بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمهية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عبد الرحمن الغافق رحمه الله قال الشاعر الإنجليزي سوذي يصف جيوش المسلمين التي غزت أوروبا بعد فتح الأندلس جموع لا تحصى من عرب وبربر وروم خوارج وفرس وقبط وتتر قد انضوا جميعاً تحت لواء واحد يجمعهم إيمان ثائر راسخ الفتوة وحمية متلضية كشرر وأوخوة مذهلة لا تفرق بين البشر ولم يكن قادتهم أقل منهم ثقة بالنصر بعد أن ثملوا بحمية الضفر واختالوا بتلك القوة القوية التي لا يقف أمامها شيء وأيقنوا أن جيوشهم لا يمكن أن يلم بها الكلال فهي دائماً فتية مشبوبة كمن طلقت أول مرة وأمنوا بأنها حيثما تحركت مشى في ركابها النصر والغلب وأنها ستندفع دائماً إلى الأمام حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق يطاطئ الرأس إجلالاً لاسم محمد وحتى ينهض الحاج من أقاص المتجمد إلى أن يطأ بأقدام الإيمان الرمال المحرقة المنتثرة على صحراء العرب ويقف فوق صخور مكة الصلدة لم تكن أيها الشاعر بعيداً عن الحقيقة أو هائماً في أودية الخيال في كثير مما قلت فقد كانت الجيوش التي قادها المجاهدون لإخراج آبائك من جاهليتهم الجهلاء كما وصفت ففيها عرب أقوياء بالله هبوا إليكم من الشام من الحجاز من نجد من اليمن من كل مكان في جزيرة العرب كما تهب الريح المرسلة وفيها بربر أعزة بالإسلام تدفقوا عليكم من فوق جبال الأطلس كما يتدفق السيل العرم وفيها فرس عافت عقولهم وثنية الأكاسرة وفاءت إلى دين التوحيد وصراط العزيز الحميد وفيها روم خوارج كما قلت ولكنهم خرجوا على الظلم والظلمات وانحازوا إلى نور السماوات والأرض وهدوا إلى دين القيمة وفيها قبط رفعوا عن رقابهم نير العبودية للقياصرة ليعيشوا كما ولدتهم أمهاتهم أحرارا في أكناف الإسلام نعم لقد كان الجيش الذي قاده عبد الرحمن الغافقي وأسلافه لإنقاذ أجدادك من الجاهلية فيه الأبيض والأسود والعربي والأعجمي لكنهم انصهروا جميعا في بوتقة الإسلام فأصبحوا بنعمة الله إخوانا وقد كان همهم كما ذكرت أن يدخلوا الغرب في دين الله كما أدخلوا الشرق من قبل وأن يجعلوا البشرية كلها تطأطئ الرأس لإله الناس وأن يعم نور الإسلام بطاحكم وأوديتكم وأن تشرق شمسه في كل بيت من بيوتكم وأن يسوي عدله بين ملوككم وسوقتكم وكانوا قد عزموا على أن يدفعوا أرواحهم ثمنا لهدايتكم إلى الله وإنقاذكم من النار وبعد فإليكم القصة الأخيرة لهذا الجيش وخبر بطله الفذ عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي تناهت إلى دوق أكتانية الأخبار المفزعة عن مصرع صهره عثمان بن أبي نسعة وبلغته أنباء النهاية الحزينة التي صارت إليها ابنته الحسناء مينين فأدرك أن طبول الحرب قد دقت وأيقن أن أسد الإسلام عبد الرحمن الغافقي ممس في دياره أو مصبح فتأهب للدفاع عن كل شبر من أرضه دفاع المستميت واستعد للنظال دون نفسه ومملكته استعداد المستبسل فقد كان يخشى أن يساقه والآخر أسيرا إلى دار الخلافة في الشام كما سيقت ابنته أو أن يحمل رأسه على طبق ويطاف به في أسواق دمشق كما طيف برأس لذريق ملك إسبانيا من قبل لم يكذب عبد الرحمن الغافقي ظن الدوق فانطلق بجيشه اللجب من شمال الأندلس كما ينطلق الإعصار وانصب على جنوب فرنسا من فوق جبال البرناه كما ينصب السيل وكانت عدة جيشه مائة ألف مجاهد بين جوانح كل منهم قلب أسد وفي عروقه عزمة مارد يمّم الجيش الإسلامي وجهه شطر مدينة آرل الواقعة على ضفاف نهر الرون فلقد كان له معها حساب ذلك أن آرل هذه كانت قد صالحة المسلمين على أن تدفع لهم الجزية فلما استشهد السمح بن مالك الخولاني في معركة تولوز وتضعضع المسلمون لمصرعه نبذ أهل آرل الطاعة ونكث العهد وامتنعوا عن دفع الجزية ولما بلغ عبد الرحمن الغافقي ضواحي المدينة وجد أن أود دوق أكتانيا قد عبأ قواته الكثيفة عندها وحشدها حول تخومها وتصدى لرد الزحف الإسلامي عليها ثم ما لبث أن التقى الجيشان وجهاً لوجه ودارت بين الفريقين معركة طحون قذف خلالها عبد الرحمن الغافقي بكتائب من جيشه تحب الموت أكثر مما يحب أعداؤها الحياة فزلزل أقدام العدو ومزق صفوفة ودخل المدينة في هذه المرة حربا فأعمل السيف في رقاب أهلها وقن فيهم إثخانا وغنم منهم غناء ما عزت على الحصر أما الدوق أود فقد فر بمن بقي حيا من جنوده وطفق يعد العدة للقاء آخر مع جيوش المسلمين فقد كان يعلم أن معركة آرل كانت بداية الطريق وليست نهايته عبر عبد الرحمن الغافقي بجيشه الجرار نهر الجارون وطفقت كتائبه الظافرة تجوس مقاطعة أكتانيا ذات اليمين وذات الشمال وأخذت المدن والقرى تتساقط تحت سناب كخيله كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف إذا هبت عليها الرياح الهوج وأضاف المسلمون إلى غنائمهم السابقة غنائم لاحقة لم ترها عين من قبل ولم تسمع بها أذن وقد حاول دوق أكتانيا أن يتصدى لهذا الزحف الكبير مرة أخرى فاشتبك مع المسلمين في معركة ضروس لكن المسلمين ما لبثوا أن هزموه هزيمة طاحنة وأنزلوا به نكبة ساحقة مدمرة ومزقوا جيشه شر ممزق وتركوا جنده بين قتيل وأسير وهزيم ثم اتجه المسلمون إلى مدينة بوردو كبرى المدن الإفرنسية آنذاك وعاصمة مقاطعة أكتانيا وخاضوا مع أميرها معركة لا تقل هولا عن المعارك السابقة استبسل فيها المهاجمون والمدافعون استبسالا يثير العجب والإعجاب لكن المدينة الكبيرة الخطيرة ما لبثت أن سقطت في أيدي المسلمين كما سقطت أخواتها من قبل وما لبث أميرها أن قتل في جملة القتلى وأحرز المسلمون من غنائم بوردو ما هون في أعينهم كلما أحرزوه من غنائم وقد كان سقوط بوردو في أيدي المسلمين فاتحة لسقوط مدن أخرى كثيرة خطيرة أهمها ليون وبيزانسون وسانس وكانت هذه الأخيرة لا تبعد عن باريس أكثر من مائة ميل اهتزت أوروبا من أقصاها إلى أقصاها لسقوط نصف فرنس الجنوبي كله في يدي عبد الرحمن الغافقي خلال بضعة أشهر وفتح الفرنجة أعينهم على الخطر الداهم ودب الصريخ في كل مكان يدعو العجزة والقادرين إلى الوقوف في وجه هذا الهول القادم من الشرق ويحضهم على التصدي له بالصدور إذا عزت السيوف ويدعوهم إلى سد الطريق أمامه بالأجساد إذاً عدم العتاد فاستجابت أوروبا لدعوة الداعي وأقبل الناس على الانضواء تحت لواء شارل مارتيل ومعهم الشجر والحجر والشوك والسلاح كان الجيش الإسلامي آنذاك قد بلغ مدينة تور طليعة مدن فرنسا وفرة في السكان وقوة في البنيان وعراقة في التاريخ وكانت المدينة فوق ذلك تختال على أكثر مدن أوروبا بكنيستها الفخمة الضخمة العامرة بجليل الأعلاق وكريم النفائس فأحاط بها المسلمون إحاطة الغل بالعنق وانصبوا عليها انصباب المنون إذا جاء الأجل واسترخصوا في سبيل افتتاحها الأرواح والمهج فما لبثت أن سقطت بين أيديهم على مرأى شارل مارتيل ومسمعه وفي العشر الأخيرة من شهر شعبان سنة أربع ومئة للهجرة زحف عبد الرحمن الغافقي بجيشه اللجب على مدينة بواتيه وهناك التقى مع جيوش أوروبا الجرارة بقيادة شارل مارتيل ووقعت بين الفريقين إحدى المعارك الفاصلة لا في تاريخ المسلمين والفرنجة فحسب وإنما في تاريخ البشرية كلها وقد عرفت هذه المعركة بمعركة بلاط الشهداء كان الجيش الإسلامي يومئذ في ذروة انتصاراته الباهرة لكن كاهله كان مثقلا بتلك الغنائم التي صبت عليهم صباب الغيث وتكدست في أيدي جنوده تكدس السحب وقد نظر عبد الرحمن الغافقي إلى هذه الثروة الطائلة الهائلة نظرة قلق وإشفاق وتوجس منها خيفة على المسلمين فقد كان لا يأمن أن تشغل هذه النفائس قلوبهم عند اللقاء وأن توزع نفوسهم في لحظات البأس وأن تجعل إحدى عيني الواحد منهم على العدو المقبل عليه وعينه الأخرى على الغنائم التي في يديه ولقد هم بأن يأمر جنوده بالتخلص من هذه الثروات الطائلة الهائلة ولكنه خشي أن لا تطيب قلوبهم بذلك القرار الخطير وأن لا تسمح نفوسهم بالتخلي عن ذلك الكنز الثمين فلم يجد وسيلة خيرا من أن يجمع هذه المغانم في مخيمات خاصة وأن يجعلها وراء المعسكر قبل إن شاب القتال وقف الجيشان الكبيران بضعة أيام كل منهما قبالة الآخر في سكون وترقب وصمت كما تقف سلسلتان من الجبال إحداهما في وجه الأخرى فقد كان كل من الجيشين يخشى بأس عدوه ويحسب للقائه ألف حساب فلما طال الوقت على هذه الحال ووجد عبد الرحمن الغافقي مراجل الحمية والإقدام تغلي في صدور رجاله آثر أن يكون هو البادئ بالهجوم معتمدا على مناقب جنده متفائلا بحسن طالعه في النصر انقض عبد الرحمن الغافقي بفرسانه على صفوف الفرنجة انقضاض الأسود الكاسرة وصمد لهم الفرنجة وانقض اليوم الأول من أيام المعركة دون أن ترجح فيه كفة على كفة ولم يحجز بين المتقاتلين غير هبوط الظلام على ميدان القتال ثم تجدد النزال في اليوم التالي وحمل المسلمون على الفرنجة حملات باسلة ولكنهم لم ينالوا منهم وطرى المعركة تدور على هذه الحال سبعة أيام طويلة ثقيلة فلما كان اليوم الثامن كر المسلمون على عدوهم كرة واحدة ففتحوا في صفوفه ثغرة كبيرة لاح لهم من خلالها النصر كما يلوح ضوء الصبح من خلال الظلام عند ذلك أغارت فرقة من كتائب الفرنجة على معسكرات الغنائم فلما رأى المسلمون أن غنائمهم قد أوشكت أن تقع في أيدي أعدائهم إن كفأ كثير منهم لاستخلاصها منه فتصدعت لذلك صفوفهم وتضعضعت جموعهم وذهبت ريحهم فهب القائد العظيم يعمل على وفيما كان بطل الإسلام عبد الرحمن الغافقي يذرع أرض المعركة على صهوة جواده الأشهب جيئة وذهابا وكرا وفرا أصابه سهم نافذ فهواعا متن فرسه كما يهو العقاب من فوق قمم الجبال وثواصريعا شهيدا على أرض المعركة فلما رأى المسلمون ذلك عمهم الذعر وسادهم للطراب واشتدت عليهم وطأة العدو ولم يوقف بأسه عنهم إلا حلول الظلام فلما أصبح الصبح وجد شارل مارتيل أن المسلمين قد انسحبوا من بواتيه فلم يجرؤ على مطاردتهم ولو طاردهم لأفناهم كأنه خشي أن يكون انسحابهم مكيدة من مكائد الحرب دبرت في ليل فآثر البقاء في مواقعه مكتفيا بذلك النصر الكبير لقد كان يوم بلاط الشهداء يوما حاسما في التاريخ أضاع فيه المسلمون أملا من أعز الأمال وفقدوا خلاله بطلا من أعظم الأبطال حررت فيه مأساة يوم أحد سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا هزت أمباء فاجعة يوم بلاط الشهداء نفوس المسلمين في كل مكان هزا عنيفا وزلزلت لهولها أفئدتهم زلزالا شديدا وعم الحزن بسببها كل مدينة وما زال جرحها الممض ينزف من قلوبهم دما حتى اليوم وسيظل ينزف ما بقي على ظهر الأرض مسلم ولا تحسبن أن هذا الجرح العميق الغائر قد أمض أفئدة المسلمين وحدهم وإنما شاركهم في ذلك طائفة من عقلاء الفرنجة وذلك قام على المسلمين في بواتيه مصيبة كبرى رزئت بها الإنسانية وخسارة عظما أصابت أوروبا في صميمها ونكبة جلا نكبت بها الحضارة وإذا شئت أن تقف على رأي بعض هؤلاء في فجيعة بلاط الشهداء فاستمع إلى هنري دي شانبون مدير مجلة ريفي بارل من تيرا الفرنسية حيث قال لولا انتصار جيش شارمارت الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادنا في ظلمات القرون الوسطى ولما أصيبت بفضائعها ولا كابدت المذابح الأهلية التي دفع إليها التعصب الديني المذهبي نعم ونحن الوحشي على المسلمين في بواتيه لظلت إسبانيا تنعم بسماحة الإسلام ولنجت من وصمة محاكم التفتيش ولما تأخر سير المدنية ثمانية قرون ومهما اختلفت المشاعر والآراء حول انتصارنا ذاك فنحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة مدعون لأن اعترف بأنهم كانوا مثال الكمال البشري في الوقت الذي كنا فيه مثال الهمجية وافتراء ما ندعيه اليوم من أن الزمان قد استدار وأن المسلمين وصلوا في هذا العصر إلى ما كنا عليه في العصور الوسطى كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فموا فينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا