بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ استِسْلَامُ مَرْيَمَ لِأَمْرِ اللَّهِ إنَّ حقيقةَ إِسْلَامِ المَرْأَ تَتَجَلَّى فِي مَدَ استِسْلَامِهَا لِأَمْرِ اللَّهِ وهذا هو المعيار الإيماني لكل الناس وهي من أكبر القضايا التي تدور حولها معاني الآيات والقصص في سورة البقرة وقد أثنا ربنا سبحانه وتعالى على نبيه وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام باستسلامه له فقال ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفها نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين قال السعدي رحمه الله إذ قال له ربه أسلم قال امتثالا لأمر ربه أسلمت لرب العالمين إخلاصا وتوحيدا ومحبة وإنابا وإيمان المرأة يزداد أو ينقص بحسب استسلامها لأمر الله وشرعه قال ابن تيمية رحمه الله فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركا ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت وهذه الخلاصة التي ذكرها ابن تيمية رحمه الله تلخص لك قضية الاستسلام وهي أن تطيع الله عز وجل في كل وقت بفعل ما أمرك به في ذلك الوقت ولما تنظرين إلى قصة مريم وما أمرها الله عز وجل به وكتب عليها من حمل بعيسى وهي العفيفة العذرى لم يمسها رجل لم تعترض بعد أن عرمت أن هذا أمر الله عز وجل ولذلك قال الله تعالى عنها فحملته فانتبذت به مكانا قصيا قال ابن كثير رحمه الله يقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال إنها استسلمت لقضاء الله تعالى ومريم عليه السلام قبل أن تأتيها البشارة بعيسى كانت متثرغة لعبادة الله في بيت المقدس مبتعدة عن الناس قد اتخذت من دونهم حجابا فجاءها لابتلاء بالحمل فنجحت فيه فارتفعت مكانتها عند الله عز وجل حتى جعلها آية للعالمين قال تعالى والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين وقال وجعلنا ابن مريم وأمه آية وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين وامتحان الله لعباده سنة ماضية لا تتبدل ولا تتغير حتى الأنبياء يبتليهم الله بأشد أنواع البلاء كل ذلك لإظهار مدى استسلامهم لأمر الله وشرعه وثباتهم عليه قال تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنا الله الذين صدقوا وليعلمنا الكاذبين قال ابن كثير رحمه الله قوله تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون استفهام إنكار ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح أشد الناس بلاء أن الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ومريم عليه السلام من الصالحات ولشدة إيمانها ابتلاها الله بأمر عظيم وهو الحمل من غير مسيس فكيف ستواجه قومها وهي التي لم يعرف عنها إلا العبادة والتفرغ لها وهذا هو الابتلاء الذي يمحص الله عز وجل به عباده بحسب إيمانهم ليرى مدى استسلامهم لأمره وشرعه ومدى ثباتهم عليه وهذا الابتلاء الهدف منه بيان صادق من الكاذب في الدعاء الإيمان قال السعدي رحمه الله يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال إنه مؤمن وادعى لنفسه الإيمان أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعة فإنهم لو كان الأمر كذلك لم يتميز الصادق من الكاذب والمحق من المبطل ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة أن يبتليهم ومن رحمة الله بعباده أنه يعين الصادقين على ما يبتليهم به كما وقع في قصة مريم فقد أعانها الله في مواجهة قومها بالآيات البينات من نطق عيسى وهو رضيع وكلامه في المهد قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله ولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتن ويصبرهم عليها ويثيبهم فيها ولا يلقيهم في فتنة مهلكة مضلة تذهب بدينهم بل تمر عليهم الفتن وهم منها في عافية إن الدعاء الإيمان أمر يسير لأنه كلام ولكن حقيقة الإيمان تتجلى في مدر التزام العملي المطلوب من المسلم والمسلمة ولذلك أنكر الله على الأعراب كما في قوله عز وجل قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم وتحريمه عليك الخلوة بالرجل الأجنبي والاختلاط في ميادين العمل وتحريمه خروجك متعطرة وأمره لك بطاعة زوجك وخلقه لك أنثى تختلفين عن الذكر كل ذلك وغيره من شرع الله وأمره يحتاج منك إلى استسلام مطلق لا جدال فيه لأن الله لا يأمرك بأمر أو ينهاك عن أمر إلا فيه مصلحتك في الدنيا والآخرة ولا يكفي أن تقولي صحيح وآمنت ثم لا تستسلمين له ولا تطبقين لا يكفي أن تقولي إنك تحبين الله ورسوله ثم لا تمتثلين لأمر الله ورسوله في واقع حياتك أو أنك تجادلين في أمر الله ورسوله عندما يخالف هواك ويخالف واقع المجتمعات مخافة من ضغط المجتمع عليك واستنكارهم عليك أو استهزائهم بك كل هذا مخالف للاستسلام لأمر الله وشرعه وانظر إلى حال اليهود لما عارضوا أمر الله بكثرة الجدل ماذا حل بهم من التشديد عليهم في الدنيا قال تعالى وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قال ادعو لنا ربك يبيل لنا ماهي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قال ادعو لنا ربك يبيل لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع اللونها تسر الناظرين قال ادعو لنا ربك يبيل لنا ماهي إن البقرة شابها علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شيت فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقل نضربوه ببعضنا كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون وقال سبحانه عنهم كذلك وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤتي أحدا من العالمين يا قوم دخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهم دخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمين قالوا يا موسى إن لن ندخلها أبدا ما دامو فيها فاذهب أنت وربك فقاتلوا إنها هنا قاعدون قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فاثرقوا بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنتين يتيهون في الأرض فلا تأسى على القوم الفاسقين وعدم الاستسلام لأمر الله عز وجل وشرعه والمجادلة فيه نابع من الكبر المسيطر على القلب وهذا من أخطر أنواع الكبر أن تتكبر المسلمة على الله عز وجل وترفض شرعه بعقلها وهواها قال تعالى الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقال عز وجل إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير فيا من أحبت مريم عليه السلام وقتدت بها إياك أن يستجرك أهل الأهواء إلى رفض شرع الله والمجادلة فيه بأي حجة من الحجج الواهية وعليك بسيرة الصالحات من أمهات المؤمنين والصحابيات ومن سار على دربهم من النساء الصالحات عبر تاريخ هذه الأمة العظيم نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين