم 6 00:00:17,429 --> 00:00:21,500 صور من حياة التابعين 7 00:00:21,500 --> 00:00:26,530 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا 8 00:00:26,530 --> 00:00:30,859 رحمه الله 9 00:00:30,859 --> 00:00:33,859 عبد الرحمن الغافق 10 00:00:33,859 --> 00:00:35,859 رحمه الله 11 00:00:44,219 --> 00:00:47,219 قال الشاعر الإنجليزي سوذي 12 00:00:47,219 --> 00:00:52,219 يصف جيوش المسلمين التي غزت أوروبا بعد فتح الأندلس 13 00:00:52,219 --> 00:00:55,219 جموع لا تحصى 14 00:00:55,219 --> 00:00:58,219 من عرب وبربر وروم خوارج 15 00:00:58,219 --> 00:01:00,219 وفرس وقبط وتتر 16 00:01:00,219 --> 00:01:04,219 قد انضوا جميعاً تحت لواء واحد 17 00:01:04,219 --> 00:01:06,219 يجمعهم إيمان ثائر 18 00:01:06,219 --> 00:01:08,219 راسخ الفتوة 19 00:01:08,219 --> 00:01:11,219 وحمية متلضية كشرر 20 00:01:11,219 --> 00:01:15,219 وأوخوة مذهلة لا تفرق بين البشر 21 00:01:15,219 --> 00:01:19,340 ولم يكن قادتهم أقل منهم ثقة بالنصر 22 00:01:19,340 --> 00:01:22,340 بعد أن ثملوا بحمية الضفر 23 00:01:22,340 --> 00:01:25,340 واختالوا بتلك القوة القوية 24 00:01:25,340 --> 00:01:28,340 التي لا يقف أمامها شيء 25 00:01:28,340 --> 00:01:33,340 وأيقنوا أن جيوشهم لا يمكن أن يلم بها الكلال 26 00:01:33,340 --> 00:01:39,340 فهي دائماً فتية مشبوبة كمن طلقت أول مرة 27 00:01:39,340 --> 00:01:42,340 وأمنوا بأنها حيثما تحركت 28 00:01:42,340 --> 00:01:45,340 مشى في ركابها النصر والغلب 29 00:01:45,340 --> 00:01:49,340 وأنها ستندفع دائماً إلى الأمام 30 00:01:49,340 --> 00:01:52,340 حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق 31 00:01:52,340 --> 00:01:56,340 يطاطئ الرأس إجلالاً لاسم محمد 32 00:01:56,340 --> 00:02:00,340 وحتى ينهض الحاج من أقاص المتجمد 33 00:02:00,340 --> 00:02:04,340 إلى أن يطأ بأقدام الإيمان الرمال المحرقة 34 00:02:04,340 --> 00:02:07,340 المنتثرة على صحراء العرب 35 00:02:07,340 --> 00:02:11,340 ويقف فوق صخور مكة الصلدة 36 00:02:11,340 --> 00:02:16,909 لم تكن أيها الشاعر بعيداً عن الحقيقة 37 00:02:16,909 --> 00:02:19,909 أو هائماً في أودية الخيال 38 00:02:19,909 --> 00:02:21,909 في كثير مما قلت 39 00:02:21,909 --> 00:02:26,009 فقد كانت الجيوش التي قادها المجاهدون 40 00:02:26,009 --> 00:02:30,009 لإخراج آبائك من جاهليتهم الجهلاء 41 00:02:30,009 --> 00:02:32,009 كما وصفت 42 00:02:32,009 --> 00:02:35,009 ففيها عرب أقوياء بالله 43 00:02:35,009 --> 00:02:37,009 هبوا إليكم من الشام 44 00:02:37,009 --> 00:02:39,009 من الحجاز 45 00:02:39,009 --> 00:02:40,009 من نجد 46 00:02:40,009 --> 00:02:41,009 من اليمن 47 00:02:41,009 --> 00:02:44,009 من كل مكان في جزيرة العرب 48 00:02:44,009 --> 00:02:47,009 كما تهب الريح المرسلة 49 00:02:47,009 --> 00:02:51,009 وفيها بربر أعزة بالإسلام 50 00:02:51,009 --> 00:02:54,009 تدفقوا عليكم من فوق جبال الأطلس 51 00:02:54,009 --> 00:02:57,009 كما يتدفق السيل العرم 52 00:02:57,009 --> 00:02:59,009 وفيها فرس 53 00:02:59,009 --> 00:03:02,009 عافت عقولهم وثنية الأكاسرة 54 00:03:02,009 --> 00:03:05,009 وفاءت إلى دين التوحيد 55 00:03:05,009 --> 00:03:08,009 وصراط العزيز الحميد 56 00:03:08,009 --> 00:03:11,009 وفيها روم خوارج كما قلت 57 00:03:11,009 --> 00:03:15,009 ولكنهم خرجوا على الظلم والظلمات 58 00:03:15,009 --> 00:03:18,009 وانحازوا إلى نور السماوات والأرض 59 00:03:18,009 --> 00:03:21,009 وهدوا إلى دين القيمة 60 00:03:21,009 --> 00:03:23,009 وفيها قبط 61 00:03:23,009 --> 00:03:27,009 رفعوا عن رقابهم نير العبودية للقياصرة 62 00:03:27,009 --> 00:03:31,009 ليعيشوا كما ولدتهم أمهاتهم 63 00:03:31,009 --> 00:03:34,009 أحرارا في أكناف الإسلام 64 00:03:34,009 --> 00:03:35,009 نعم 65 00:03:35,009 --> 00:03:40,009 لقد كان الجيش الذي قاده عبد الرحمن الغافقي وأسلافه 66 00:03:40,009 --> 00:03:44,009 لإنقاذ أجدادك من الجاهلية 67 00:03:44,009 --> 00:03:46,009 فيه الأبيض والأسود 68 00:03:46,009 --> 00:03:49,009 والعربي والأعجمي 69 00:03:49,009 --> 00:03:53,009 لكنهم انصهروا جميعا في بوتقة الإسلام 70 00:03:53,009 --> 00:03:56,009 فأصبحوا بنعمة الله إخوانا 71 00:03:56,009 --> 00:03:59,009 وقد كان همهم كما ذكرت 72 00:03:59,009 --> 00:04:02,009 أن يدخلوا الغرب في دين الله 73 00:04:02,009 --> 00:04:05,009 كما أدخلوا الشرق من قبل 74 00:04:05,009 --> 00:04:10,009 وأن يجعلوا البشرية كلها تطأطئ الرأس لإله الناس 75 00:04:10,009 --> 00:04:14,009 وأن يعم نور الإسلام بطاحكم وأوديتكم 76 00:04:14,009 --> 00:04:18,009 وأن تشرق شمسه في كل بيت من بيوتكم 77 00:04:18,009 --> 00:04:23,009 وأن يسوي عدله بين ملوككم وسوقتكم 78 00:04:23,009 --> 00:04:29,009 وكانوا قد عزموا على أن يدفعوا أرواحهم ثمنا لهدايتكم إلى الله 79 00:04:29,009 --> 00:04:32,009 وإنقاذكم من النار 80 00:04:32,009 --> 00:04:34,959 وبعد 81 00:04:34,959 --> 00:04:38,959 فإليكم القصة الأخيرة لهذا الجيش 82 00:04:38,959 --> 00:04:44,959 وخبر بطله الفذ عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي 83 00:04:44,959 --> 00:04:52,250 تناهت إلى دوق أكتانية الأخبار المفزعة عن مصرع صهره عثمان بن أبي نسعة 84 00:04:52,250 --> 00:04:55,250 وبلغته أنباء النهاية الحزينة 85 00:04:55,250 --> 00:04:59,250 التي صارت إليها ابنته الحسناء مينين 86 00:04:59,250 --> 00:05:03,250 فأدرك أن طبول الحرب قد دقت 87 00:05:03,250 --> 00:05:07,250 وأيقن أن أسد الإسلام عبد الرحمن الغافقي 88 00:05:07,250 --> 00:05:11,279 ممس في دياره أو مصبح 89 00:05:11,279 --> 00:05:17,279 فتأهب للدفاع عن كل شبر من أرضه دفاع المستميت 90 00:05:17,279 --> 00:05:23,279 واستعد للنظال دون نفسه ومملكته استعداد المستبسل 91 00:05:23,279 --> 00:05:30,279 فقد كان يخشى أن يساقه والآخر أسيرا إلى دار الخلافة في الشام 92 00:05:30,279 --> 00:05:32,279 كما سيقت ابنته 93 00:05:32,279 --> 00:05:35,279 أو أن يحمل رأسه على طبق 94 00:05:35,279 --> 00:05:38,279 ويطاف به في أسواق دمشق 95 00:05:38,279 --> 00:05:40,279 كما طيف برأس لذريق 96 00:05:40,279 --> 00:05:43,310 ملك إسبانيا من قبل 97 00:05:43,310 --> 00:05:47,310 لم يكذب عبد الرحمن الغافقي ظن الدوق 98 00:05:47,310 --> 00:05:51,310 فانطلق بجيشه اللجب من شمال الأندلس 99 00:05:51,310 --> 00:05:53,310 كما ينطلق الإعصار 100 00:05:53,310 --> 00:05:57,310 وانصب على جنوب فرنسا من فوق جبال البرناه 101 00:05:57,310 --> 00:06:00,310 كما ينصب السيل 102 00:06:00,310 --> 00:06:04,310 وكانت عدة جيشه مائة ألف مجاهد 103 00:06:04,310 --> 00:06:08,310 بين جوانح كل منهم قلب أسد 104 00:06:08,310 --> 00:06:12,939 وفي عروقه عزمة مارد 105 00:06:12,939 --> 00:06:17,939 يمّم الجيش الإسلامي وجهه شطر مدينة آرل 106 00:06:17,939 --> 00:06:20,939 الواقعة على ضفاف نهر الرون 107 00:06:20,939 --> 00:06:23,939 فلقد كان له معها حساب 108 00:06:23,939 --> 00:06:28,939 ذلك أن آرل هذه كانت قد صالحة المسلمين 109 00:06:28,939 --> 00:06:31,939 على أن تدفع لهم الجزية 110 00:06:31,939 --> 00:06:34,939 فلما استشهد السمح بن مالك الخولاني 111 00:06:34,939 --> 00:06:36,939 في معركة تولوز 112 00:06:36,939 --> 00:06:39,939 وتضعضع المسلمون لمصرعه 113 00:06:39,939 --> 00:06:41,939 نبذ أهل آرل الطاعة 114 00:06:41,939 --> 00:06:43,939 ونكث العهد 115 00:06:43,939 --> 00:06:47,009 وامتنعوا عن دفع الجزية 116 00:06:47,009 --> 00:06:51,009 ولما بلغ عبد الرحمن الغافقي ضواحي المدينة 117 00:06:51,009 --> 00:06:55,009 وجد أن أود دوق أكتانيا 118 00:06:55,009 --> 00:06:58,009 قد عبأ قواته الكثيفة عندها 119 00:06:58,009 --> 00:07:01,009 وحشدها حول تخومها 120 00:07:01,009 --> 00:07:05,009 وتصدى لرد الزحف الإسلامي عليها 121 00:07:05,009 --> 00:07:09,009 ثم ما لبث أن التقى الجيشان وجهاً لوجه 122 00:07:09,009 --> 00:07:13,009 ودارت بين الفريقين معركة طحون 123 00:07:13,009 --> 00:07:18,009 قذف خلالها عبد الرحمن الغافقي بكتائب من جيشه 124 00:07:18,009 --> 00:07:22,009 تحب الموت أكثر مما يحب أعداؤها الحياة 125 00:07:22,009 --> 00:07:25,009 فزلزل أقدام العدو 126 00:07:25,009 --> 00:07:27,009 ومزق صفوفة 127 00:07:27,009 --> 00:07:31,009 ودخل المدينة في هذه المرة حربا 128 00:07:31,009 --> 00:07:34,009 فأعمل السيف في رقاب أهلها 129 00:07:34,009 --> 00:07:36,009 وقن فيهم إثخانا 130 00:07:36,009 --> 00:07:40,139 وغنم منهم غناء ما عزت على الحصر 131 00:07:40,139 --> 00:07:42,139 أما الدوق أود 132 00:07:42,139 --> 00:07:45,139 فقد فر بمن بقي حيا من جنوده 133 00:07:45,139 --> 00:07:50,139 وطفق يعد العدة للقاء آخر مع جيوش المسلمين 134 00:07:50,139 --> 00:07:54,139 فقد كان يعلم أن معركة آرل 135 00:07:54,139 --> 00:08:00,019 كانت بداية الطريق وليست نهايته 136 00:08:00,019 --> 00:08:05,019 عبر عبد الرحمن الغافقي بجيشه الجرار نهر الجارون 137 00:08:05,019 --> 00:08:10,019 وطفقت كتائبه الظافرة تجوس مقاطعة أكتانيا 138 00:08:10,019 --> 00:08:13,019 ذات اليمين وذات الشمال 139 00:08:13,019 --> 00:08:15,019 وأخذت المدن والقرى 140 00:08:15,019 --> 00:08:18,019 تتساقط تحت سناب كخيله 141 00:08:18,019 --> 00:08:22,019 كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف 142 00:08:22,019 --> 00:08:25,019 إذا هبت عليها الرياح الهوج 143 00:08:25,019 --> 00:08:29,019 وأضاف المسلمون إلى غنائمهم السابقة 144 00:08:29,019 --> 00:08:33,019 غنائم لاحقة لم ترها عين من قبل 145 00:08:33,019 --> 00:08:35,019 ولم تسمع بها أذن 146 00:08:35,019 --> 00:08:38,019 وقد حاول دوق أكتانيا 147 00:08:38,019 --> 00:08:42,019 أن يتصدى لهذا الزحف الكبير مرة أخرى 148 00:08:42,019 --> 00:08:46,019 فاشتبك مع المسلمين في معركة ضروس 149 00:08:46,019 --> 00:08:51,019 لكن المسلمين ما لبثوا أن هزموه هزيمة طاحنة 150 00:08:51,019 --> 00:08:55,019 وأنزلوا به نكبة ساحقة مدمرة 151 00:08:55,019 --> 00:08:58,019 ومزقوا جيشه شر ممزق 152 00:08:58,019 --> 00:09:03,090 وتركوا جنده بين قتيل وأسير وهزيم 153 00:09:03,090 --> 00:09:07,090 ثم اتجه المسلمون إلى مدينة بوردو 154 00:09:07,090 --> 00:09:10,090 كبرى المدن الإفرنسية آنذاك 155 00:09:10,090 --> 00:09:13,090 وعاصمة مقاطعة أكتانيا 156 00:09:13,090 --> 00:09:17,090 وخاضوا مع أميرها معركة لا تقل هولا 157 00:09:17,090 --> 00:09:19,090 عن المعارك السابقة 158 00:09:19,090 --> 00:09:22,090 استبسل فيها المهاجمون والمدافعون 159 00:09:22,090 --> 00:09:26,120 استبسالا يثير العجب والإعجاب 160 00:09:26,120 --> 00:09:29,120 لكن المدينة الكبيرة الخطيرة 161 00:09:29,120 --> 00:09:32,120 ما لبثت أن سقطت في أيدي المسلمين 162 00:09:32,120 --> 00:09:35,120 كما سقطت أخواتها من قبل 163 00:09:35,120 --> 00:09:39,120 وما لبث أميرها أن قتل في جملة القتلى 164 00:09:39,120 --> 00:09:43,120 وأحرز المسلمون من غنائم بوردو 165 00:09:43,120 --> 00:09:47,120 ما هون في أعينهم كلما أحرزوه من غنائم 166 00:09:47,120 --> 00:09:51,120 وقد كان سقوط بوردو في أيدي المسلمين 167 00:09:51,120 --> 00:09:55,120 فاتحة لسقوط مدن أخرى كثيرة خطيرة 168 00:09:55,120 --> 00:09:59,120 أهمها ليون وبيزانسون وسانس 169 00:09:59,120 --> 00:10:03,120 وكانت هذه الأخيرة لا تبعد عن باريس 170 00:10:03,120 --> 00:10:07,590 أكثر من مائة ميل 171 00:10:07,590 --> 00:10:11,590 اهتزت أوروبا من أقصاها إلى أقصاها 172 00:10:11,590 --> 00:10:17,590 لسقوط نصف فرنس الجنوبي كله في يدي عبد الرحمن الغافقي 173 00:10:17,590 --> 00:10:19,590 خلال بضعة أشهر 174 00:10:19,590 --> 00:10:23,590 وفتح الفرنجة أعينهم على الخطر الداهم 175 00:10:23,590 --> 00:10:25,590 ودب الصريخ في كل مكان 176 00:10:25,590 --> 00:10:31,590 يدعو العجزة والقادرين إلى الوقوف في وجه هذا الهول القادم من الشرق 177 00:10:31,590 --> 00:10:34,590 ويحضهم على التصدي له بالصدور 178 00:10:34,590 --> 00:10:36,590 إذا عزت السيوف 179 00:10:36,590 --> 00:10:40,590 ويدعوهم إلى سد الطريق أمامه بالأجساد 180 00:10:40,590 --> 00:10:42,590 إذاً عدم العتاد 181 00:10:42,590 --> 00:10:46,590 فاستجابت أوروبا لدعوة الداعي 182 00:10:46,590 --> 00:10:50,590 وأقبل الناس على الانضواء تحت لواء شارل مارتيل 183 00:10:51,590 --> 00:10:55,590 ومعهم الشجر والحجر والشوك والسلاح 184 00:10:55,590 --> 00:11:00,129 كان الجيش الإسلامي آنذاك 185 00:11:00,129 --> 00:11:02,129 قد بلغ مدينة تور 186 00:11:02,129 --> 00:11:06,129 طليعة مدن فرنسا وفرة في السكان 187 00:11:06,129 --> 00:11:10,129 وقوة في البنيان وعراقة في التاريخ 188 00:11:10,129 --> 00:11:13,129 وكانت المدينة فوق ذلك 189 00:11:13,129 --> 00:11:18,129 تختال على أكثر مدن أوروبا بكنيستها الفخمة الضخمة 190 00:11:18,129 --> 00:11:22,129 العامرة بجليل الأعلاق وكريم النفائس 191 00:11:22,129 --> 00:11:26,129 فأحاط بها المسلمون إحاطة الغل بالعنق 192 00:11:26,129 --> 00:11:31,129 وانصبوا عليها انصباب المنون إذا جاء الأجل 193 00:11:31,129 --> 00:11:35,129 واسترخصوا في سبيل افتتاحها الأرواح والمهج 194 00:11:35,129 --> 00:11:38,129 فما لبثت أن سقطت بين أيديهم 195 00:11:38,129 --> 00:11:42,129 على مرأى شارل مارتيل ومسمعه 196 00:11:42,129 --> 00:11:46,860 وفي العشر الأخيرة من شهر شعبان 197 00:11:46,860 --> 00:11:49,860 سنة أربع ومئة للهجرة 198 00:11:49,860 --> 00:11:55,860 زحف عبد الرحمن الغافقي بجيشه اللجب على مدينة بواتيه 199 00:11:55,860 --> 00:11:59,860 وهناك التقى مع جيوش أوروبا الجرارة 200 00:11:59,860 --> 00:12:01,860 بقيادة شارل مارتيل 201 00:12:01,860 --> 00:12:05,860 ووقعت بين الفريقين إحدى المعارك الفاصلة 202 00:12:05,860 --> 00:12:09,860 لا في تاريخ المسلمين والفرنجة فحسب 203 00:12:09,860 --> 00:12:13,860 وإنما في تاريخ البشرية كلها 204 00:12:13,860 --> 00:12:16,860 وقد عرفت هذه المعركة 205 00:12:16,860 --> 00:12:19,860 بمعركة بلاط الشهداء 206 00:12:19,860 --> 00:12:24,419 كان الجيش الإسلامي يومئذ 207 00:12:24,419 --> 00:12:27,419 في ذروة انتصاراته الباهرة 208 00:12:27,419 --> 00:12:31,419 لكن كاهله كان مثقلا بتلك الغنائم 209 00:12:31,419 --> 00:12:34,419 التي صبت عليهم صباب الغيث 210 00:12:34,419 --> 00:12:38,419 وتكدست في أيدي جنوده تكدس السحب 211 00:12:38,419 --> 00:12:41,490 وقد نظر عبد الرحمن الغافقي 212 00:12:41,490 --> 00:12:44,490 إلى هذه الثروة الطائلة الهائلة 213 00:12:44,490 --> 00:12:47,490 نظرة قلق وإشفاق 214 00:12:47,490 --> 00:12:50,490 وتوجس منها خيفة على المسلمين 215 00:12:50,490 --> 00:12:53,490 فقد كان لا يأمن أن تشغل 216 00:12:53,490 --> 00:12:56,490 هذه النفائس قلوبهم عند اللقاء 217 00:12:56,490 --> 00:13:00,490 وأن توزع نفوسهم في لحظات البأس 218 00:13:00,490 --> 00:13:03,490 وأن تجعل إحدى عيني الواحد منهم 219 00:13:03,490 --> 00:13:05,490 على العدو المقبل عليه 220 00:13:05,490 --> 00:13:09,490 وعينه الأخرى على الغنائم التي في يديه 221 00:13:09,490 --> 00:13:12,490 ولقد هم بأن يأمر جنوده 222 00:13:12,490 --> 00:13:16,490 بالتخلص من هذه الثروات الطائلة الهائلة 223 00:13:16,490 --> 00:13:19,490 ولكنه خشي أن لا تطيب قلوبهم 224 00:13:19,490 --> 00:13:22,490 بذلك القرار الخطير 225 00:13:22,490 --> 00:13:25,490 وأن لا تسمح نفوسهم بالتخلي 226 00:13:25,490 --> 00:13:28,490 عن ذلك الكنز الثمين 227 00:13:28,490 --> 00:13:31,490 فلم يجد وسيلة خيرا من أن يجمع 228 00:13:31,490 --> 00:13:34,490 هذه المغانم في مخيمات خاصة 229 00:13:34,490 --> 00:13:37,490 وأن يجعلها وراء المعسكر 230 00:13:37,490 --> 00:13:39,490 قبل إن شاب القتال 231 00:13:39,490 --> 00:13:42,649 وقف الجيشان الكبيران بضعة أيام 232 00:13:42,649 --> 00:13:45,649 كل منهما قبالة الآخر 233 00:13:45,649 --> 00:13:48,649 في سكون وترقب وصمت 234 00:13:48,649 --> 00:13:51,649 كما تقف سلسلتان من الجبال 235 00:13:51,649 --> 00:13:54,649 إحداهما في وجه الأخرى 236 00:13:54,649 --> 00:13:58,649 فقد كان كل من الجيشين يخشى بأس عدوه 237 00:13:58,649 --> 00:14:01,649 ويحسب للقائه ألف حساب 238 00:14:01,649 --> 00:14:04,710 فلما طال الوقت على هذه الحال 239 00:14:04,710 --> 00:14:07,710 ووجد عبد الرحمن الغافقي 240 00:14:07,710 --> 00:14:10,710 مراجل الحمية والإقدام 241 00:14:10,710 --> 00:14:13,710 تغلي في صدور رجاله 242 00:14:13,710 --> 00:14:16,710 آثر أن يكون هو البادئ بالهجوم 243 00:14:16,710 --> 00:14:19,710 معتمدا على مناقب جنده 244 00:14:19,710 --> 00:14:22,710 متفائلا بحسن طالعه في النصر 245 00:14:22,710 --> 00:14:27,600 انقض عبد الرحمن الغافقي 246 00:14:27,600 --> 00:14:30,600 بفرسانه على صفوف الفرنجة 247 00:14:30,600 --> 00:14:33,600 انقضاض الأسود الكاسرة 248 00:14:33,600 --> 00:14:36,600 وصمد لهم الفرنجة 249 00:14:37,600 --> 00:14:40,600 وانقض اليوم الأول من أيام المعركة 250 00:14:40,600 --> 00:14:43,600 دون أن ترجح فيه كفة على كفة 251 00:14:43,600 --> 00:14:46,600 ولم يحجز بين المتقاتلين 252 00:14:46,600 --> 00:14:49,600 غير هبوط الظلام 253 00:14:49,600 --> 00:14:52,600 على ميدان القتال 254 00:14:52,600 --> 00:14:55,600 ثم تجدد النزال في اليوم التالي 255 00:14:55,600 --> 00:14:58,600 وحمل المسلمون على الفرنجة 256 00:14:58,600 --> 00:15:01,600 حملات باسلة 257 00:15:01,600 --> 00:15:04,659 ولكنهم لم ينالوا منهم وطرى 258 00:15:04,659 --> 00:15:07,659 المعركة تدور على هذه الحال 259 00:15:07,659 --> 00:15:10,659 سبعة أيام طويلة ثقيلة 260 00:15:10,659 --> 00:15:13,659 فلما كان اليوم الثامن 261 00:15:13,659 --> 00:15:16,659 كر المسلمون على عدوهم كرة واحدة 262 00:15:16,659 --> 00:15:19,659 ففتحوا في صفوفه ثغرة كبيرة 263 00:15:19,659 --> 00:15:22,659 لاح لهم من خلالها النصر 264 00:15:22,659 --> 00:15:25,659 كما يلوح ضوء الصبح 265 00:15:25,659 --> 00:15:28,700 من خلال الظلام 266 00:15:28,700 --> 00:15:31,700 عند ذلك أغارت فرقة من كتائب الفرنجة 267 00:15:31,700 --> 00:15:34,700 على معسكرات الغنائم 268 00:15:34,700 --> 00:15:37,700 فلما رأى المسلمون أن غنائمهم 269 00:15:37,700 --> 00:15:40,700 قد أوشكت أن تقع في أيدي أعدائهم 270 00:15:40,700 --> 00:15:43,700 إن كفأ كثير منهم 271 00:15:43,700 --> 00:15:46,700 لاستخلاصها منه 272 00:15:46,700 --> 00:15:49,700 فتصدعت لذلك صفوفهم 273 00:15:49,700 --> 00:15:52,700 وتضعضعت جموعهم 274 00:15:52,700 --> 00:15:55,700 وذهبت ريحهم 275 00:15:55,700 --> 00:15:58,700 فهب القائد العظيم يعمل على 276 00:15:59,700 --> 00:16:02,700 وفيما كان بطل الإسلام 277 00:16:02,700 --> 00:16:05,700 عبد الرحمن الغافقي 278 00:16:05,700 --> 00:16:08,700 يذرع أرض المعركة على صهوة جواده 279 00:16:08,700 --> 00:16:11,700 الأشهب جيئة وذهابا 280 00:16:11,700 --> 00:16:14,700 وكرا وفرا 281 00:16:14,700 --> 00:16:17,700 أصابه سهم نافذ 282 00:16:17,700 --> 00:16:20,700 فهواعا متن فرسه 283 00:16:20,700 --> 00:16:23,700 كما يهو العقاب من فوق قمم الجبال 284 00:16:23,700 --> 00:16:27,179 وثواصريعا شهيدا على أرض المعركة 285 00:16:27,179 --> 00:16:30,179 فلما رأى المسلمون ذلك 286 00:16:30,179 --> 00:16:33,179 عمهم الذعر وسادهم للطراب 287 00:16:33,179 --> 00:16:36,179 واشتدت عليهم وطأة العدو 288 00:16:36,179 --> 00:16:39,179 ولم يوقف بأسه عنهم إلا حلول الظلام 289 00:16:39,179 --> 00:16:44,000 فلما أصبح الصبح 290 00:16:44,000 --> 00:16:47,000 وجد شارل مارتيل 291 00:16:47,000 --> 00:16:50,000 أن المسلمين قد انسحبوا من بواتيه 292 00:16:50,000 --> 00:16:53,000 فلم يجرؤ على مطاردتهم 293 00:16:53,000 --> 00:16:56,000 ولو طاردهم لأفناهم 294 00:16:56,000 --> 00:16:59,000 كأنه خشي أن يكون انسحابهم مكيدة 295 00:16:59,000 --> 00:17:02,000 من مكائد الحرب دبرت في ليل 296 00:17:02,000 --> 00:17:05,000 فآثر البقاء في مواقعه 297 00:17:05,000 --> 00:17:08,000 مكتفيا بذلك النصر الكبير 298 00:17:08,000 --> 00:17:11,259 لقد كان يوم بلاط الشهداء 299 00:17:11,259 --> 00:17:14,259 يوما حاسما في التاريخ 300 00:17:14,259 --> 00:17:17,259 أضاع فيه المسلمون أملا من أعز الأمال 301 00:17:17,259 --> 00:17:20,259 وفقدوا خلاله بطلا 302 00:17:20,259 --> 00:17:23,259 من أعظم الأبطال 303 00:17:23,259 --> 00:17:26,259 حررت فيه مأساة يوم أحد 304 00:17:26,259 --> 00:17:29,259 سنة الله في خلقه 305 00:17:29,259 --> 00:17:32,259 ولن تجد لسنة الله تبديلا 306 00:17:32,259 --> 00:17:36,890 هزت أمباء فاجعة يوم بلاط 307 00:17:36,890 --> 00:17:39,890 الشهداء نفوس المسلمين 308 00:17:39,890 --> 00:17:42,890 في كل مكان هزا عنيفا 309 00:17:42,890 --> 00:17:45,890 وزلزلت لهولها أفئدتهم 310 00:17:45,890 --> 00:17:48,890 زلزالا شديدا 311 00:17:48,890 --> 00:17:51,890 وعم الحزن بسببها كل مدينة 312 00:17:52,890 --> 00:17:55,890 وما زال جرحها الممض 313 00:17:55,890 --> 00:17:58,890 ينزف من قلوبهم دما حتى اليوم 314 00:17:58,890 --> 00:18:01,890 وسيظل ينزف ما بقي 315 00:18:01,890 --> 00:18:04,980 على ظهر الأرض مسلم 316 00:18:04,980 --> 00:18:07,980 ولا تحسبن أن هذا الجرح العميق 317 00:18:07,980 --> 00:18:10,980 الغائر قد أمض أفئدة 318 00:18:10,980 --> 00:18:13,980 المسلمين وحدهم 319 00:18:13,980 --> 00:18:16,980 وإنما شاركهم في ذلك طائفة 320 00:18:16,980 --> 00:18:19,980 من عقلاء الفرنجة 321 00:18:19,980 --> 00:18:22,980 وذلك قام على المسلمين في بواتيه 322 00:18:22,980 --> 00:18:25,980 مصيبة كبرى رزئت بها الإنسانية 323 00:18:25,980 --> 00:18:28,980 وخسارة عظما 324 00:18:28,980 --> 00:18:31,980 أصابت أوروبا في صميمها 325 00:18:31,980 --> 00:18:35,079 ونكبة جلا نكبت بها الحضارة 326 00:18:35,079 --> 00:18:38,079 وإذا شئت أن تقف على رأي بعض هؤلاء 327 00:18:38,079 --> 00:18:41,079 في فجيعة بلاط الشهداء 328 00:18:41,079 --> 00:18:44,079 فاستمع إلى هنري دي شانبون 329 00:18:44,079 --> 00:18:47,079 مدير مجلة ريفي بارل من تيرا الفرنسية 330 00:18:47,079 --> 00:18:50,079 حيث قال 331 00:18:50,079 --> 00:18:53,079 لولا انتصار جيش شارمارت الهمجي 332 00:18:53,079 --> 00:18:56,079 على العرب المسلمين في فرنسا 333 00:18:56,079 --> 00:18:59,079 لما وقعت بلادنا في ظلمات 334 00:18:59,079 --> 00:19:02,079 القرون الوسطى 335 00:19:02,079 --> 00:19:05,079 ولما أصيبت بفضائعها 336 00:19:05,079 --> 00:19:08,079 ولا كابدت المذابح الأهلية 337 00:19:08,079 --> 00:19:11,079 التي دفع إليها التعصب الديني المذهبي 338 00:19:11,079 --> 00:19:14,079 نعم 339 00:19:14,079 --> 00:19:17,079 ونحن الوحشي على المسلمين في بواتيه 340 00:19:17,079 --> 00:19:20,079 لظلت إسبانيا تنعم بسماحة الإسلام 341 00:19:20,079 --> 00:19:23,079 ولنجت من وصمة محاكم التفتيش 342 00:19:23,079 --> 00:19:26,079 ولما تأخر سير المدنية 343 00:19:26,079 --> 00:19:29,079 ثمانية قرون 344 00:19:29,079 --> 00:19:32,079 ومهما اختلفت المشاعر والآراء 345 00:19:32,079 --> 00:19:35,079 حول انتصارنا ذاك 346 00:19:35,079 --> 00:19:38,079 فنحن مدينون للمسلمين بكل محامد 347 00:19:38,079 --> 00:19:41,079 حضارتنا في العلم والفن والصناعة 348 00:19:41,079 --> 00:19:44,079 مدعون لأن اعترف بأنهم كانوا 349 00:19:44,079 --> 00:19:47,079 مثال الكمال البشري 350 00:19:47,079 --> 00:19:50,079 في الوقت الذي كنا فيه مثال الهمجية 351 00:19:50,079 --> 00:19:53,180 وافتراء ما ندعيه اليوم 352 00:19:53,180 --> 00:19:56,180 من أن الزمان قد استدار 353 00:19:56,180 --> 00:19:59,180 وأن المسلمين وصلوا في هذا العصر 354 00:19:59,180 --> 00:20:02,180 إلى ما كنا عليه 355 00:20:02,180 --> 00:20:09,079 في العصور الوسطى 356 00:20:15,079 --> 00:20:18,079 كانوا هنا 357 00:20:18,079 --> 00:20:21,079 يسقون غيما حياتنا 358 00:20:21,079 --> 00:20:24,079 فموا فينا 359 00:20:24,079 --> 00:20:27,079 ذكرهم يتعالى 360 00:20:27,079 --> 00:20:30,079 رحلوا وألقوا في الظمير 361 00:20:30,079 --> 00:20:33,079 سؤالا هل مثلهم 362 00:20:33,079 --> 00:20:36,079 نجم سما وتلالا 363 00:20:36,079 --> 00:20:39,079 ملأوا الحياة 364 00:20:39,079 --> 00:20:42,079 مفاخرا بالفعلهم 365 00:20:42,079 --> 00:20:46,079 وزهت بهم دنيا الأنا